من «ربيع الأبرار ونصوص الأخيار» للزمخشري (ت ٥٣٨هـ)
الباب الثاني والستون الغدر، والخيانة، والسرقة، والغش، والفتك، والوشايات، والنمائم، وإفشاء الأسرار
عبد الله بن عمر ﵁: قال رسول الله ﷺ: إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة، فيقال هذه غدرة فلان.
عائشة ﵂: رفعته: ذمة المسلمين واحدة، فإنّ أجارت عليهم جارية فلا نفخرها، فإنّ لكل غادر لواء يوم القيامة.
أبو هريرة ﵁: مر رسول الله ﵇ برجل يبيع طعاما، فسأله كيف تبيع؟ فأخبره، فأوحي إليه أن أدخل يدك فيه، فأدخل يده فيه فإذا هو مبلول، فقال: ليس منا من غش.
قال ملك لصاحب ملك آخر: أطلعني على سر صاحبك، قال:
إليّ تقول هذا؟ وما ذاق أحد كأسا أمر من الغدر، والله لو حول ثواب الوفاء إليه لما كان فيه عوض منه، ولكن سماجة اسمه وبشاعة ذكره ناهيان عنه.
مالك بن دينار: كفى بالمرء خيانة أن يكون أمينا للخونة.
وقع جعفر بن يحيى البرمكي على ظهر كتاب لعيسى بن ماهان إلى الرشيد:
حبب الله إليك الوفاء يا أخي فقد أبغضته، وبغض إليك الغدر فقد أحببته. إني نظرت في الأشياء لأجد لك فيها ما يشبهك فلم أجد، فرجعت إليك فشبهتك بك، وقد بلغ من حسن ظنك بالأيام أن أملت السلامة مع البغي وليس هذا من عادتها والسّلام.
جعل المنصور العهد إلى عيسى بن موسى، ثم طالبه بتقديم المهدي عليه فقال عيسى:
بدت لي إمارات من الغدر شمتهاأظن رواياها ستمطركم دما
وما يعلم العالي متى هبطاتهوإن سار في ريح الغرور مسلما
- وقال:
أينسى بنو العباس ذبّي عنهمبسيفي ونار الحرب ذاك سعيرها
فتحت لهم شرق البلاد وغربهافذل معاديها وعز نصيرها
أقطّع أرحاما عليّ عزيزةوأسدي مكيدات لها وأنيرها
فلما وضعت الأمر في مستقرهولاحت له شمس تلألأ نورها
دفعت عن الحق الذي أستحقهوسقيت بأوساق من الغدر عيرها
فتكتا الإسلام فتكة عبد الملك بن مروان بعمرو بن سعيد الأشداق وفتكة المنصور بأبي مسلم.
احتضر رجل فإذا هو يقول: جبلين من نار، جبلين من نار.
فسئل أهله عن عمله فقالوا: كان له مكيان، يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر.
أبو هريرة رفعه: اللهم أني أعوذ بك من الجوع فبئس الضجيع وأعوذ بك من الخيانة فبئست البطانة.
- وعنه مرفوعا: المكر والخديعة والخيانة في النار.
الخائن في المنزور كالخائن في الموفور، ولذلك أوعد الله بالنقير والقطمير، كما خوف بالمثاقيل والقناطير.
قال مروان لعبد الحميد الكاتب عند زوال أمره: صر إلى هؤلاء القوم، يعني بني العباس، فإني أرجو أن تنفعني في مخلفي، فقال وكيف لي بعلم الناس جميعا إن هذا رأيك؟ كلهم يقولون إني قد غدرت بك وأنشد:
وغدري ظاهر لا شك فيهلمبصرة وعذري بالمغيب
- ولما أتى به المنصور قال له: استبقني فإني فرد الدهر بالبلاغة.
فقطع يديه ورجليه، ثم ضرب عنقه.
كان يقال: لم يغدر غادر قط إلا لصغر همته عن الوفاء، واتضاع قدره عن احتمال المكاره في جنب نيل المكاره.
عتيبة بن الحارث بن شهاب صياد الفوارس:
غدرتم غدرة وغدرت أخرىفليس إلى توافينا سبيل
عارف الطائي:
أذل لوطء الناس من خشب الجسر إذا استحقبتها العيس جاءت من البعد.
