من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الرَّابِع وَالْأَرْبَعُون
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الرَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ
لَا أشتهي يَا قوم إِلَّا كَارِهًابَاب الْأَمِير وَلَا دفاع الْحَاجِب
على أَن " بَاب الْأَمِير " مَنْصُوب ب " لَا أشتهي " مُقَدرا. وَالْمَسْأَلَة مفصلة فِي الشَّرْح أَيْضا. قَالَ أَمِين الدَّين الطبرسي، فِي شرح الحماسة: هُنَا " كَارِهًا " حَال، يَقُول: لَا أعلق شهوتي بورود بَاب الْأَمِير ومدافعة الْحَاجِب إِلَّا على كره؛ يصف ميله إِلَى البدو وَأَهله وإلفه إيَّاهُم. وَقَالَ السَّيِّد فِي حَاشِيَته على المطول: قصر فِيهِ الشَّاعِر نَفسه فِي زمَان اشتهائه بَاب الْأَمِير على صفة الْكَرَاهَة لَهُ؛ فَهُوَ من قصر الْمَوْصُوف على الصّفة. وَيُمكن أَن يُقَال: قصر فِيهِ اشتهاءه بَاب الْأَمِير عَلَيْهِ مَوْصُوفا بالكراهية لَهُ لَا يتعداه إِلَيْهِ مَوْصُوفا بِصفة الْإِرَادَة لَهُ، فَهُوَ من قصر الصّفة على الْمَوْصُوف. وَلَك أَن تَقول قصر اشتهاءه الْبَاب على أَنه مُجْتَمع مَعَ كراهيته لَهُ دون إِرَادَته إِيَّاه؛ فَيكون أَيْضا من قصر الْمَوْصُوف على الصّفة. ثمَّ اشتهاء الشَّيْء إِن لم يكن مستلزماً لإرادته لم يناف كَرَاهَته، فَجَاز أَن يكون الشَّيْء مشتهى مَكْرُوها كاللذات الْمُحرمَة عِنْد الزهاد، كَمَا جَازَ أَن يكون الشَّيْء مرَادا منفوراً عَنهُ، كشرب الْأَدْوِيَة الْمرة عِنْد المرضى. فَإِن قيل: الاشتهاء يسْتَلْزم الْإِرَادَة، فالجمع بَينه وَبَين الْكَرَاهِيَة باخْتلَاف الْجِهَة، فيشتهي الدُّخُول على الْأَمِير لما فِيهِ من التَّقَرُّب، يكرههُ لما فِيهِ من المذلة ودفاع الْحَاجِب، فبالحقيقة المشتهى هُوَ التَّقَرُّب، وَالْمَكْرُوه تِلْكَ المذلة. ا. هـ. وَبِهَذَا يعرف سُقُوط قَول بعض شرَّاح الحماسة هُنَا، فَإِنَّهُ قَالَ: لَيْسَ قَوْله " كَارِهًا " حَالا من أشتهي، لِأَنَّهُ لَا يكون كَارِهًا للشَّيْء مشتهياً لَهُ فِي حَال، من أجل أَن الشَّهْوَة مُنَافِيَة للكراهية، وَلكنه حَال من فعل مُقَدّر، وَالْمعْنَى: لَا أشتهي بَاب الْأَمِير وَلَا آتيه إِلَّا كَارِهًا، أَو وَلَكِن آتيه كَارِهًا ا. هـ. وَهَذَا الْبَيْت أول أَبْيَات ثَلَاثَة مَذْكُورَة فِي الحماسة، لمُوسَى بن جَابر الْحَنَفِيّ والبيتان بعده:
وَمن الرِّجَال أسنة مذروبةومزندون شهودهم كالغائب
الْجُزْء
مِنْهُم أسود لَا ترام وَبَعْضهمْمِمَّا قمشت وَضم حَبل الحاطب
يشبه الرجل فِي مضائه وصرامته وَفِي دقته إِذا هزل بِالسَّيْفِ والسنان ومذروبة محددة وَكَذَلِكَ مذربة وكل شَيْء حددته فقد ذربته يَقُول من الرِّجَال رجال كالأسنة المطرورة مضاء ونفاذا فِي الْأُمُور والمزند وَكَذَلِكَ الزند الضّيق وَقَوْلهمْ فلَان زند متين أَي زند شَدِيد الضّيق متين شَدِيد بخيل أَي إِن نالهم خطب ضاقوا عَنهُ وَلم يتجهوا فِيهِ لرشد وَكَانَ من حَقه أَن يَقُول وَمِنْهُم مزندون لكنه أكتفى بِالْأولِ كَقَوْلِه تَعَالَى (مِنْهَا قَائِم وحصيد) قَالَ المرزوقي سَمِعت أَبَا عَليّ الْفَارِسِي يَقُول كل صفتين تتنافيان فَلَا يَصح اجْتِمَاعهمَا لموصوف وَاحِد فلابد من إِضْمَار من مَعَهُمَا إِذا فصل جملَة بهما مَتى لم يجىء ظَاهرا فَإِن أمكن أجتماع صفتين لموصوف وَاحِد اسْتغنى عَن إِضْمَار من كَقَوْلِك صاحباك مِنْهُمَا ظريف وكريم وَقَوله شهودهم إِلَى آخِره يرْوى بدله حضورهم يُرِيد أَنه لَا غناء عِنْدهم فحضورهم كغيبتهم كَقَوْل الشَّاعِر
شهِدت جسيمات العلى وَهُوَ غَائِبوَلَو كَانَ أَيْضا شَاهدا كَانَ غَائِبا
قَالَ الطبرسي يجوز أَن يُرِيد بالشهود جمع شَاهد وَهُوَ الْحَاضِر وَأَرَادَ بالغائب الْكَثْرَة فَتكون جِنْسا وَإِن كَانَ الشُّهُود مصدرا فالغائب يجوز أَن يكون جِنْسا كَالْأولِ أَي شهودهم كغيبة الْغَائِب بِحَذْف الْمُضَاف وَيجوز أَن يكون مصدرا كالباطل وَقَوله مِنْهُم لُيُوث إِلَخ يَقُول من الرِّجَال رجال كالأسود فِي الْعِزَّة والمنعة لَا يطْلب اهتضامهم وَلَا يطْمع فيهم وَمِنْهُم متفاوتون كقماش الْبَيْت وَهُوَ رَدِيء مَتَاعه جمع من هَهُنَا وَهَهُنَا وَقَوله وَضم حَبل الحاطب هُوَ كَقَوْل الآخر
وَكلهمْ يجمعهُمْ بَيت الْأدم
قَالَ الْأَصْمَعِي بَيت الْأدم يجمع الْجيد والرديء فَفِيهِ من كل جلد رقعه وَكَذَلِكَ الحاطب يجمع فِي حبله الرطب واليابس والجزل والشخت وَرُبمَا احتطب لَيْلًا فضم فِي حبلة أَفْعَى وَهُوَ لَا يدْرِي وَنَحْوه قَول الْعَامَّة فِي الشَّيْء المتفاوت وَالْقَوْم الْمُخْتَلطين هم خرق الْبُرْنُس استانف بِهَذَا الْبَيْت تِلْكَ الْقِسْمَة على وَجه آخر فَهُوَ من بَاب الْبَيَان وَهُوَ أَن يحمل الشَّاعِر معنى ويفسره بِمَا يَلِيهِ وَصَاحب هَذِه الأبيات مُوسَى بن جَابر الْحَنَفِيّ أحد شعراء بني حنيفَة المكثرين يُقَال لَهُ ابْن الفريعة وَهِي أمة كَمَا أَن حسان بن ثَابت ﵁ يُقَال لَهُ ابْن الفريعة وَتقدم فِي تَرْجَمته وَيُقَال كَانَ نَصْرَانِيّا وَهُوَ الْقَائِل
وجدنَا أَبَانَا كَانَ حل ببلدةسوى بَين قيس عيلان والفزر
برابية أما الْعَدو فحولنامطيف بِنَا فِي مثل دَائِرَة الْمهْر
فَلَمَّا نأت عَنَّا الْعَشِيرَة كلهَاأَقَمْنَا وحالفنا السيوف على الدَّهْر
كَذَا فِي المؤتلف والمختلف للآمدي وَسوى صفة بَلْدَة بِمَعْنى متوسطة والفزر لقب لسعد بن زيد مَنَاة وَالْمعْنَى وجدنَا أَبَانَا حل ببلدة متوسطه لديار قيس بن عيلان وَسعد بن زيد مَنَاة يُرِيد حل بَين مُضر وناى عَن ربيعَة لِأَن قيسا والفزر من مُضر وَقَوله فَلَمَّا نأت إِلَخ يَقُول لما خذلتنا عشيرتنا وهم ربيعَة اكتفينا بِأَنْفُسِنَا فَأَقَمْنَا بدار الْحفاظ وَالصَّبْر واتخذنا سُيُوفنَا حلفاء على الدَّهْر وَهَذَا مثل ضربه لاستقلالهم فِيمَا نهضوا فِيهِ بعددهم وعدتهم وبلائهم وصبرهم واستغنائهم عَن القاعدين
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع