من «ربيع الأبرار ونصوص الأخيار» للزمخشري (ت ٥٣٨هـ)
الباب الخامس والثمانون النصيحة، والموعظة، والزجر عن القبيح والشفقة، والرحمة، وما يجري مجراها
جرير بن عبد الله: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة والنصح لكل مسلم.
وعنه ﷺ: الدين النصيحة، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال لله ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم.
عمر بن عبد العزيز: من وصل أخاه بنصيحة له في دينه، ونظر له في صلاح دنياه فقد أحسن صلته.
مطرف: وجدنا أنصح العباد لله الملائكة، ووجدنا أخشى العباد لله الشياطين.
أكثم: رأي النصيح دليل لا يجور.
النبي ﷺ: المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن يكف عليه ضيعته، ويحوطه من ورائه.
مسعر: ما نصحت أحدا إلّا فتش عن عيوبي.
من كتم السلطان نصحه، والأطباء مرضه، والأخوان بثه، فقد خان نفسه.
قال بعض الخلفاء لجرير بن يزيد: إني قد أعددتك لأمر.
فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله ورسوله قد أعد لك مني قلبا معقودا بنصيحتك، ويدا مبسوطة بطاعتك، وسيفا مشحوذا على عدوك.
أنشد الأصمعي:
النصح أرخص ما باع الرجال فلاتردد على ناصح نصحا ولا تلم
إن النصائح لا تخفي مناهجهاعلى الرجال ذوي الألباب والفهم
آخر:
ومن يكن الأشرار شيعة همّهفليس إلى موحي النصيحة سامعا
رأي مخضته ونصح محضته.
قال رجل لعمر بن عبد العزيز في وفاة ابنه عبد الملك: آجرك الله يا أمير المؤمنين، وأشار بشماله، فقال عمر: أسر بيمينك، فقال:
سبحان الله! أما في موت عبد الملك ما يشغلك؟ قال: لا، ما في موت عبد الملك ما يشغلني عن نصيحة المسلم.
نصح الصديق تأديب، ونصح العدو تأنيب.
في نوابغ الكلم: وجد قرينا يناصحه فظنه قرنا يناطحه.
ما منع قول الناصح أن يروقك، وهو الذي ينصح خروقك.
كان معاذ بن مسلم الهراء النحوي- قيل له الهراء لأنه كان يبيع الهروي- صديق الكميت بن زيد، وكانا يتشيعان، فنهاه أن يأتي خالد بن عبد الله القسري، فخالفه، فحبسه وعزم على قتله، فقال معاذ:
نصحتك والنصيحة إن تعدّتهوى المنصوح عزّ لها القول
فخالفت الذي لك فيه حظفغالك دون ما أمّلت غول
آخر:
يخبركم أنه ناصحوفي نصحه حمة العقرب
سليمان الخواص: من وعظ أخاه فيما بينه وبينه فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس فإنها فضيحة.
محمد بن تمام: الموعظة جند من جنود الله، ومثله مثل الطين يضرب به على الحائط فإن استمسك نفع، وإن وقع أثر.
أبو جعفر المصري: إنما القلب بمنزلة القمع الذي يصبّ فيه الزيت أو العسل فيخرج منه وتبقى فيه لطاخته.
علي ﵇: ولا تكونن ممن لا تنفعه العظة إلّا إذا بلغت في إيلامه فإن العاقل متعظ بالأدب، والبهائم لا تتعظ إلّا بالضرب.
أنشد الجاحظ:
وليس يزجركم ما توعظون بهوالبهم يزجره الراعي فينزجر
آخر:
أهان وأقصى ثم ينصحوننيومن ذا الذي يعطي مودته قسرا
آخر:
تنخلت آرائي وسقت نصيحتيإلى غير طلق للنصيح ولاهش
آخر:
ولقلما تجدي نصيحة قائلأفعاله أفعال غير مصيب
كتب رجل إلى صديق له: أما بعد، فعظ الناس بفعلك، ولا
تعظهم بقولك. واستحي من الله بقدر قربه منك، وخفه بقدر قدرته عليك، والسلام.
الأصمعي: كان يقال: منك من نهاك، وليس منك من أغراك، من كان له من نفسه واعظ، كان له من الله حافظ.
خذ نفسك عن هواها بالشكائم، وانهها عن رداها بالخزائم.
أنشد المبرد:
أهدت لي اللوم أوفى وهي ظالمةواللوم تجزع منه جلة الإبل
وما نصحت لحيّ ما نصحت لهمواحتلت لو أرشدت عمياءهم حيلي
أشار فيروز بن حصين على يزيد بن المهلب أن لا يضع يده في يد الحجاج، فلم يقبل منه، وصار إليه، فحبسه وأهله. فقال فيروز:
أمرتك أمرا حازما فعصيتنيفأصبحت مسلوب الإمارة نادما
أمرتك بالحجاج إذ أنت قادرفنفسك ولّ اللوم إن كنت لائما
فما أنا بالباكي عليك صبابةوما أنا بالداعي لترجع سالما
أم الدرداء: من وعظ أخاه سرا فقد زانه، ومن وعظه علانية فقد شانه.
ابن مسعود رفعه: من مسح على رأس يتيم كان له بكل شعرة تمرّ على يده نور يوم القيامة.
دخل عامل لعمر ﵁ فوجده مستلقيا وصبيانه يلعبون على بطنه، فأنكر ذلك. فقال: كيف أنت مع أهلك؟ قال: إذا دخلت سكت الناطق. قال: اعتزل، فإنك لا ترفق بأهلك وولدك، فكيف ترفق بأمة محمد.
أنس: أتى رسول الله ﷺ قوما يعودهم: فإذا امرأة تنسج بردا
وعندها صبي لها، فتارة تضرب بحقها، وأحيانا تقبل على صبيها، فقال أترون هذه ترحم صبيها؟ قالوا: نعم، قال الله أرحم بعباده من هذه بصبيها.
محيسن بن أرطأة الأعرجي:
عرضت نصيحتي مني ليحيىفقال غششتني والنصح مرّ
وما بي أن أكون أعيب يحيىويحيى طاهر الأخلاق برّ
ولكن قد أتاني أن يحيىيقال عليه في بقعاء شرّ
فقلت له تجنب كل شيءيقال عليك إن الحر حرّ
من اصفر وجهه عند النصيحة اسود لونه من الفضيحة.
أعرابي: ما أم واحد بين صفين بأشفق مني عليها.
النبي ﷺ: مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
أبو موسى رفعه: إذا مرّ أحدكم في مسجدنا وفي سوقنا، ومعه نبل، فليقبض على نصالها بكفه، أن يصيب أحدا من المسلمين منها بشيء. قال أبو موسى: والله ما متنا حتى سددناها بعضنا في وجوه بعض.
أبو هريرة عن النبي ﷺ: لقد رأيت رجلا يتقلب في الجنة، في شجرة قطعها من ظهر الطريق، كانت تؤذي الناس.
عبد العزيز بن أبي رواد: كان الرجل إذا رأى من أخيه شيئا أمره في ستر، ونهاه في ستر، فيؤجر في نهيه، ويؤجر في ستره.
عمر ﵁: إذا رأيتم أخاكم ذا زلة فقوموه وسدّدوه، وادعوا الله أن يرجع به إلى التوبة فيتوب عليه. ولا تكونوا أعوانا للشيطان على أخيكم.
لقمان: إن الموعظة تشق على السفيه، كما يشق الصعود الوعر على الشيخ الكبير.
أوحى الله إلى داود ﵇: إنك إن أتيتني بعد لي آبق كتبتك عندي جهبذا، ومن كتبته عندي جهبذا لم أعذبه بعدها أبدا.
لقمان: يا بني، ارحم الفقراء لقلة صبرهم، وارحم الأغنياء لقلّة شكرهم، وارحم الجميع لطول غفلتهم.
شاعر:
أدنى الأعاجيب إلى تعسيأنصح غيري وأغش نفسي
الموصلي:
كأنني حين ألحاها وأزجرهافي الجهل بالجهل أوصيها وأغريها
آخر:
أصبحت في هيئة المرآة يخبرناصفاؤها بالذي فيها من الكدر
أنا له كالجفن الواقي لمقلته.
[شاعر]:
إني وسعد كالحوار وأمهإذ وطئته لم يضره اعتمادها
نصح رجل لهشام فقال: لا تعدن يا أمير المؤمنين عدة لا تثق من نفسك بإنجازها، ولا يغرنك المرتقى السهل إذا كان المنحدر وعرا، واعلم أن للأعمال جزاء فاتق العواقب، وأن للأمور بغتات فكن على حذر.
فحدث الهادي بهذا الخبر، وفي يده لقمة، فأمسك حتى سمعه مرّات.
وفي وصية علي ﵇: يا بني، أجعل نفسك ميزانا فيما بينك وبين غيرك، وأحسن كما تحب أن يحسن إليك، واستقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك، وأرض من الناس ما ترضاه لهم من نفسك.
قال الرشيد لمنصور بن عمار: عظني وأوجز، فقال يا أمير المؤمنين، هل أحد أحب إليك من نفسك؟ قال: لا. قال: إن رأيت أن لا تسيء إلى من تحبه فافعل.
أبو حازم المدني: ثنتان إذا عملت بهما أصبت خير الدنيا والآخرة لا أطول عليكم. قيل: وما هما يا أبا حازم؟ قال: تتحمل ما تكرهه إذا أحبه الله، وتترك ما تحبه إذا كرهه الله.
وعظ ابن السماك الرشيد فقال: يا أمير المؤمنين، إنما هو دبيب من سقم، حتى تزل قدم، ويقع ندم، فلا توبة تنال، ولا عثرة تقال، فاتق الله.
علي ﵇ رفعه: قال الله تعالى: يا ابن آدم، لا يغرنك ذنب الناس عن ذنبك، ولا نعمة الناس عن نعمتك، ولا تقنط الناس من رحمة الله وأنت ترجوها لنفسك.
وعظ مجوسي أبا مسلم فقال: قل ما يقبل، وخذ ما يسهل، وافعل ما يجمل.
النص من طبعة مؤسسة الأعلمي ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع