تجاوز إلى المحتوى

من «ربيع الأبرار ونصوص الأخيار» للزمخشري (ت ٥٣٨هـ)

الباب الثامن والثمانون الوفاء، وحسن العهد، ورعاية الذمم، والأمانة والثقة، وكتمان الأسرار، وما أشبه ذلك

أبو بكر ﵁: قال لي رسول ﷺ: يا أبا بكر، عليك بصدق الحديث، ووفاء بالعهد، وحفظ الأمانة، فإنها وصية الأنبياء.

نزل ناس من محارب إلى جنب المدينة، فاشترى منهم رسول الله جزورا بوسق من تمر. فلما ذهب بها وتوارى في بيوت المدينة، قالوا: أعطينا رجلا لا نعرفه. فقالت عجوز منهم: لقد رأيت وجه رجل ما كان ليلبسه غدرا. فما كان إلّا أن أرسل إليهم فدعاهم، ثم أمر بالتمر فنثر على نطع، ثم قال: كلوا، فأكلوا حتى شبعوا، ثم وفاهم ثمنهم.

فقالوا: ما رأينا كاليوم في الوفاء.

أوصت أعرابية أبنا لها فقالت: يا بني، اعلم أنه من اعتقد الوفاء والسخاء فقد استجاد الحلة بربطتها وسربالها، وإياك والنمائم فإنها تنبت

السخائم، وتفرق بين المحبين، وتحسي»

أهلها الأمرين.

ليس شيء أوفى من قمرية، فإنها إذا مات ذكرها لم تقرب آخر بعده، ولا تزال تنوح عليه إلى أن تموت.

شاعر:

أشدد يديك بمن يلفّ وفاءهإن الوفاء من الرجال عزيز

علي ﵇: الوفاء توأم الصدق، ولا أعلم جنة أوقى منه، وما يغدر من علم كيف المرجع. ولقد أصبحنا في زمان اتخذ أكثر أهله الغدر كيسا، ونسبهم أهل الجهل فيه إلى حسن الحيلة. ما لهم قاتلهم الله؟ قد يرى الحول القلب وجه الحيلة ودونها مانع من الله ونهيه فيدعها رأي عين بعد القدرة عليها. وينتهز فرصتها من لا خريجة له في الدين.

وفد عدي بن حاتم على عمر ﵁، وكان قد ثبت إسلامه في الردة، فقال: أتعرفني يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم، أنت الذي آمن إذ كفروا، ووفى إذ غدروا.

وكان مع علي ﵇ في حروبه، وفقئت عينه يوم الجمل، وهو القائل لمعاوية:

يجادلني معاوية بن حربوليس إلى الذي يبغي سبيل
يذكرني أبا حسن علياوحظي في أبي حسن جليل
للشاعر عدي بن حاتم الطائي، اقرأ القصيدة

قال المنصور لاسحاق بن موسى العقيلي، وكان قبله خصيصا عند مروان بن محمد، وقد ضمن غلاما من بني أمية: ما ضمانك له إلّا حبا

لبني أمية؟ فقال: هذا وفائي لمن له عندي يد وقد زالت عنه الدولة، فكيف وفائي لمن له عندي يد والدولة عليه باقية؟ فاستحسن قوله وأطلق له الغلام من غير ضمان.

الوفاء وفاء لمن لا ترجوه ولا تخافه.

إذا أردت أن تعرف وفاء الرجل فانظر إلى حنينه إلى أوطانه، وإلى بكائه على ما مضى من زمانه.

أتى حاجب بن زرارة التميمي في جدب أصاب قومه بدعاء رسول الله ﷺ، كسرى فسأله أن يأذن لهم في دخول بلاده حتى يمتاروا.

فقال: إنكم معشر العرب قوم غدر. فقال: إني ضامن للملك ألا يفعلوا، قال: فمن لي بأن تفي؟ قال: أرهنك قوسي. فضحك من حوله، فقال كسرى: ما كان ليخالف، فقبلها منه وقال: يا حاجب، إن قوسك لقصيرة معوجّة، قال: أيها الملك، إن وفائي طويل مستقيم. فمات حاجب، فطلبها ابنه عطارد فردّت عليه، وكساه كسرى حلة. فلما أسلم عطارد أهداها إلى رسول الله ﷺ فلم يقبلها، فباعها بأربعة آلاف درهم.

وبقيت قوس حاجب فخرا لبني تميم، قال أبو تمام:

إذا افتخرت يوما تميم بقوسهافخارا على ما وطّدت من مناقب
فأنتم بذي قار أمالت سيوفكمعروش الذين استرهنوا قوس حاجب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «على مثلها من أربع وملاعب»

وقد ملّح المطراني في قوله:

تزهى علينا بقوس حاجبهازهو تميم بقوس حاجبها

وللمصنف في صباه:

أكل وفاء كان في قوس حاجبوأنت جمعت الغدر في قوس حاجب

أتى عمر ﵁ بتاج كسرى وسيفه ومنطقته وسواريه، فرأى من الدرّ والياقوت شيئا لم ير مثله، فكره أن يمسّه بيده، فأخذ عودا فجعل يقلب ذلك وينظر إليه. فلما أطال النظر قال: إن الذي أدى هذا لأمين. فقال له علي: يا أمير المؤمنين، إنك أديت الأمانة إلى الله، فلما أديتها إلى الله أدّيت إليك.

قال لقمان لأبنه: إذا كان خازنك حفيظا وخزانتك أمينة سدت في دنياك وآخرتك.

عروة بن محمد عن أبيه رفعه: ثلاث إذا رأيتهن فعندك عندك:

خراب العامر وعمارة الخراب، وأن يكون الغزو رفدا، وأن يتمرس البعير بالشجرة.

ابن عباس: أتى رسول الله التجار فقال: يا معشر التجار، إن الله باعثكم يوم القيامة فجارا إلّا من صدق ووصل وأدى الأمانة.

ابن عمر رفعه: خلق الله تعالى من الإنسان فرجه وقال: هذه أمانة استودعتكها. الفرج أمانة. والسمع أمانة، والبصر أمانة، واللسان أمانة، ولا إيمان لمن لا أمانة له.

أخذ لبنت أبي قحافة طوق يوم الفتح، فقال: أبو بكر فأخذ بيد أخته وقال: أنشدكم الله والإسلام طوق أختي. قالها ثلاثا، فلم يجبه أحد، فقال: يا أخيّة أحتسبي طوقك فإن الأمانة في الناس قليل.

مكتوب في التوراة: الأمين من أهل الأديان كلها عائش بخير.

لقمان: يا بني كن أمينا تعش غنيا.

النبي ﷺ: الأمانة غنى.

اتقوا النعمة أن تقول كفرت، والأمانة أن تقول أخفرت.

شاعر:

سقى الله أطلال الوفاء بكفّهفقد درست أحلامه ومنازله

قال رجل لسلمان ﵁: يا أبا عبد الله، فلان يقرئك السلام. فقال: أما أنك لو لم تفعل لكانت أمانة في عنقك.

قال حارث بن عوف بن أبي حارثة للنبي ﷺ: أجرني من لسان حسان فلو مزج به البحر لامتزج. فحدث بذلك ابن عائشة فقال: أوجعه قوله:

وأمانة المري حيث لقيتهمثل الزجاجة صدعها لا يجبر
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «يا حار من يغدر بذمة جاره»

قدم مكة كهمس بن سعد البارقي ورجل من بني زبيد، فظلم البارقي أبي بن خلف، فقال:

أتظلمني مالي بمكة ظالماأبي ولا قومي لديّ ولا صحبي
وناديت قومي بارقا لنجيّتيوكم دون قومي من فياف ومن سهب
سيأبى لكم حلف الفضول ظلامتيبني خلف والحق يؤخذ بالغصب

وظلم الزبيدي العاص بن وائل السهمي، فصعد الجبل رافعا عقيرته:

يا للرجال لمظلوم بضاعتهببطن مكة نائي الدرّ والنّفر
ومحرم أشعث لم يقض عمرتهيا للرجال وبين الحجر والحجر
هل مخفر من أخي سهم بقدرتهفعادل أم ضلال نال معتمر
إن الحرام لمن تمّت حرامتهولا حرام لثوب الفاجر الغدر

فتحالف ثلاث نفر الزبير عم النبي ﷺ وقد قيل العباس أولهم، والمتحالفون بن وهاشم، وقيل بنو عبد مناف، وزهرة، وتيم بن مرة، وأسد ابن عبد العزى. وزاد بعضهم الحارث بن فهر رهط أبي عبيدة. فقال من عداهم من قريش: لقد دخل هؤلاء في فضول من الأمر فسمي حلف الفضول.

وقيل سمي بذلك تشبيها له بحلف كان بمكة أيام جرهم على التناصف والأخذ من القوي للضعيف، وللغريب من القاطن، قام به رجال من جرهم يقال لهم الفضل بن الحارث، والفضل بن وداعة، والفضل بن فضالة فقيل لهم حلف الفضول جمعا لأسماء هؤلاء كما يقال سعد السعود.

وقيل سمي بذلك لما فيه من الشرف والفضل. وقيل لأنه شيء تفضلوا به.

وشهده رسول الله ﷺ، وكان يقول: لقد شهدت في دار ابن جدعان حلفا لو دعيت إلى مثله اليوم لأجبت. وكانت صورة الحلف: والله القابل، إنا اليد على الظالم حتى نأخذ للمظلوم حقه ما بلّ بحر صوفة.

دعا معاوية قيس بن سعد بن عبادة إلى مفارقة علي ﵇ حين تفرق عنه الناس، فكتب إلى معاوية: يا وثن بن وثن، تدعوني إلى مفارقة علي بن أبي طالب والدخول في طاعتك، وتخوفني بتفرق أصحابه عنه، وانثيال الناس عليك، واجفالهم إليك، فو الله الذي لا إله غيره لا سالمتك أبدا وأنت حربه، ولا دخلت في طاعتك وأنت عدوه، ولا اخترت عدو الله على وليّه، ولا حزب الشيطان على حزبه، والسلام.

سأل المنصور بعض بطانة هشام عن تدبيره في بعض حروبه مع

الخوارج، فقال: فعل كذا وصنع كذا ﵀. فقال المنصور: قم عليك لعنة الله. تطأ بساطي وتترحم على عدوي! فقام الرجل وهو يقول:

والله إن نعمة عدوك لقلادة في عنقي لا ينزعها إلا غاسلي. فقال المنصور:

ارجع يا شيخ، فإني أشهد أنك جهيض حرة، وغراس شريف. ودعا له بمال، فأخذه وقال: لولا جلالة أمير المؤمنين وامتطاء طاعته ما لبست لأحد بعده نعمة. فقال له المنصور: مت إذا شئت، لله أنت! فلو لم يكن في قومك غيرك لكنت قد أبقيت لهم مجدا مخلدا.

قال عمرو بن العاص: إذا أفشيت سري إلى صديقي فأذاعه فهو في حل. فقيل له: كيف؟ قال أنا كنت أحق بصيانته.

المهلب: أدنى أخلاق الشريف كتمان السر، وأعلى أخلاقه نسيان ما أسرّ إليه.

فيلسوف: القلوب أوعية السرائر، والشفاه أقفالها، والألسنة مفاتيحها، فليحفظ كل منكم مفتاح وعاء سره.

حكيم: ضع سرك عند من لا سر له عندك.

لا يصلح للسر إلّا لسانان وأربع آذان.

رجل من بني سعد:

إذا ما ضاق صدرك عن حديثفأفشته الرجال فمن تلوم
إذا عاتبت من أفشى حديثاوسري عنده فأنا الظلوم

أوس بن حجر:

ليس الحديث بنهبي بينهن ولاسر يحدثنه في الحي منشور

قيل لأعرابي: ما بلغ من حفظك للسر؟ قال: أفرقه تحت شغاف قلبي ثم لا أجمعه، وأنساه كأني لم أسمعه.

فلان كتوم الرغاء، بعيد مقبل السر، حنيت عليه أضالعه، وتلاقت عليه حيازيمه.

الجاحظ: تقول العرب: من ارتاد لسره فقد أشاعه، وأرى الأول قد أذن في واحد وهو قوله:

سرّك دمك فانظر أين تريقه.

أبو الشيص:

ضع السر في صماء ليست بصخرةصلود كما عاينت من سائر الصخر
للشاعر أبو الشيص الخزاعي، اقرأ القصيدة
ولكنها قلب امرىء ذي حفيظةيرى ضيعة الأسرار قاصمة الظهر
للشاعر أبو الشيص الخزاعي، اقرأ القصيدة

كان يقال: أحزم الناس الذي لا يفشي سره إلى صديقه، مخافة أن يقع بينهما شر فيفشيه عليه:

حكيم: قلوب الأحرار قبور الأسرار.

بزرجمهر: الطمأنينة إلى كل أحد قبل الإختيار حمق.

نصيب:

وقد طال كتمانيك حتى كأننيبرجع جواب السائلي عنك أعجم
لأسلم من قول الوشاة وتسلميسلمت وهل حي على الناس يسلم
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «ألا إن ليلى العامرية أصبحت»

سلمة اليشكري:

إذا ما غفرت الذنب يوما لصاحبفلست معيدا ما حييت له ذكرا
للشاعر سلمة بن رِشْك اليشكريّ، اقرأ القصيدة
ولست إذا ما صاحب حال عهدهوعندي له سر مذيعا له سرا
للشاعر سلمة بن رِشْك اليشكريّ، اقرأ القصيدة

مرّ أبو بكر ﵁ بجارية سوداء تطحن لمولاتها، فقالت مولاتها: يا أبا بكر اشترها فإنها على دينك. فلما علم أنها مسلمة حكم

مولاتها، فاشتراها على المكان ودفع ثمنها، وقال: قومي يا جارية.

فقالت: يا أبا بكر، إن لها علي حقا بقديم ملكها، فأئذن لي أن استتم طحينها. ففعل.

عاذ الفرزدق ببكر بن وائل في بعض مخاوفه، ثم ارتحل عنهم ذاما لهم. فقال رجل منهم:

لقد بوأتك الدار بكر بن وائلوردت لك الأحشاء إذ أنت مجرم
زمان تمنى أن تكون حمامةبمكة واراها الستار المحرّم
فإن تنأ عنا لا تضرنا وإن تعدفإنّا على العهد الذي كنت تعلم

كان قيس بن الرقيات مع مصعب، فلما قتل تردد هاربا في البلاد، حتى عاذ بعبد الله بن جعفر ليستشفعه إلى عبد الملك. فقام ابن جعفر بين يديه وقال: حاجة. قال: حاجاتك كلها مقضية إلّا دم ابن قيس. قال: فهذه حاجتي، فأطرق هنيهة ثم قال: على أن تضع يده في يدي. فلما دخل عليه وقد أمر قبل بعساس خلنج، فملئت ألبان البخت يحمل العسّ جمانة، ثم صفت بين يديه- قال له: أين هذه العساس من عساس مصعب حين تقول:

جلب الخيل من تهامة حتىوردت خيله جبال زرنج
يلبس الجيش بالجيوش ويسقيلبن البخت في قصاع الخلنج

قال: لا أين أمير المؤمنين لو طرحت كلها في أصغر عس من أعساس مصعب لتقلقلت داخله. قال: قاتلك الله! أبيت إلّا كرما. وعفا عنه ووصله.

كان أبو العاص بن الربيع بن عبد العزي بن عبد شمس، ختن رسول الله ﷺ على بنته زينب، تاجرا تضاربه قريش بأموالها فخرج إلى الشام سنة الهجرة فلما قدم عرض له المسلمون فأسروه، وقدموا به المدينة ليلا. فلما صلوا الفجر قامت زينب على باب المسجد فقالت: يا رسول الله، قد أجرت أبا العاص وما معه. فقال رسول الله ﷺ: قد أجرنا من أجرت. ودفع إليه جميع ما أخذ منه، وعرض عليه الإسلام، فأبى وخرج إلى مكة. فدعا قريشا وأطعمهم ثم دفع إليهم أموالهم. وقال: هل وفيت؟ قالوا: نعم قد أديت الأمانة ووفيت. قال: اشهدوا جميعا أني أشهد أن لا إله إلّا الله وأن محمدا رسول الله. وما منعني أن أسلم إلّا تقولوا أخذ أموالنا. ثم هاجر فأقره رسول الله على النكاح الأول. وتوفي سنة ثنتي عشرة.

قال رجل لراهب: قتلت تسعة وتسعين، فهل لي من توبة؟

قال: لا. قال: لأكملن بك مائة، فقتله. ثم ذهب إلى راهب آخر فقال له: قتلت مائة، فهل لي من توبة؟ قال: نعم، على أن تطيعني ولا تعصيني، فقال له: قاسمني العمل. قال أنا بين يديك. فأراد أن يخبز فقال: عليّ العجين والإلزاق وعليك السجر. فاستجر التنور يوما وقال للراهب: قم فالزق، فقال: اذهب واجلس في التنور، فذهب فجلس فيه، فجاء الراهب ينظر، فإذا الرجل قاعد في التنور، ما به إلّا أنه يشرح عرقا. فقال له: قم فاخرج فأنت خير مني. فجوزي بوفائه.

النص من طبعة مؤسسة الأعلمي ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «ربيع الأبرار ونصوص الأخيار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.