من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الْخَامِس وَالْأَرْبَعُون
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْخَامِس وَالْأَرْبَعُونَ وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ
ليبك يزِيد ضارع لخصومةومختبط مِمَّا تطيح الطوائح
على أَن الْفِعْل الْمسند إِلَى ضارع حذف جَوَازًا أَي يبكة ضارع وَهَذَا على رِوَايَة ليبك بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وَيزِيد نَائِب فَاعل وَأما على رِوَايَته بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل ففاعله ضارع وَيزِيد مَفْعُوله وَلَا حذف وَلَا شَاهد وَهَذِه الرِّوَايَة هِيَ الثَّابِتَة عِنْد العسكري وعد الرِّوَايَة الأولى غَلطا فَإِنَّهُ قَالَ فِي كتاب التَّصْحِيف فِيمَا غلط فِيهِ النحويون وَمِمَّا قلبوه وَخَالفهُم الروَاة قَول الشَّاعِر
ليبك يزِيد ضارع الْبَيْت
وَقد رَوَاهُ خَالِد والأصمعي وَغَيرهمَا بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل من الْبكاء وَنصب يزِيد وَمثله فِي كتاب فعلت وأفعلت لأبي حَاتِم السجسْتانِي قَالَ أنْشد الْأَصْمَعِي ليبك يزِيد ضارع أَي بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل وَلم يعرف ليبك يزِيد أَي بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وَقَالَ هَذَا من عمل النَّحْوِيين وَزعم بَعضهم أَنه لَا حذف فِي الْبَيْت على الرِّوَايَة الأولى أَيْضا لجَوَاز أَن يكون يزِيد منادى وضارع نَائِب الْفَاعِل قَالَ ابْن هِشَام فِي شرح الشواهد والتوجيه
الأول أولى لِأَنَّهُ قد روى ليبك يزِيد بِفَتْح يَاء يبك وَكسر كَافَّة وَنصب يزِيد فَلَمَّا ظهر ضارع فَاعِلا فِي هَذِه الرِّوَايَة اسْتحق أَن يقدر فَاعِلا فِي الْأُخْرَى ليستويا وتوهم الدماميني فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة وَتَبعهُ الفناري فِي حَاشِيَة المطول أَن الْقَائِل بِنِدَاء يزِيد يزْعم أَنه منادى فِي الرِّوَايَتَيْنِ وَاسْتَشْكَلَهُ بِأَنَّهُ لم يثبت رفع يزِيد فِي رِوَايَة الْبناء للْفَاعِل وَلَيْسَ كَمَا توهم فَإِن الَّذِي خرجه على النداء إِنَّمَا هُوَ على رِوَايَة ليبك بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول كَمَا نقل ابْن هِشَام وَالرِّوَايَة الأولى أبلغ بتكرار الْإِسْنَاد إِجْمَالا ثمَّ تَفْصِيلًا كَمَا بَينه السعد فِي المطول وَقَالَ ابْن خلف لما قَالَ ليبك يزِيد عَم المأمورين بالتفجع على هَذَا الْمَيِّت والبكاء عَلَيْهِ من كَثْرَة الْغناء ثمَّ خص هذَيْن الصِّنْفَيْنِ من جملَة الباكين عَلَيْهِ لشدَّة احتياجهما إِلَيْهِ ثمَّ قَالَ نقلا عَن بَعضهم إِن الْإِبْهَام على الْمُخَاطب فِي مثل هَذَا النَّحْو الَّذِي يقْصد بِهِ الْعُمُوم تَعْظِيم للمقصود ومدح عميم وَيزِيد على رِوَايَة الْبناء لفاعل غير منصرف للعلمية وَوزن الْفِعْل لِأَنَّهُ مَنْقُول من الْفِعْل دون ضَمِيره الْمُسْتَتر وعَلى الرِّوَايَة الْأُخْرَى يحْتَمل أَن يكون كَالْأولِ وَهُوَ الظَّاهِر وَيحْتَمل أَن يكون مَنْقُولًا من الْفِعْل مَعَ فَاعله الْمُسْتَتر وَيكون حِينَئِذٍ جملَة محكية وَأعلم أَن هَذَا الْبَيْت لوُقُوعه فِي الْمَتْن شَرحه الشَّارِح الْمُحَقق وَنحن نذْكر مَا يتَعَلَّق بِهِ فَقَوله الضارع الذَّلِيل من قَوْلهم ضرع ضراعة فعله من الْبَاب الثَّالِث وَورد فِي لُغَة أَيْضا من بَاب تَعب وَيُقَال أَيْضا ضرع ضرعا كشرف شرفا بِمَعْنى ضعف فَهُوَ ضرع أَيْضا تَسْمِيَة بِالْمَصْدَرِ كَذَا فِي الْمِصْبَاح وَقَوله لخصومة مُتَعَلق بضارع وَإِن لم يعْتَمد على شَيْء إِلَخ أَقُول ظَاهره أَنه لم يعْتَمد على شَيْء مِمَّا ذكر من شُرُوط عمل اسْم الْفَاعِل النصب وَفِيه أَنه مُعْتَمد على مَوْصُوف مُقَدّر قَالَ ابْن مَالك فِي الْخُلَاصَة
وَقد يكون نعت مَحْذُوف عرففَيسْتَحق الْعَمَل الَّذِي وصف
وَيحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ أَنه مُتَعَلق بضارع وَإِن فرض أَنه لم يعْتَمد على شَيْء لِأَنَّهُ يَكْفِيهِ رَائِحَة الْفِعْل وَكَيف لَا يتَعَلَّق بِهِ مَعَ اعْتِمَاده على مَوْصُوف مُقَدّر لكنه بعيد عَن السِّيَاق قَالَ الفناري فِي حَاشِيَة المطول فَإِن قلت بل قد اعْتمد على الْمَوْصُوف
الْمُقدر أَي شخص ضارع فعلى تَقْدِير اشْتِرَاط الِاعْتِمَاد فِي تعلق الْجَار بِهِ لَا مَحْذُور أَيْضا قلت إِن كفى فِي عمله الِاعْتِمَاد على مَوْصُوف مُقَدّر لَا يتَصَوَّر الإلغاء لعدم الِاعْتِمَاد حِينَئِذٍ لتصريح الشَّارِح يَعْنِي السعد فِي شرح الْكَشَّاف بِأَن ذكر الْمَوْصُوف مَعَ اسْم الْفَاعِل مُلْتَزم لفظا أَو تَقْديرا تعيينا للذات الَّتِي قَامَ بهَا الْمَعْنى وَهُوَ مُخَالف لتصريحهم اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال الِاعْتِمَاد على مَوْصُوف مُقَدّر إِنَّمَا يَكْفِي لعمله إِذا قوي الْمُقْتَضى لتقديره كَمَا فِي يَا طالعا جبلا وَيَا رَاكِبًا فرسا لانضمام اقْتِضَاء حرف النداء إِلَى اقْتِضَاء نفس اسْم الْفَاعِل لَكِن تَأتي اعْتِبَار مثل هَذَا الْمُقْتَضى فِي كل مَوضِع مَحل نظر ا. هـ.
وَهَذَا كَلَام جيد وَقَوله لأجل الْخُصُومَة أَشَارَ إِلَى أَن اللَّام فِي الْخُصُومَة لَام التَّعْلِيل وَيحْتَمل أَن يكون بِمَعْنى عِنْد أَيْضا وَقَوله فَإِن يزِيد كَانَ ملْجأ للأذلاء والضعفاء الأولى ملْجأ للأذلاء والفقراء فَإِن المختبط بِمَعْنى السَّائِل كَمَا فسره الشَّارِح بِهِ وَقَوله وتعليقه بيبك لَيْسَ بِقَوي فِي الْمَعْنى قَالَ الفناري لِأَن مُطلق الْخُصُومَة لَيْسَ سَببا للبكاء بل هِيَ بِوَصْف المغلوبية وَقَوله والمختبط الَّذِي يَأْتِيك للمعروف من غير وَسِيلَة وَقع فِي بعض النّسخ الَّذِي يَأْتِي بِاللَّيْلِ للمعروف وَالظَّاهِر أَن قيد اللَّيْل تَحْرِيف من النساخ وَكَون الاختباط الْإِتْيَان للمعروف من غير وَسِيلَة هُوَ قَول أبي عُبَيْدَة فَإِنَّهُ قَالَ المختبط الرجل يَسْأَلك من غير معرفَة كَانَت بَيْنكُمَا وَلَا يَد سلفت مِنْهُ إِلَيْك وَعَلِيهِ فَيكون الاختباط مُتَعَدِّيا لمفعول وَاحِد كَمَا مثل الشَّارِح الْمُحَقق بقوله يُقَال اختبطني فلَان وَقَالَ ابْن خلف الاختباط بِمَعْنى السُّؤَال والطلب فَهُوَ بِمَنْزِلَة الِاقْتِضَاء تَقول اختبطني معروفي فخبطته أَي أَنْعَمت عَلَيْهِ وَمثله اقتضيته مَالا أَي سَأَلته إِيَّاه وَحكى بَعضهم اختبط فلَان فلَانا وَرقا إِذا أصَاب مِنْهُ خيرا فعلى تَفْسِير أبي عُبَيْدَة فِي الْبَيْت حذف مفعول وَاحِد أَي ومختبط وَرقا أَو رزقا أَو نَحْو ذَلِك وَيجوز أَن يكون هَذَا الْمَفْعُول ضمير يزِيد أَي ومختبط إِيَّاه وعَلى التَّفْسِير الثَّانِي فِيهِ حذف مفعولين أَي ومختبط النَّاس أَمْوَالهم وَمثله إِذا سَأَلت فاسأل الله أَي إِذا سَأَلت أحدا مَعْرُوفَة فاسأل الله مَعْرُوفَة
وروى ومستنمح بدل ومختبط أَي من أستمنحه أَي طلب منحته وَهِي الْعَطِيَّة والرفد وَالْأَصْل فِي المنحة هِيَ الشَّاة أَو النَّاقة يُعْطِيهَا صَاحبهَا رجلا يشرب لَبنهَا ثمَّ يردهَا إِذا انْقَطع اللَّبن ثمَّ كثر اسْتِعْمَاله حَتَّى أطلق على كل عَطاء ومنحته من بَاب نفع وَضرب إِذا أَعْطيته وصف الشَّاعِر يزِيد بالنصر وَالْكَرم للذليل وطالب الْمَعْرُوف فيقصده الضارع للخصومة ويلتجىء إِلَيْهِ المختبط إِذا أَصَابَته شدَّة السنين وَقَوله وَأَصله من خبطت الشَّجَرَة إِلَخ الْخبط بِسُكُون الْبَاء إِسْقَاط الْوَرق من الشّجر بالعصا لعلف الْإِبِل والخبط بِفتْحَتَيْنِ هُوَ الْوَرق السَّاقِط والمخبط بِكَسْر الْمِيم هِيَ الْعَصَا الَّتِي يخبط بهَا وَالْفِعْل من بَاب ضرب وَقَالَ ابْن مَالك الأَصْل فِيهِ أَن الساري والسائر لابد من أَن يختبط الأَرْض ثمَّ اختصر الْكَلَام فَقيل للآتي طَالبا للجدوى مختبط وخبطت الرجل إِذا أَنْعَمت عَلَيْهِ من غير معرفَة وخبطته إِذا سَأَلته أَيْضا فَهُوَ ضد وَقَوله وَهُوَ إِمَّا على حذف الزَّوَائِد إِلَخ أَشَارَ إِلَى أَن الطوائح جمع على غير قِيَاس لِأَن فعله رباعي يُقَال أطاحته الطوائح وطوحته فَقِيَاس الْجمع أَن يكون المطيحات والمطارح فَإِن تكسير مفعل مفاعل بِحَذْف إِحْدَى الْعَينَيْنِ وإبقاء الْمِيم وَتَخْرِيج الْجمع على حذف الزَّوَائِد هُوَ لأبي عَليّ الْفَارِسِي وتخريجه على النّسَب هُوَ لأبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ فَإِن تَقْدِيره عِنْده مِمَّا تطيحه الحادثات ذَوَات الطوائح وَنقل ابْن خلف عَن الْأَصْمَعِي أَن الْعَرَب تَقول طاح الشَّيْء بِنَفسِهِ وطاحه غَيره بِمَعْنى طوحه وأبعده فعلى هَذَا تكون الطوائح جمع طائحة من الْمُتَعَدِّي قِيَاسا وَلَا شذوذ وَلم أر هَذَا النَّقْل فِي الْكتب المدونه فِي اللُّغَة وَلَا فِي غَيرهَا وَقَوله يُقَال طاح يطوح إِلَخ طاح بِمَعْنى هلك وكل شَيْء ذهب وفني فقد طاح وَقَوله وطاح يطيح وَهُوَ واوي إِلَخ فَيكون أَصلهمَا طوح يطوح بِكَسْر الْوَاو فيهمَا فأعلا
وَجعله صَاحب الْعباب مِمَّا عينه جَاءَ مُعْتَلًّا بِالْوَاو تَارَة وبالياء تَارَة أُخْرَى وَلم يعْتَبر أَن الْوَاو صَارَت يَاء بالإعلال وَسَبقه ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة فَإِنَّهُ قَالَ وَمن قَالَ طاح يطيح فَكَانَ عِنْده كباع يَبِيع فقياسة أَن يَقُول المطايح فيصحح الْيَاء لِأَنَّهَا عين مفعل وَقَوله مِمَّا تطيح مُتَعَلق بمختبط إِلَخ هَذَا هُوَ الظَّاهِر الْمُتَبَادر إِلَيْهِ وَقَالَ ابْن خلف وَقَوله مِمَّا تطيح مَوْضِعه رفع على النَّعْت لمختبط أَوله ولضارع جَمِيعًا أَي كَائِن أَو كائنان فَتكون مَا للْجِنْس وَيُؤَيّد هَذَا التَّأْوِيل رِوَايَة من روى مِمَّن تطيح أَي من الَّذِي تطيحه الطوائح فَحذف الْعَائِد وروى أَبُو عَليّ قد طوحته الطوائح وَهَذَا يُؤَيّد كَون هَذِه الْجُمْلَة نعتا لمختبط لرجوع الضَّمِير إِلَيْهِ مُفردا وَقَوله أَي يسْأَل من أجل أَشَارَ إِلَى أَن من تعليلية وَقَالَ ابْن الْحَاجِب فِي إيضاحه وأماليه وَمن للابتداء أَو بِمَعْنى السَّبَبِيَّة فَالْأول على أَن ابْتِدَاء الاختباط من الإطاحة أَو سَبَب الاختباط الإطاحة فَإِن قلت مَا الْفرق بَينهمَا قلت فِيهِ خلاف قَالَ أَبُو حَيَّان كَأَن التَّعْلِيل وَالسَّبَب عِنْدهم شَيْء وَاحِد قَالَ السُّيُوطِيّ هَذَا هُوَ الْحق وَفِي شرح جمع الْجَوَامِع للمحلي مَا يُصَرح بِهِ لِأَنَّهُ قَالَ الْمعبر عَنهُ هُنَا بِالسَّبَبِ هُوَ الْمعبر عَنهُ فِي الْقيَاس بِالْعِلَّةِ وَخَالفهُم ابْن السُّبْكِيّ فِي