أيوعدني والرمح بيني وبينهتبين رويدا ما أمامة من هند
ومن أجا حولي رعان كأنهاقنابل خيل من كميت ومن ورد
غدرت بأمر كنت أنت اجتذبتناإليه وبئس الشيمة الغدر بالعهد
علي ﵁: الوفاء لأهل الغدر غدر عند الله والغدر بأهل الغدر وفاء عند الله.
- وكتب إلى عامله»
: فلما أمكنتك الشدة أسرعت الكرة، وعاجلت الوثبة، واختطفت ما قدرت عليه. اختطاف الذئب الأزل دامية المعزى. فحملته رحيب الصدر بحمله، غير متأثم من أخذه، كأنك لا أبا لغيرك حدرت إلى أهلك تراثك من أبيك وأمك. فسبحان الله! أما تؤمن بالمعاد! أو ما تخاف نقاش الحساب؟ كيف تسيغ شرابا وطعاما؟ وأنت تعلم أنك تأكل حراما، لأعذرن إلى الله فيك، لأضربنك بسيفي الذي ما ضربت به أحدا إلا دخل النار.
- وعنه: وتغاب عما لا يتضح لك، ولا تعجلن إلى تصديق ساع، فإن الساعي غاش وإن تشبّه بالناصحين.
- وعنه: ومن استهان بالأمانة وقع في الخيانة، ومن لم ينزه نفسه ودينه عنها فقد أحل بنفسه في الدنيا، وهو في الآخرة أذل وأخزى. وإن أعظم الخيانة خيانة الأمة، أفظع الغش غش الأئمة. والسلام.
قال المنصور لعامل بلغته عنه خيانة: يا عدو الله وعدو أمير المؤمنين أكلت مال الله! فقال: يا أمير المؤمنين، نحن عيال الله، وأنت خليفة الله والمال مال الله. فما نأكل إذن؟ فضحك وقال: خلوه ولا تولوه.
كان محمد بن جعفر بن أبي طالب مع أخيه محمد بن أبي بكر الصديق بمصر فلما هزم ابن أبي بكر استخفى، فدل عليه رجل من عك ثم من غافق، فقال:
لعمري للحيان عك وغافقأذل لوطء الناس من خشب الجسر
أجرتم فلما أن أجرتم غدرتمولن تجد العكي إلا إلى غدر
أبو بكر ﵁: ثلاث من كن فيه كن عليه: البغي، والنكث، والمكر. قال الله تعالى: إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ
فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ
وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
مر عبد بن عبيد بجماعة وقوف، فقال: ما هذا؟ قيل:
السلطان يقطع سارقا، فقال: لا إله إلا الله! سارق العلانية يقطع سارق السر.
أمر الإسكندر بصلب سارق، فقال: أيها الملك إني فعلت ما فعلت وأنا كاره، فقال: وتصلب وأنت أيضا للصلب كاره.
وقف شاطر على قبر سارق فقال: رحمك الله، فقد والله كنت أحمر الإزار، حاد السكين، إن نقبت فجرذ، وإن تسلقت فسنور، وإن استلبت فحدأة، وإن ضربت فأرض. وإن شربت فجب. ولكنك اليوم وقعت في زاوية سوء.
سرق مدني قميصا، فأعطاه ابنه ليبيعه، فسرق منه، فجاء فقال له: بكم بعته؟ فقال: برأس المال.
العرب: الخلة تدعو إلى السلة.
[شاعر]:
من يأمن الذئب على غدرهأهل لأن يخفره الذيب
كان عمر بن مهران يكتب على روشمه: اللهم احفظه ممن يحفظه.
الفرزدق:
إنّ أبا الكرشاء ليس بسارق، ولكن متى ما يسرق القوم يأكل قال لرجل غلامه: يا سيدي قد سرق الحمار، فقال: الحمد لله الذي لم أكن على ظهره.
أعرابي:
ألا لا أبالي بعد قوس سرقتهابمكة أن لا يكتب الله لي أجرا
دخل شهر بن حوشب، وهو من جلة القراء والمحدثين، بيت
المال، فأخذ خريطة دراهم، وقيل فيه:
لقد باع شهر دينه بخريطةفمن يأمن القراء بعدك يا شهر
- وضرب بخريطة شهر المثل فيما يختزله المتسمون بالستر من أموال الناس.
كان للمأمون خادم يتولى وضوءه فيسرق طساسه، فقال له يوما: لم تسرقها؟ فهلا تأتيني بها فأشتريها منك؟ قال: بدينارين.
فاشتراها منه وقال: فهذه الآن في أمان؟ قال: نعم، قال: فلنا فيها كفاية إلى دهر.
لو خلا بالكعبة لسرقها.
ذكر هشام بن محمد بن السائب الكلبي: إن بابك بن ساسان كان يغشى البيت، وآخر ما زاره دفن فيه غزالا من ذهب، عيناه من ياقوت وفي أذنيه شنفان من ذهب بدرتين، والسيوف القلعية التي لم تكن إلا لفارس.
وهو الغزال الذي سرقه أبو إهاب. وذلك أنه كان أبو إهاب وديك
ودييك موليان لخزاعة يشربون، فنفذ شرابهم، فقال أبو إهاب والله ما نعوّل على شيء إلا على غزال الكعبة، فسرقوه، فعظم ذلك على قريش وقطعوا الموليين، ولم يقووا على أبي إهاب، وفيه يقول حسان:
أبا إهاب فبيّن لي حديثكمأين الغزال عليه الدرّ من ذهب
سباع بن كوثل السلمي، وكان لصا فحبس حتى مات في السجن:
وإني لأستحيي من الله أن أرىأجرر حبلي ليس فيه بعير
وأن أسأل المرء الدني بعيرهوبعران ربي في البلاد كثير
كان لعمرو بن دويرة البجلي أخ قد كلف ببنت عم له، فتسور عليها، فأخذه أخوتها وأتوا به خالد بن عبد الله القسري وسرّقوه وسأله فصدقهم ليدفع الفضيحة عن الجارية. فأراد خالد قطعه، فقال عمرو:
أخالد قد والله أوطئت عشوةوما العاشق المسكين فينا بسارق
أقر بما لم يأته المرء أنهرأى القطع خيرا من فضيحة عاتق
فزوجه خالد الجارية.
سرق رجل من مجلس أنوشروان جام ذهب وهو يراه، فلما فقده الشرابي قال: والله لا يخرج أحد حتى يفتش، فقال أنوشروان: لا تعرضن لأحد، فقد أخذه من لا يرده، ورآه من لا ينم عليه.
وسرق رجل من مجلس معاوية كيس دنانير وهو يراه، فقال
الخازن: قد نقص من المال كيس دنانير، فقال: صدقت، وأنا صاحبه وهو محسوب لك.
قطع على قوم بالبادية، فكتب إلى عمرو بن حنظلة: أما بعد فأنكم أقوام قد استنكحتم هذه الفتنة، فلا على حق تقيمون، ولا عن باطل تمسكون، وإني أقسم بالله لتأتينكم مني خيل تدع أبناءكم يتامى، ونساءكم أيامى، ألا وأيما رفقة مرت بأهل ماء فأهل الماء ضامنون لها حتى تأتي الماء الآخر. فكانت الرفقة إذا وردت أهل الماء أخذوها حتى يوردوها الماء الآخر.
قال رجل لعمرو بن عبيد: إن الأسواري لم يزل يذكرك ويقول الضال. فقال عمرو: والله يا هذا ما رعيت حق مجالسته حين نقلت إلينا حديثه، ولا رعيت حقي حين أبلغتني عن أخي ما أكرهه، اعلم أن الموت يعمنا، والبعث يحشرنا، والقيامة تجمعنا، والله يحكم بيننا.
من نمّ لك نمّ عليك.
قالوا في السعاة: كفى إن الصدق محمود إلا منهم، وإن أصدقهم أخبثهم.
وشى واش برجل إلى الإسكندر فقال: أتحب أن نقبل منك ما قلت فيه على أن نقبل منه ما يقول فيك، قال: لا، قال: فكف عن الشر يكف عنك.
قال رجل لفيسلوف: عابك فلان بكذا، فقال: لقيتني بقحتك بما استحيي أن يلقاني به.
شاعر:
يسعى عليك كما يسعى إليك فلاتأمن غوائل ذي وجهين كيّاد
ابن الطثرية:
تكنفني الواشون من كل جانبولو كان واش واحد لكفاني
إذا ما جلسنا مجلسا نستلذهتواشوا بنا حتى أمل مكاني
العلاء بن المنهال الغنوي:
قل للمساور أنّ زهدم خائنفخف الآله واعفنا من زهدم
إن العفيف إذا استعان بخائنكان العفيف شريكه في المأثم
عاتب مصعب بن الزبير الأحنف على شيء بلغه عنه، فاعتذر،
فقال: أخبرني بذلك الثقة، فقال: كلا أيها الأمير، إن الثقة لا ينم.
اشترى الربيع بن خميم فرسا بثلاثين ألفا يغزو عليه، فأرسل غلامه ليحتش له، وربطه وقام يصلي، فسرق وهو لا يفطن لاشتغاله بالصلاة، فقال: اللهم إن كان عويا فاهده، وإن كان فقيرا فاغنه، ثلاث مرات.
حذيفة ﵁: ولقد أتى عليّ زمان وما أبالي أيكم بايعت إن كان مسلما رده عليّ إسلامه، وإن كان نصرانيا رده عليّ ساعيه، فأما اليوم فما كنت أبايع إلا فلانا أو فلانا.
جعل سمعه مدرج النمائم».
كتب الفضل بن سهل: إنا نرى أن قبول السعاية شر من السعاية فان السعاية دلالة، والقبول إجازة. فانف هذا الساعي فإن يكن في سعايته صادقا فهو في صدقه لئيم، إذ لم يرع الحرمة، ولم يستر العورة.
صالح بن عبد القدوس:
من يخبّرك بشتم عن أخفهو الشاتم لا من شتمك
ذاك شيء لم يواجهك بهإنما اللوم على من أعلمك
كيف لم ينصرك إن كان أخاذا حفاظ عند من قد ظلمك
المستورد رفعه: من أكل بأخيه أكلة أطعمه الله مثلها من نار
جهنم. هو أن يسعى بأخيه ويجتر نفعا بسعايته.
الجنيد: ستر ما عاينت أحسن من إشاعة ما ظننت.
عبد الرحمن بن عوف ﵁: من سمع بفاحشة فأفشاها فهو كالذي أتاها.
طريح:
إن يعلموا الخير يخفوه وإن علمواشرا أذاعوا وإن لم يعلموا كذبوا
وحسبك تهمة ببرىء قوميضم على أخي سقم جناها
ولا تردعي الأسرار سمعي فإنماتصبين ماء في إناء مثلم
حلة امرىء القيس مثل في كرامة تحتها شر وغدر. وذلك أنه مر إلى قيصر يستنجده على قتلة أبيه. فأمده بجيش، فلما سار خطىء
في رأيه فأتبعه حلة مسمومة وعزم عليه أن يلبسها، فلما لبسها تقرح جلده وتساقط لحمه.
موسى بن عبد الله بن حسن بن علي ﵃:
تولت بهجة الدنيافكل جديدها خلق
وخان الناس كلهمفلا أدري بمن أثق
رأيت معالم الخيراتسدت دونها الطرق
فلا حسب ولا أدبولا دين ولا خلق
النبي ﷺ: لافتك في الإسلام. وعنه: قيد الإسلام الفتك وأول فتكا في الإسلام ما فعله أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة،
قاتل عمر ﵁، ثم فتكة عمرو بن جرموز بالزبير بن العوام، ثم فتكة عبد الرحمن بن ملجم بعلي ﵁.
وفتكة البراض في الجاهلية مثل.
[شاعر]:
ولا أكتم الأسرار لكن أنمهاولا أدع الأسرار تغلي على قلبي
وإن السخين العين من بات ليلهتقلبه الأسرار جنبا إلى جنب
ذم أعرابي رجلا فقال: إن الناس يأكلون أمانتهم لقما وإن فلانا يحسوها حسوا.
كتبت غنج جارية الخزاعي على جبهتها: لا كنت أن خنت.
البريء جريء، والخائن خائف.
وفي نوابغ الكلم: الأمين آمن، والخائن حائن.
كان مالك بن الريب يصيب الطريق، فلم يزل بشر بن مروان
يطلبه حتى أتى به، فرأى لسانا وظرفا فقال: ويحك: إني لأرى فيك ما قلّ في رجل، فما يحملك على إصابة الطريق ؟ قال: أصلح الله الأمير العجز عن مكافأة الأخوان، قال: أفرأيت إن أغنيتك أتعف؟ قال: أي والله، عفة ما عفها أبو ذر قط. فأغناه، فلما مات بشر عاد إلى قطع الطريق.
النص من طبعة مؤسسة الأعلمي ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع