من «ربيع الأبرار ونصوص الأخيار» للزمخشري (ت ٥٣٨هـ)
الباب السابع والثمانون النوم، والاحتلام، والسهر، والرؤيا وما جاء من عجائب التأويلات، وما يتعلق بذلك
أبو سعيد الخدري ﵁: قال رسول الله ﷺ: ما من أحد ينام إلّا ضرب على صماخه بجرير معقد، فإن هو استيقظ وذكر الله انحلت عقدة، فإن هو توضأ حلت عقدة أخرى، فإن قام فصلّى حلّت العقد كلها. فإن هو لم يستيقظ ولم يتوضأ ولم يصل أصبحت العقد كلها كهيأتها، وبال الشيطان في أذنيه.
وقالت أم خالد بن خالد بن سعيد بن العاص لمولاة لها عند السحر: حلّلي عقد الشيطان، ليست بساعة نوم.
كان زمعة بن صالح يصلّي ليلا طويلا، فإذا أسحر نادى أهله:
يا أيها الركب المعرسوناأكل هذا الليل ترقدونا
فيتواثبون من بين باك وداع ومستغفر ومتوضىء. فإذا أصبح نادى:
عند الصباح يحمد القوم السرى.
ابن عباس: عن النبي ﷺ: أشراف أمتي حملة القرآن وأصحاب الليل.
قالت أم سليمان بن داود ﵉ لسليمان: يا بني، لا تكثر النوم، فإن صاحب النوم يجيء يوم القيامة مفلسا.
الثوري: كان يعجبهم إذا كان الرجل فارغا أن ينام طلبا للسلامة. وكان يقول: ما أعرف في زماننا أمثل من النوم.
ورؤي الثوري يقول للطبيب: دلني على شيء إذا أردت النوم جاءني، فقال أكثر من دهن رأسك.
العرب: نومة الضحى في الصيف مبردة، وفي الشتاء مسخنة.
قيل للحسن: إن ابن سيرين ما احتلم قط. فقال: إن الاحتلام عرس النسّاك إذا علم الله منهم العفاف.
إن نومة الضحى مخلفة للفم.
ابن الجهم: إذا غشيني النعاس في غير وقت نوم تناولت كتابا من كتب الحكم، فأخذ اهتزازي للفوائد، والأريحية التي تعتريني،
أشد من نهيق الحمار، وهدة الهدم.
شاعر:
إلّا إن نومات الضحى تورث الفتىخبالا ونومات العصير جنونا
الحارث بن الحارث المكي: إني لأعجب ممن يستلقي على فراشه، ويطبق عينيه يبتغي النوم، كيف لا يقوم يصلّي حتى تغلبه عيناه؟
فلا نوم ألذ من ذلك النوم.
طاووس: لئن تختلف السياط على ظهري أحب إلي من أن أنام يوم الجمعة والإمام يخطب.
محمد بن النضر الحارثي: ترك النوم قبل مدته بسنتين إلّا القيلولة.
مكحول: من آوى إلى فراشه ثم لم يتفكر فيما صنع في يومه، فإن عمل خيرا حمد الله، وإن أذنب استغفر الله، كان كالتاجر الذي ينفق ولا يحسب حتى يفلس ولا يشعر.
كان شداد بن أوس الأنصاري على فراشه كأنه حبة على المقلى، وهو يقول: اللهمّ إن النار منعتني النوم.
شاعر:
غيرت موضع مرقديليلا ففارقني السكون
قل لي فأول ليلتيفي حفرتي أنّي تكون
خوات بن جبير: نوم أول النهار خرق، وأوسطه خلق، وآخره حمق.
وعن العباس بن عبد المطلب أنه مرّ بابنه وهو نائم نومة الضحى، فركله برجله وقال: قم لا أنام الله عينك، أتنام في ساعة يقسم الله فيها الرزق بين عباده؟ أو ما سمعت ما قالت العرب إنها مكسلة مهزلة، منساة للحاجة؟.
والنوم على ثلاثة أنواع: نومة الخرق، ونومة الخلق، ونومة الحمق. فنومة الخرق نومة الضحى، ونومة الخلق هي التي أمر رسول الله ﷺ بها أمته فقال: قيلوا فإن الشياطين لا تقيل. ونومة الحمق بعد العصر، لا ينامها إلّا سكران أو مجنون أو مريض.
الصبي إلى أربع سنين لا يحلم حلما يعتد به، ومنهم من لم يحلم إلى أن أسن، ومنهم من لم يحلم البتة.
قيل لعبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك: ما أذهب ملككم؟
قال: نوم الغدوات، وشرب العشوات.
هشام بن عبد الملك لولده: ولا تصطبحوا فإنه شؤم ونكد.
أبو دلف العجلي:
أمالكتي ردي عليّ فؤادياونومي فقد شرّدته عن وساديا
ألا تتقين الله في قتل عاشقأمتّ الكرى عنه فأحيا اللياليا
علي ﵇: ينام الرجل على الثكل ولا ينام على الحرب. يعني أنه يصبر على قتل الولد ولا يصبر على سلب المال.
ابن سيرين: لا يحتلم ورع إلّا على أهله.
سلمان الفارسي: إني لاحتسب نومتي كما احتسب قومتي.
عمر بن أبي ربيعة:
فلو كنت ماء كنت صوب غمامةولو كنت ليلا كنت رابعة العشر
ولو كنت لهوا كنت تعليل ساعةولو كنت نوما كنت إغفاءة الفجر
يقال بات فلان بليلة أنقد، وهو القنفذ، أي ساهرا.
قيل للشعبي: كيف بت البارحة؟ فطوّل كساءه في الأرض ثم نام عليه وتوسد يده، وقال: هكذا بت.
يحيى بن اليمان: رأيت رجلا نام، وهو أسود الرأس واللحية، شاب يملأ العين، فرأى في منامه كأن الناس قد حشروا، وإذا بنهر من نار وجسر يمر عليه الناس، فدعي فدخل الجسر، فإذا هو كحد السيف، يمور به يمينا وشمالا. فأصبح أبيض الرأس واللحية.
رأى رجل في منامه كأنه يصب الزيت في الزيتون. فقال ابن سيرين: إن صدقت فإنك تفعل بأمك. فكان كما قال:
أتى دومة بنت معتب آت في المنام فقال لها:
ألا أبشرن لولدأشبه شيء بالأسد
إذا الرجال في كندتغالبوا على بلد
كان له حظ الأشد فولدت المختار بن أبي عبيد. وذلك في سنة الهجرة.
رؤي غزوان الصوفي في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟
فقال:
حاسبونا فدققواطالبونا فحققوا
ثم منّوافأعتقوا
لما انصرف أبو مسلم من حرب عبد الله بن علي رأى في المنام كأنه على فيل، والشمس والقمر في حجره. فقصه على عابر سبيل، فقال: الرسم. فقبض عشرة آلاف درهم. ثم قال: اعهد عهدك فإنك هالك. وقرأ: ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل. وجمع الشمس والقمر يقول الإنسان يومئذ أين المفر.
رأى رجل كأنه ينظر في لوح من ذهب. فقيل: يذهب بصرك.
فعمي.
قال رجل لسعيد بن المسيب: رأيت كأني بلت خلف المقام.
قال: فهو عبد الملك، قال يلي أربعة من صلبه الخلافة.
وروي أنه قال: رأيت كأن رسول الله ﷺ يبول في ذيل عبد الملك أربع مرّات. فقال: إن صدقت رؤياك خرج من صلبه أربعة خلفاء.
رأى علي بن الحسين مكتوبا على صدره قل هو الله أحد، فاستعبر سعيد فقال: بضعة من رسول الله ﷺ نعيت إليه نفسه.
الشافعي ﵀: رأيت عليا ﵇ في المنام، فقال لي: ناولني كتبك، فناولته، فأخذها فبددها. فأصبحت أخا كآبة فأتيت الجعد فأخبرته، فقال: سيرفع الله شأنك، وينشر علمك.
ابن مسعود رفعه: من رآني في منامه فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي.
بات أبو الهندي بمرو على سطح، وكان إذا نام تقلب تقلبا قبيحا، فشدوا رجله بحبل، فتدحرج وبقي معلقا برجله، واختنق فمات.
النبي ﷺ: الرؤيا على جناح طائر ما لم تعبر، فإذا وقعت فلا تقصها إلّا على وادّ أو ذي رأي.
جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: رأيت كأن رأسي قد قطع
وكأني أنظر إليه. فضحك رسول الله ﷺ وقال: بأية عينين كنت تنظر إلى رأسك؟ فلم يلبث رسول الله ﷺ أن توفي. فأولوا رأسه بنبيّه، ونظره إلى اتباع سنته.
قال رجل لعلي بن الحسين: رأيت كأني أبول في يدي.
فقال: تحتك محرم. فنظروا فإذا بينه وبين امرأته رضاع.
كان مع صلة بن أشيم أعرابي، فقال: يا أبا الصهباء، رأيت كأنك أتيت بثلاث شهدات، فأخذت اثنتين وأعطيتني واحدة. فقال:
الشهادة إن شاء الله. فغزوا فاستشهد أبو الصهباء وابنه والأعرابي.
أنشد أبو غانم الثقفي:
رقدت رقاد الهيم حتى لو أننييكون رقادي مغنما لفنيت
فقلت: لمن هذا البيت؟ فقال: لرقّاد من رقاد العرب.
أبو حنيفة ﵀: رأيت كأني نبشت قبر رسول الله ﷺ فضممت عظامه إلى صدري. فهالني، فسألت ابن سيرين، فقال: ما ينبغي لأحد من أهل هذا الزمان أن يرى هذه الرؤيا. قلت: أنا رأيتها.
قال: إن صدقت رؤياك لتحيين سنة نبيك.
شاعر:
وليلك شطر عمرك فاغتنمهولا تذهب بنصف العمر نوما
آخر:
وكيف يكون النوم أم كيف طعمهصفا النوم لي إن كنتما تصفان
فلان لا يتصالح جفناه.
رأى رجل غرابا وقع على أعظم أطم بالمدينة فقال ابن
المسيب: يتزوج أفسق الفاسقين أشرف امرأة بالمدينة.
رأى نبطي الحجاج بن يوسف الثقفي في المنام، فقال له:
إلى ما صيرك ربك؟ قال: وماذا عليك يا ابن الفاعلة؟ فقال: ما سلمنا من فعلك حيا ولا من سبك ميتا.
نام عبود، وكان عبدا أسود حطّابا في محتطبه أسبوعا، فضرب به المثل فقيل: قد نام نومة عبود.
قيل تماوت على أهله وقال: اندبوني لأعلم كيف تندبوني إذا متّ. فسجّي وندب، فإذا به قد مات.
وقال عبد الله بن الحجاج:
قوموا فأهل الكهف مع عبود عندكم صراصر
يقال إن ملك الرؤيا ينسخ من اللوح المحفوظ ما كتب للعبد فيريه في منامه.
رأى رسول الله ﷺ أسيد بن أبي العيص في الجنة بعد موته، فأولها لولده عتاب بن أسيد.
- وعنه ﷺ: الرؤيا الصالحة بشارة للمؤمن بما له عند الله من الكرامة في الآخرة.
قال أشعب لرجل: رأيتك مطليا بعذرة. فقال: هو عملك الخبيث ألبسكه الله، وعملي الطيب ألبستنيه. قال: في الرؤيا شيء آخر، قال: وما هو؟ رأيتك تلحسني ورأيتني ألحسك.
المعلى بن علاء الطائي:
كم ليلة ذدت الرقاد وأنتماتتنازعان حواشي الأحلام
وحملتما لوما عليّ وربماكان الملام أحق باللّوام
رأى نوف البكالي صاحب علي ﵇ كأنه يسوق جيشا، ومعه رمح طويل في رأسه شمعة تضيء للناس. فتأولها بالشهادة. فخرج إلى الغزو، فلما وضع رجله في الركاب قال: اللهمّ أرمل المرأة وأيتم الولد وأكرم نوفا بالشهادة. فوجدوه وفرسه مقتولين مختلطا دمه بدم فرسه وقد قتل رجلين.
أبو سليمان الداراني: إنما يرى العبد الرؤيا ليثبت فإذا أخلص انقطع عنه كثرة الرؤيا.
كان أبو سالم يقول: الرؤيا كلام يكلم الله به عبده.
رأى عبد الملك في منامه أن أم هشام شقّت رأسه فلطعت من دماغه عشرين لطعة، فطلقها. ثم بعث إلى سعيد بن المسيب فسأله.
فقال: تلد غلاما يملك عشرين سنة. فندم.
رأى شرحبيل بن حسنة رؤيا فقصها على أبي بكر ﵁، فقال: نامت عينك ورأيت خيرا.
جابر بن عبد الله: كنا ننام في المسجد ومعنا علي بن أبي طالب، فدخل علينا رسول الله ﷺ فقال: قوموا لا تناموا في المسجد، فقمنا لنخرج، فقال: أما أنت يا علي فنم، فإنه قد أذن لك.
ابن عمر: تضرعت إلى ربي سنة أن يريني أبي في النوم، حتى رأيته وهو يمسح العرق عن جبينه، فسألته فقال: لولا رحمة الله لهلك أبوك. إنه سألني عن عقال بعير الصدقة، وعن حياض الإبل، فكيف عن الناس؟ فسمع بذلك عمر بن عبد العزيز، فصاح وضرب بيد على يد
وقال: فعل هذا بالطاهر التقي، فكيف بابن المترف عمر بن عبد العزيز؟
سئل ابن سيرين عن رجل رأى في منامه كأنه يمضغ شدقه، فقال: هذا رجل يغتاب أقرباءه.
النص من طبعة مؤسسة الأعلمي ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع