تجاوز إلى المحتوى

من «أشعار أولاد الخلفاء وأخبارهم» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)

حدثنا يحيى بن علي عن أحمد بن يحيى بن جابر قال حدثني هبة الله بن

ابراهيم بن المهدي أن محياه الطائفية أو ولد المنصور كانت بعثت بشكلة أم إبراهيم إلى الطائف فنشأت هناك ففصحت وقالت الشعر وأنشدني لها شعراً في أخ كان لها يقال له أحمد وهو:

أَحْمَدُ تَفْدِيهِ شَبابُ فِهْرِمِنْ كُلِّ ما رَيْبٍ وَأَمْرٍ نُكْرِ
قَدْ جَاء مِثْلَ الشَّمسِ غِبَّ قَطْرِفِي حُسْنِ بَدرٍ وَاعْتِدالِ صَدْرِ
بُنَيَّ أَحْشائي وَذُخْرُ ذُخْرِيشَدَّ إلهِي بِأَبيِكَ ظَهْرِي
وَزادَهُ رَبُّ الْعُلَى مِنْ عُمْرِيوَذَبَّ عَنْهُ خائفاتِ الدَّهْرِ

وَعَنْكَ ما أَدْرِي ومَا لا أَدْرِي

قال وإبراهيم شاعر عالم بالغناء مقدم في الحذق، بايعه أهل بغداد

بعد قتل محمد الأمين، فلما ظهر قواد المأمون استخفى فلم يزل كذلك مدة طويلة إلى أن قدم المأمون بغداد، ثم ظهر عليه فعفا عنه فعمل فيه أشعارا وشكلة من سبى دنباوند قتل أبوها شاهمرد وسبيت هي وبخترية أم منصور بن المهدي، فوهبها المنصور لمحياة أم ولد له فوهبتها للمهدي وولد إبراهيم بن المهدي غرة ذي القعدة سنة اثنتين وستين ومائة وتوفي في أول سنة أربع وعشرين ومائتين، وقيل في آخر سنة ثلاث وعشرين بسر من رأى.

حدثنا يموت بن المزرع قال حدثني الجاحظ قال أرسل إلى ثمامة يوم جلس المأمون لإبراهيم بن المهدي، وأمر بإحضار الناس على مراتبهم فحضروا، فجيء بإبراهيم في قيد فسلم، فقال له المأمون: لا سلم الله عليك، ولا حفظك فقال: على رسلك يا أمير المؤمنين، فلقد أصبحت ولي ثأري، والقدرة تذهب الحفيظة، ومن مدله في الأمل هجمت به الأناة على التلف، وقد أصبح ذنى فوق كل ذنب، وعفوك فوق كل عفو، فإن تعاقب فبحقك، وإن تغفر فبفضلك فقال له المأمون إن هذين أشارا علي بقتلك وأومأ إلى المعتصم وإلى ابنه العباس فقال قد أشارا بما يشار بمثله في مثلي، وما غشاك في عظم الخلافة ولكن الله دعوك من العفو عادة، فأنت تجري عليها دافعا ما تخاف بما ترجو، فقال: أطلقوا عمي، فقد عفوت عنه.

فقال بعقب هذا:

وَعَفَوْتَ عَمَّنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ مِثْلِهعَفْوٌ وَلَمْ يَشْفَعْ إلَيْكَ بِشافِعِ
للشاعر إبراهيم بن المهدي، اقرأ القصيدة
إلاَّ الْعُلُوَّ عَنِ الْعُقَوبَةِ بَعْدَماظَفِرَتْ يَداكَ بِمُسْتَكِينٍ خاضِعِ
للشاعر الأمين العباسي، من قصيدة «والله يعلم ما أقول فإنه»
فَرَحْمتَ أَطفالاً كأَفْراخِ الْقَطاوَعَوِيلَ عانِسَةٍ كَقَوْسِ النَّازِعِ
للشاعر إبراهيم بن المهدي، اقرأ القصيدة
قَسَماً وَما أُدْلِي إِلَيْكَ بِحُجَّةٍإلاَّ التَّضَرُّعَ مِنْ مِقُرٍ خاشِعِْ
ما إنْ عَصَيْتُكَ وَاْلغُواةُ تُمدُّنِيأَسْبابُها إلاَّ بنيَّةِ طائِعِ
للشاعر الأمين العباسي، من قصيدة «والله يعلم ما أقول فإنه»

وهذه قصيدة طويلة أولها:

يا خَيْرَ مَنْ ذَمَلَتْ يَمانِيَةٌ بِهِبَعْدَ الرَّسُولِ لآِيِسٍ أوْ طامِعِ
للشاعر إبراهيم بن المهدي، اقرأ القصيدة

وله في عفوه أشعار كثيرة منها قصيدة أولها:

أَعْنِيكَ يا خَيْرَ مَنْ تُعْنَى بِمُؤْتَلِفٍمِنَ الثَّناءِ ائْتلافَ الدُّرِّ فِي النَّظْمِ

أُثْنِى عَلَيْكَ بِما جَدَّدْتَ مِنْ نِعَمِوَما شَكَرْتُكَ إنْ لَمْ أُثْنِ بِالنِّعَمِ

وفيها

رَدَدْتَ مالِي وَلَمْ تَمْنُنْ عَلَيَّ بِهِوَقَبْلَ رَدِّك مالِي ما حَقَنْتَ دَمِي
للشاعر إبراهيم بن المهدي، اقرأ القصيدة
فَنُؤْتُ مْنُه وَما كافَأْنُها بِيَدٍهِي الْحَياتانِ مِنْ مَوْتٍ وَمِنْ عُدْمِ

اْلبُّرِ لِي مِنْكَ وَطْءُ اْلعُذْرِ عِنْدَكَ لِيفِيما أَتَيْتُ فَلَمْ تَعْذُلْ وَلَمْ تَلُمِ

وَقَامَ عِلْمُكَ بِي فَاحْتَجَّ عِنْدَكَ لِيمَقامَ شاهِدِ عَدْلٍ غَيْرِ مُتَّهَمِ
للشاعر ابن الزيات، اقرأ القصيدة
تَعْفُو بِعَدْلٍ وَتَسْطَو إنْ سَطَوْتَ بِهِفَلا فَقَدْناكَ مِنْ عافٍ وَمُنْتَقِمِ
للشاعر إبراهيم بن المهدي، اقرأ القصيدة

حدثنا محمد بن موسى بن حماد قال حدثنا عبد الوهاب بن محمد ابن عيسى قال استخفى إبراهيم عند بعض أهله من النساء، فوكلت بخدمته جارية جميلة، وقالت لها: أنت له، فإن أرادك لشيء فطاوعيه وأعلميه ذلك حتى يتسع له. فكانت توفيه حقه في الخدمة والاعظام، ولا تعلمه بما قالت لها، فجعل مقدارها في نفسه، إلى أن قبل يوماً يدها فقبلت الأرض بين يديه فقال:

يا غَزالاً لِي إِليْهِشافِعٌ مِنْ مُقْلَتَيْهِ
للشاعر إبراهيم بن المهدي، اقرأ القصيدة
وَالَّذِي أَجْلَلْتُ خَدَّيْه فَقَبَّلْتُ يَدَيْهِ
للشاعر إبراهيم بن المهدي، اقرأ القصيدة
بأَبي وَجْهَكَ ماأَكْثَرَ حُسَّادِي عَلَيْهِ
للشاعر إبراهيم بن المهدي، اقرأ القصيدة

أَنا ضَيْفٌ وَجَزاُء الْضَّيْفِ إحْسانٌ إلَيْهِ

وعمل بعد ذلك فيه لحنا من طريق الهزج حدثني عبد الله بن محمد بن علي الكاتب قال حدثنا أبو العيناء قال سمعت إبراهيم بن الحسن بن سهل يقول: لم يكن إبراهيم بن المهدي يصدق أن عفو المأمون عنه يدوم، ويرى أنه سيلحق به جملة، فكان يتعهر ويتهتك ويغنى لكل واحد، ولا يخلى المأمون في كل وقت من مدح.

حدثنا أحمد بن يزيد المهلبي قال حدثنا أبي قال كتب إبراهيم ابن المهدي إلى عمرو بن بانة حين ظهر ورضي عنه المأمون يدعوه

فكتب إليه عمرو: أخاف سخط أمير المؤمنين. فكتب إليه إبراهيم: ليس يخلو أمير المؤمنين من أن يكون راضياً عني فما يكره أن تسرني، أو ساخطاً فما يكره أن تعرني، وما تخرج عن هاتين.

حدثني الحسن بن يحيى الكاتب قال سمعت هبة الله بن إبراهيم ابن المهدي يقول حين أخذ أبي إبراهيم كتب إلى المأمون رقعة فقرأها قبل أن يراه وهو أول شعر قرأه له:

أيا مُنْعِماً لَمْ تَزَلْ مُفْضِلاأَدامَ الضَّنَى سُخْطُكَ الدَّائُم
للشاعر إبراهيم بن المهدي، اقرأ القصيدة

ظُلْمتُ فَانْ قُلْتَ لا بَلْ ظَلَمْتَ فَإِّنِي أَنا الكْاذِبُ الآْثِمُ

وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ مِنْ زَلَّتيفَإِّنَي مِنْ جُرْمِها واجِمُ
للشاعر إبراهيم بن المهدي، اقرأ القصيدة
يُفَزُّ الْحَلِيمُ وَيَكْبو الْجَوادُ وَيَنْبُو لَدَي الضَّرْبَة الصَّارِمُ
للشاعر إبراهيم بن المهدي، اقرأ القصيدة

فَها أَنا ذا اْلعاِئذُ الْمسِتجيرُ فَاحْكُمْ بِما شِئْتَ يا حاكمُ

عَصَيْتُ وَتُبْتُ كما قَدْ عَصَىوَتَابَ إلَى رَبِّه آدَمُ
للشاعر إبراهيم بن المهدي، اقرأ القصيدة

فَقُلْ قَوْلَ يُوسُفَ لا تَثْرِبُنَّ فَقَدْ يَغْفرُ الْغاِفرُ الرَّاِحمُ

فَلَسْتُ إلىَ زَلَّةٍ عائِداًيَدَ الدَّهْرِ ما قَعَدَ الْقاِئمُ
للشاعر إبراهيم بن المهدي، اقرأ القصيدة

قال فحل ذلك أكثر ما كان في نفسه حدثنا عون بن محمد قال حدثنا محمد بن راشد قال دخلت يوما إلى إبراهيم بتن المهدي فتجارينا ذكر الدول فأنشدني لنفسه:

فَلّلِهِ نَفْسِي إنَّ فِيَّ لَعِبْرَةًوَلِلدَّهْرِ نَقْضٌ لِلقُوىَ بَعْدَ إبْرام
للشاعر إبراهيم بن المهدي، من قصيدة «فلله نفسي إنّ فيّ لعبرة»
غَدَوْتُ عَلَى الدُّنْيا مَلِيكاً مُسَلَّطاًوَرُحْتُ وَما أحْوِى بِها قَبْسَ إبهاِم
للشاعر إبراهيم بن المهدي، اقرأ القصيدة

حدثنا عون قال أنشد إبراهيم بن المهدي المأمون شعراً يعتذر فيه فقال له حين فرغ منه: قد أفرط شكرك، كما أفرط جرمك، والإحسان محاء للإساءة.

وأنشدني عون له بعقب هذا وكان يستجيده:

وَنَهَيْمتَ نَوْمِي عَنْ جُفونِي فَانْتَهَىوأَمَرْتَ لَيْلِي أَنْ يَطُولَ فَطالاَ

نَظَرُ اْلعُيوِن عَلَى اْلعُيوِن هُوَ الَّذِيجَعَلَ الْعُيونَ عَلَى اْلعُيوِن وَبالاَ

حدثنا محمد بن يحيى بن أبي عباد قال حدثني أبي قال كان إبراهيم ابن المهدي قد ترك الغناء في آخر أيامه، وذاك أنه غنى المعتصم صوتاً بشعر له في طريقة الثقيل الثاني في الأصبع الوسطى نوحيا على عمد:

ذَهْبْتُ مِنَ الدُّنْيا وَقَدْ ذَهَبًتْ مِنِّيهَوَى الشَّيبُ بِي عَنْها وَوَلَّي بِها عَنِّى

فِإنْ أَبْكِ نَفْسِي أَبْكٍ نَفْساً نَفِيسَةًوَإنْ أَحْتَسِبْها أَحْتَسِبْها عَلَى ضَنِّ

وجعل يغني ويبكي، فقال له المعتصم: ما هذا يا عم؟ قال: حلفت بين يدي الرشيد أني إذا بلغت الستين لم أشرب ولم أغن، قال ومن يشهد بهذا؟ قال جماعة قد بقي منهم مسرور الخادم، فسأله عن ذلك فشهد له، فأعفاه عن الغناء الشرب والغناء فما عاد لذلك إلى أن مات.

حدثني الحسين بن يحيى قال سمعت عبد الله بن العباس بن

الفضل بن الربيع يقول بلغ إبراهيم بن المهدي من حسن الغناء والعلم إلى نهاية ما بعدها، حتى أنه كان يجاذب إسحاق الموصلي... صنعة حسنة شبه بها صنعة الأوائل، منها أنه غنى في شعر مروان أبي حفصة من طريقة الثقيل الأول:

طَرَقَتْكَ زائِرَةٌ فَحَيِّ خَيالَهاحَسْناءُ تَخْلطُ بِالْجَمَالِ دَلالهَا
للشاعر إبراهيم بن المهدي، من قصيدة «طرقتك زائرة فحىّ خيالها»

حدثنا يحيى بن علي عن أبيه عن إبراهيم بن علي بن هشام أن إسحاق كتب إلى إبراهيم بن المهدي بجنس صوت صنعه مجزأ وأجزاء لحنه فغناه إبراهيم من غير أن يسمعه والصوت:

حَيِّيا أُمَّ يَعْمُرٍقَبْلَ شَحْطٍ مِنَ النَّوِى
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «حييا أم يعمرا»

فَقُلْتُ لاَ تُعْجِلُو الروَّاحَ فَقالُوا أَلاَ بَلَى

وهذا مما لم يسمع بمثله من فعلهما، والذي فعله إبراهيم بن المهدي أشد وأعجب، واللحن الذي عمله إسحاق في هذا الشعر من الثقيل الثاني وللهذلي فيه لحن في طريقة خفيف الثقيل الأول.

وكان إبراهيم بن المهدي ينسب الثقيل الأول الذي عليه الناس جميعاً إلى الثقيل الثاني، وينسب الثقيل الثاني إلى الثقيل الأول، وتابعه على ذلك عمرو بن بانة، وكان أحد غلمانه.

النص من طبعة مطبعة الصاوي (١٣٥٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

في هذا الباب

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أشعار أولاد الخلفاء وأخبارهم»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.