الْأَشْبَاه والنظائر فَقَالَ إِن الْفرق بَينهمَا ثَابت لُغَة ونحوا وَشرعا قَالَ اللغويون السَّبَب كل شَيْء يتَوَصَّل بِهِ إِلَى غَيره وَمن ثمَّ سموا الْحَبل سَببا وَذكروا أَن الْعلَّة الْمَرَض وكلمات يَدُور مَعْنَاهَا على أَن الْعلَّة أَمر يكون عَنهُ أَمر آخر وَذكر النُّحَاة أَن اللَّام للتَّعْلِيل وَلم يَقُولُوا للسَّبَبِيَّة وَقَالَ أَكْثَرهم الْبَاء للسَّبَبِيَّة وَلم يَقُولُوا للتَّعْلِيل وَذكر ابْن مَالك السَّبَبِيَّة وَالتَّعْلِيل وَهَذَا تَصْرِيح بِأَنَّهُمَا غيران وَقَالَ أهل الشَّرْع السَّبَب مَا يحصل الشَّيْء عِنْده لَا بِهِ وَالْعلَّة مَا يحصل بِهِ وَأنْشد ابْن السَّمْعَانِيّ على ذَلِك
ألم تَرَ أَن الشَّيْء للشَّيْء علهتكون بِهِ كالنار تقدح بالزند
والمعلول يتأثر عَن علته بِلَا وَاسِطَة بَينهمَا وَلَا شَرط يتَوَقَّف الحكم على وجوده وَالسَّبَب إِنَّمَا يُفْضِي إِلَى الحكم بِوَاسِطَة أَو وسائط وَلذَلِك يتراخى الحكم
عَنهُ حَتَّى تُوجد الشَّرَائِط وتنتفي الْمَوَانِع وَأما الْعلَّة فَلَا يتراخى الحكم عَنْهَا إِذْ لَا شَرط لَهَا بل مَتى وجدت أوجبت معلولها بالِاتِّفَاقِ إِلَى آخر مَا فَصله وَقَوله إذهاب الوقائع مَاله أَشَارَ إِلَى أَن مفعول تطيح مَحْذُوف وَهُوَ مَاله وَقَوله أَي يبك لأجل إهلاك المنايا يزِيد أَشَارَ إِلَى أَن مفعول تطيح على هَذَا التَّقْدِير هُوَ يزِيد وَأَرَادَ بالمنايا أَسبَاب الْمَوْت إطلاقا لاسم الْمُسَبّب على السَّبَب وَإِلَّا فالشخص الْوَاحِد لَا تهلكه إِلَّا منية وَاحِدَة وَقَوله وَيجوز أَن تكون مَا بِمَعْنى الَّتِي زَاد بَعضهم وَيجوز أَن تكون نكرَة مَوْصُوفَة وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات لنهشل بن حري على مَا فِي شرح أَبْيَات الْكتاب لِابْنِ خلف فِي مرثية يزِيد وَهِي
لعمري لَئِن أَمْسَى يزِيد بن نهشلحَشا حدث تسفي عَلَيْهِ الروائح
لقد كَانَ مِمَّن يبسط الْكَفّ بالندىإِذا ضن بِالْخَيرِ الأكف الشحائح
فبعدك أبدى ذُو الضغينة ضغنهوسد لي الطّرف الْعُيُون الكواشح
ذكرت الَّذِي مَاتَ الندى عِنْد مَوتهبعاقبه إِذْ صَالح الْعَيْش طالح
إِذا أرق أفنى من اللَّيْل مَا مضىتمطى بِهِ ثني من اللَّيْل رَاجِح
ليبك يزِيد ضارع
.. الْبَيْت سقى جدثا أَمْسَى بدومة ثاويا... من الدَّلْو والجوزاء غاد ورائح)
الحشا مَا فِي الْبَطن والجدث بِالْجِيم والثاء الْمُثَلَّثَة الْقَبْر وتسفي مضارع سفت الرّيح التُّرَاب ذرته وَيُقَال أسفته أَيْضا فالمفعول مَحْذُوف والروائح أَي الْأَيَّام الروائح من رَاح الْيَوْم يروح روحا من بَاب قَالَ وَفِي لُغَة من بَاب خَافَ إِذا اشتدت رِيحه فَهُوَ رائح وَأما كَونه جمع ريح لم أَقف على من نبه عَلَيْهِ مَعَ أَن ريحًا لم تجمع على هَذَا الْوَزْن وضن يُقَال ضن بالشَّيْء يضن من بَاب تَعب ضنا وضنة بِالْكَسْرِ وضنانة بِالْفَتْح بخل فَهُوَ
ضنين وَمن بَاب ضرب لُغَة والشحائح جمع شحيح من الشُّح وَهُوَ الْبُخْل وَفعله من بَاب قتل وَفِي لُغَة من بَابي ضرب وتعب أَرَادَ أَنه إِن فقد بِالْعدمِ فَهُوَ حَيّ بِذكرِهِ بِالْكَرمِ وَمَا أحسن قَول أبي نصر الميكالي
باني العلى وَالْمجد وَالْإِحْسَانوَالْفضل وَالْمَعْرُوف أكْرم باني
الْجُود رَأْي مُسَدّد وموفقوالبذل فعل مؤيد وَمَعَان
وَالْبر أكْرم مَا وعته حقيبةوَالشُّكْر افضل مَا حوته يدان
وَإِذا الْكَرِيم مضى وَولى عمرهكفل الثَّنَاء لَهُ بعمر ثَان
وَلأَجل هَذَا الْبَيْت الْأَخير أنشدت هَذِه الأبيات وعاه يعيه حفظه وَجمعه والحقيبة أَصله الْعَجز ثمَّ سمي مَا يحمل من القماش على الْفرس خلف حقيبته مجَازًا لِأَنَّهُ مَحْمُول على الْعَجز وَقَوله فبعدك أبدى إِلَخ فِيهِ الْتِفَات من الْغَيْبَة إِلَى الْخطاب والضغينة والضغن بِالْكَسْرِ اسْم من ضغن صَدره ضغنا من بَاب تَعب بِمَعْنى حقد وسد أغلق والطرف مصدر طرف الْبَصَر طرفا من بَاب ضرب تحرّك وَنظر وَهُوَ مفعول مقدم والعيون فَاعل مُؤخر والكواشح جمع كاشحة مؤنث الْكَاشِح وَهُوَ مُضْمر الْعَدَاوَة وكشح لَهُ بالعداوة عَادَاهُ ككاشحه وَإِنَّمَا نسبه إِلَى الْعُيُون لِأَن الْعَدَاوَة أول مَا تظهر من الْعين أَي صرت بعْدك ذليلا لَا أقدر أَن أرفع بَصرِي إِلَى أحد وَفِي نُسْخَة وسدد لي من التسديد وَهُوَ التَّقْوِيم أَي صوبت نحوي عُيُون الْأَعْدَاء نظرها وَهَذِه أحسن وَقَوله ذكرت الَّذِي إِلَخ ضمير مَوته رَاجع للَّذي وَهُوَ الْعَائِد وَالْبَاء مُتَعَلقَة بمات وَالْعَاقِب الَّذِي يخلف من كَانَ قبله فِي الْخَيْر وَضمير عاقبه رَاجع للندى يَقُول مَاتَ الندى مَعَ من يخلفه عِنْد موت يزِيد وَيصِح أَن يعود الضَّمِير ليزِيد وَإِذ مُتَعَلقَة بذكرت والصالح من الصّلاح والطالح من الطلاح وَهُوَ ضد الصّلاح والأرق السهر وتمطى امْتَدَّ وَطَالَ وَضمير بِهِ رَاجع إِلَى مَا مضى والثني بِكَسْر الْمُثَلَّثَة وَسُكُون النُّون يُقَال ثني من اللَّيْل أَي
سَاعَة وَقيل وَقت وراجح أَي زَائِد ثقيل من رجح الْمِيزَان رجوحا مَال وَإِذا عاملها تمطى يشكو بِهَذَا الْبَيْت طول اللَّيْل وَقَوله أَمْسَى بدومة ثاويا دومة بِفَتْح الدَّال وَالْمِيم اسْم مَوضِع بَين الشَّام والموصل وَهُوَ من منَازِل جذيمة الأبرش كَانَ وَقع فِيهِ الطَّاعُون ذكره الأخطل فِي شعره كَذَا فِي المعجم لأبي عبيد الْبكْرِيّ وغاد فَاعل سقى واحده غادية وَهِي السحابة تنشأ غدْوَة والرائح مطر الْعشي وَهُوَ آخر النَّهَار وَقَوله من الدَّلْو كَانَ فِي الأَصْل صفة لما بعده فَلَمَّا قدم صَار حَالا وَإِنَّمَا خص السَّحَاب كَونه من الدَّلْو والجوزاء لِكَثْرَة مَاله فَإِن الدَّلْو وسط فصل الشتَاء فَإِن الشَّمْس تحل فِيهِ بالجدي والدلو والحوت والجوزاء آخر فصل الرّبيع وَالشَّمْس تحل فِيهِ بِالْحملِ والثور والجوزاء ونهشل بن حري بِفَتْح الْحَاء وَتَشْديد الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ بِلَفْظ الْمَنْسُوب إِلَى الْحر أَو إِلَى الْحرَّة وَهُوَ ابْن ضَمرَة بن جَابر بن قطن بن نهشل بن دارم بن مَالك بن حَنْظَلَة ابْن مَالك بن زيد مَنَاة بن تَمِيم وَكَانَ اسْم ضَمرَة جد نهشل شقة بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْقَاف وَدخل على النُّعْمَان فَقَالَ لَهُ من أَنْت فَقَالَ أَنا شقة بن ضَمرَة قَالَ النُّعْمَان تسمع بالمعيدي لَا أَن ترَاهُ فَقَالَ أَبيت اللَّعْن إِنَّمَا الْمَرْء باصغريه بِقَلْبِه وَلسَانه إِن نطق نطق بِبَيَان وَإِن قَاتل قَاتل بجنان قَالَ أَنْت ضَمرَة بن ضَمرَة يُرِيد أَنَّك كأبيك كَذَا فِي كتاب الشُّعَرَاء لِابْنِ قُتَيْبَة وَكَانَ نهشل شَاعِرًا حسن الشّعْر وَهُوَ الْقَائِل
وَيَوْم كَأَن المصطلين بحرهوَإِن لم تكن نَار وقُوف على جمر
صَبرنَا لَهُ حَتَّى يبوخ وَإِنَّمَاتفرج أَيَّام الكريهة بِالصبرِ
قَالَ العسكري فِي التَّصْحِيف وَابْنه حري بن نهشل بن حري شَاعِر أَيْضا وَله يَقُول الفرزدق
أحري قد فاتتك أُخْت مجاشعفصيلة فانكح بعْدهَا أَو تأيم
ونهشل بن حري من المخضرمين نقل ابْن حجر فِي الْإِصَابَة عَن المرزباني أَنه شرِيف مَشْهُور مخضرم بَقِي غلى أَيَّام مُعَاوِيَة وَكَانَ مَعَ عَليّ فِي حروبه وَقتل أَخُوهُ مَالك بصفين وَهُوَ يَوْمئِذٍ رَئِيس بن حَنْظَلَة وَكَانَت رايتهم مَعَه ورثاه نهشل بمراث كَثِيرَة قَالَ وَأَبوهُ شَاعِر شرِيف مَشْهُور مَذْكُور وجده ضمره سيد ضخم الشّرف وَكَانَ من خير بيُوت بني دارم
(تَتِمَّة)
نسب النّحاس هَذِه الأبيات فِي شرح أَبْيَات الْكتاب وَتَبعهُ ابْن هِشَام للبيد الصَّحَابِيّ وَحكى الزَّمَخْشَرِيّ أَنَّهَا لمزرد أخي الشماخ وَقَالَ ابْن السيرافي هِيَ لِلْحَارِثِ بن ضرار النَّهْشَلِي يرثي يزِيد بن نهشل وَقَالَ اللبلي إِنَّهَا لِضِرَار النَّهْشَلِي وَذكر البعلي أَنَّهَا لِلْحَارِثِ بن نهيك النَّهْشَلِي وَقيل هِيَ للمهلهل وَالصَّوَاب أَنَّهَا لنهشل بن حري كَمَا فِي شرح أَبْيَات الْكتاب لِابْنِ خلف وَكَذَا فِي شرح أَبْيَات الْإِيضَاح وَالله أعلم
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع