تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد السَّابِع وَالْخَمْسُون

فيه بيتان

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد السَّابِع وَالْخَمْسُونَ وَهُوَ من شَوَاهِد س

ثَلَاث كُلهنَّ قتلت عمدافأخزى الله رَابِعَة تعود

لما تقدم فِي الْبَيْت قبله وَهُوَ أَنه حذف عَائِد الْمُبْتَدَأ الَّذِي هُوَ كُلهنَّ من جملَة الْخَبَر حذفا قياسيا عِنْد الْفراء قَالَ الأعلم اسْتشْهد بِهِ س على رفع كل مَعَ حذف الضَّمِير من الْفِعْل وَجعله مثل زيد ضربت وَلَو نصب وَقَالَ كُله لم أصنع وكلهن قتلت لأجراه على مَا يَنْبَغِي وَلم يحْتَج إِلَى الرّفْع مَعَ حذف الضَّمِير وَالْقَوْل عِنْدِي أَن الرّفْع هُنَا أقوى من زيد ضربت لِأَن كلا لَا يحسن حملهَا على الْفِعْل لِأَن أَصْلهَا أَن تَأتي تَابِعَة للاسم مُؤَكدَة كَقَوْلِك ضربت الْقَوْم كلهم أَو مُبتَدأَة بعد كَلَام نَحْو الْقَوْم كلهم ذَاهِب فَإِن قلت ضربت كل الْقَوْم وبنيتها على الْفِعْل لَخَرَجت عَن الأَصْل فَيَنْبَغِي أَن يكون الرّفْع أقوى من النصب وَتَكون الضَّرُورَة حذف الْهَاء لَا رفع كل انْتهى وَتَبعهُ فِي هَذَا ابْن الْحَاجِب فِي شرح الْمفصل وَنَقله عَنهُ السعد فِي المطول وَنقل ابْن الْأَنْبَارِي فِي الْإِنْصَاف أَن هَذَا الْبَيْت مِمَّا اسْتدلَّ بِهِ الْكُوفِيُّونَ على جَوَاز تَأْكِيد النكرَة قَالَ وَلَا حجَّة لَهُم فِيهِ لِأَنَّهُ مَحْمُول على أَنه بدل لَا تَأْكِيد وَيجوز أَن يكون أَيْضا ثَلَاث مُبْتَدأ وكلهن مُبْتَدأ ثَان وَقتلت خبر كُلهنَّ وهما جَمِيعًا خبر ثَلَاث انْتهى وَقَالَ أَبُو جَعْفَر النّحاس وَلَا ينشد ثَلَاثًا بنصبه بقتلت لِأَن قَوْله كُلهنَّ قتلت جملَة فِي مَوضِع نعت لثلاث وَمن رفع قدره لي ثَلَاث وَيكون كُلهنَّ قتلت نعتا وَإِنَّمَا لم يجز أَن يرْوى ثَلَاثًا لِئَلَّا يتَقَدَّم النَّعْت على المنعوت انْتهى أَقُول من رفع وَجعل الْجُمْلَة بعده نعتا قدر لي وَنَحْوه خَبرا للمبتدأ وَقَوله وَإِنَّمَا لم يجز أَن يرْوى ثَلَاثًا إِلَخ مُرَاده أَنه إِذا نصب ثَلَاث بقتلت كَانَ ثَلَاثًا منعوتا بجملة كُلهنَّ قتلت فَيكون قتلت من أَجزَاء النَّعْت لثلاثا لِأَنَّهُ بعض الْجُمْلَة المنعوت بهَا وَمَعَ كَونه من أَجزَاء النَّعْت هُوَ عَامل فِي المنعوت الْمُتَقَدّم فَيكون المنعوت مُتَأَخِّرًا فِي الرُّتْبَة فَيلْزم تَقْدِيم النَّعْت على المنعوت من حَيْثُ الرُّتْبَة وَهَذَا

كَلَام مُخَالف للقواعد لَا يَنْبَغِي تسطيره من مثله وَنقل ابْن خلف عَن أبي عَليّ أَن ثَلَاث مُبْتَدأ وكلهن قتلت خبر كَأَنَّهُ فِي تَقْدِير زيد أَخَاهُ ضَربته وَفِيه نظر فَإِن الشَّاهِد لَيْسَ من بَاب الِاشْتِغَال لعدم الضَّمِير فَتَأمل وَأعلم أَن الضَّمِير الْمَحْذُوف من الشَّاهِد تَقْدِيره قتلتها لِأَن كلا المضافة إِلَى الْمعرفَة يكون عائدها مُفردا قَالَ تَعَالَى ﴿وَكلهمْ آتيه﴾ وَفِي الحَدِيث كلكُمْ جَائِع إِلَّا من أطعمته وَقَالَ الشَّاعِر

(وَكلهمْ قد نَالَ شبعا لبطنه... وشبع الْفَتى لؤم إِذا جَاع صَاحبه... وَقَالَ آخر

وكل الْقَوْم يسْأَل عَن نفَيْلكَأَن عَليّ للحبشان دينا

قَالَ أَبُو حَيَّان وَلَا يكَاد يُوجد فِي لِسَان الْعَرَب كلهم يقومُونَ وَلَا كُلهنَّ قائمات وَإِن كَانَ مَوْجُودا فِي تَمْثِيل كثير من النُّحَاة قَالَ السُّبْكِيّ فِي رِسَالَة كل وَقد طلبته فَلم أَجِدهُ وَجوز ابْن مَالك وَغَيره أَن يحمل على الْمَعْنى فَيجمع وَجعلُوا مِنْهُ أَنْتُم كلكُمْ بَيْنكُم دِرْهَم قَالُوا يجوز كلكُمْ بَينه دِرْهَم على اللَّفْظ وَبَيْنكُم على الْمَعْنى وَإِن جعل كلكُمْ توكيدا جوز بَعضهم أَيْضا أَن يَقُول بَينه وَالْمَشْهُور بَيْنكُم انْتهى وَقدر الضَّمِير هُنَا بَعضهم قتلتهن وَكَأَنَّهُ بناه على مَذْهَب ابْن مَالك وَقدره ابْن خلف نقلا عَن بَعضهم قتلته أَو قَتلتهمْ وَلَا أعرف وَجهه وَقَوله فأخزى الله هَذِه جملَة دعائية يُقَال خزي الرجل خزيا من بَاب علم ذل وَهَان وأخزاه الله أذله وأهانه وتعود من الْعود وَهُوَ

الرُّجُوع قَالَ صَاحب الْمِصْبَاح عَاد إِلَى كَذَا وَعَاد لَهُ أَيْضا عودا وعودة صَار إِلَيْهِ فالصلة هُنَا محذوفة أَي تعود إِلَيّ قَالَ ابْن خلف يجوز أَن يُرِيد بِالثلَاثِ ثَلَاث نسْوَة تزوجهن وَيجوز أَن يُرِيد ثَلَاث نسْوَة هوينه فقتلهن هَوَاهُ أَو يعْنى غير ذَلِك مِمَّا يحْتَملهُ الْمَعْنى وَجعل مَجِيء الرَّابِعَة عودا وَإِن لم تكن جَاءَت قبل لِأَنَّهُ جعل فعل صواحبها الماضيات كَأَنَّهُ فعلهَا انْتهى وَقَالَ شَارِح أَبْيَات الموشح ويروى تقود من الْقود وَهُوَ الْقصاص وَهَذَا الْبَيْت وَإِن كَانَ من شَوَاهِد س لَا يعرف مَا قبله وَلَا مَا بعده وَلَا قائلة فَإِن سِيبَوَيْهٍ إِذا اسْتشْهد بِبَيْت لم يذكر ناظمه وَأما الأبيات المنسوبة فِي كِتَابه إِلَى قائليها فالنسبة حَادِثَة بعده اعتنى بنسبتها أَبُو عمر الْجرْمِي قَالَ الْجرْمِي نظرت فِي كتاب سِيبَوَيْهٍ فَإِذا فِيهِ ألف وَخَمْسُونَ بَيْتا فَأَما ألف فَعرفت أَسمَاء قائليها فأثبتها وَأما خَمْسُونَ فَلم أعرف أَسمَاء قائليها وَإِنَّمَا امْتنع سِيبَوَيْهٍ من تَسْمِيَة الشُّعَرَاء لِأَنَّهُ كره أَن يذكر الشَّاعِر وَبَعض الشّعْر يروي لشاعرين وَبَعضه منحول لَا يعرف قَائِله لِأَنَّهُ قدم الْعَهْد بِهِ وَفِي كِتَابه شَيْء مِمَّا يرْوى لشاعرين فاعتمد على شُيُوخه وَنسب الإنشاد إِلَيْهِم فَيَقُول أنشدنا يَعْنِي الْخَلِيل وَيَقُول أنشدنا يُونُس وَكَذَلِكَ يفعل فِيمَا يحكيه عَن أبي الْخطاب وَغَيره مِمَّن أَخذ عَنهُ وَرُبمَا قَالَ أَنْشدني أَعْرَابِي فصيح وَزعم بعض الَّذين ينظرُونَ فِي الشّعْر أَن فِي كِتَابه أبياتا لَا تعرف فَيُقَال لَهُ لسنا ننكر أَن تكون أَنْت لَا تعرفها وَلَا أهل زَمَانك وَقد خرج كتاب سِيبَوَيْهٍ إِلَى النَّاس وَالْعُلَمَاء كثير والعناية بِالْعلمِ وتهذيبه أكيده وَنظر فِيهِ وفتش فَمَا طعن أحد من الْمُتَقَدِّمين عَلَيْهِ وَلَا أدعى أَنه أَتَى بِشعر مُنكر وَقد روى فِي كِتَابه قِطْعَة من اللُّغَة غَرِيبَة لم يدْرك أهل اللُّغَة معرفَة جَمِيع مَا فِيهَا وَلَا ردوا حرفا مِنْهَا

قَالَ أَبُو إِسْحَاق إِذا تَأَمَّلت الْأَمْثِلَة من كتاب سِيبَوَيْهٍ تبينت أَنه أعلم النَّاس باللغة قَالَ أَبُو جَعْفَر النّحاس وَحدثنَا عَليّ بن سُلَيْمَان قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن يزِيد أَن المفتشين من أهل الْعَرَبيَّة وَمن لَهُ الْمعرفَة باللغة تتبعوا على سِيبَوَيْهٍ الْأَمْثِلَة فَلم يجدوه ترك من كَلَام الْعَرَب إِلَّا ثَلَاثَة أَمْثِلَة مِنْهَا الهندلع وَهِي بقلة والدرداقس وَهُوَ عظم فِي الْقَفَا وشنمصير وَهُوَ اسْم أَرض وَقد فسر ﴿الْأَصْمَعِي حروفا من اللُّغَة الَّتِي فِي كِتَابه وَفسّر الْجرْمِي الْأَبْنِيَة وفسرها أَبُو حَاتِم وَأحمد بن يحيى وكل وَاحِد مِنْهُم يَقُول مَا عِنْده فِيمَا يُعلمهُ وَيقف عَمَّا لَا علم لَهُ بِهِ وَلَا يطعن على مَا لَا يعرفهُ ويعترف لسيبويه فِي اللُّغَة بالثقة وَأَنه علم مَا لم يعلمُوا وروى مَا لم يرووا قَالَ أَبُو جَعْفَر لم يزل أهل الْعَرَبيَّة يفضلون كتاب سِيبَوَيْهٍ حَتَّى لقد قَالَ مُحَمَّد بن يزِيد لم يعْمل كتاب فِي علم من الْعُلُوم مثل كتاب سِيبَوَيْهٍ وَذَلِكَ أَن الْكتب المصنفة فِي الْعُلُوم مضطرة إِلَى غَيرهَا وَكتاب سِيبَوَيْهٍ لَا يحْتَاج من فهمه إِلَى غَيره وَقَالَ أَبُو جَعْفَر سَمِعت أَبَا بكر بن شقير يَقُول حَدثنِي أَبُو جَعْفَر الطَّبَرِيّ قَالَ سَمِعت الْجرْمِي يَقُول هَذَا وَأَوْمَأَ بيدَيْهِ إِلَى أذنية وَذَلِكَ أَن أَبَا عمر الْجرْمِي كَانَ صَاحب حَدِيث فَلَمَّا علم كتاب سِيبَوَيْهٍ تفقه فِي الحَدِيث إِذْ كَانَ كتاب سِيبَوَيْهٍ يتَعَلَّم مِنْهُ النّظر والتفتيش قَالَ أَبُو جَعْفَر وَقد حكى بعض النَّحْوِيين أَن الْكسَائي قَرَأَ على الْأَخْفَش كتاب سِيبَوَيْهٍ وَدفع إِلَيْهِ مِائَتي دِينَار وَحكى أَحْمد بن جَعْفَر أَن كتاب سِيبَوَيْهٍ وجد بعضه تَحت وسَادَة الْفراء الَّتِي كَانَ يجلس عَلَيْهَا وَكَانَ الْمبرد يَقُول إِذا أَرَادَ مُرِيد أَن يقْرَأ عَلَيْهِ كتاب سِيبَوَيْهٍ هَل ركبت الْبَحْر تَعْظِيمًا لما فِيهِ واستصعابا لألفاظه ومعانيه وَقَالَ الْمَازِني من أَرَادَ أَن يعْمل كتابا كَبِيرا فِي النَّحْو بعد كتاب سِيبَوَيْهٍ فليستحي مِمَّا أقدم عَلَيْهِ وَقَالَ أَيْضا مَا أَخْلو فِي كل زمن من أعجوبة فِي كتاب

سِيبَوَيْهٍ وَلِهَذَا سَمَّاهُ النَّاس قُرْآن النَّحْو وَقَالَ ابْن كيسَان نَظرنَا فِي كتاب سِيبَوَيْهٍ فوجدناه فِي الْموضع الَّذِي يسْتَحقّهُ وَوجدنَا أَلْفَاظه تحْتَاج إِلَى عبارَة وإيضاح لِأَنَّهُ كتاب ألف فِي زمَان كَانَ أَهله يألفون مثل هَذِه الْأَلْفَاظ فاختصر على مذاهبهم قَالَ أَبُو جَعْفَر وَرَأَيْت عَليّ بن سُلَيْمَان يذهب إِلَى غير مَا قَالَ ابْن كيسَان قَالَ عمل سِيبَوَيْهٍ كِتَابه على لُغَة الْعَرَب وخطبها وبلاغتها فَجعل فِيهِ بَينا مشروحا وَجعل فِيهِ مشتبها ليَكُون لمن استنبط وَنظر فضل وعَلى هَذَا خاطبهم الله ﷿ بِالْقُرْآنِ قَالَ أَبُو جَعْفَر وَهَذَا الَّذِي قَالَه عَليّ بن سُلَيْمَان حسن لِأَن بِهَذَا يشرف قدر الْعَالم وتفضل مَنْزِلَته إِذْ كَانَ ينَال الْعلم بالفكرة واستنباط الْمعرفَة وَلَو كَانَ كُله بَينا لاستوى فِي علمه جَمِيع من سَمعه فَيبْطل التَّفَاضُل وَلَكِن يسْتَخْرج مِنْهُ الشَّيْء بالتدبر وَلذَلِك لَا يمل لِأَنَّهُ يزْدَاد فِي تدبره علما وفهما وَقَالَ مُحَمَّد بن يزِيد الْمبرد قَالَ يُونُس وَقد ذكر عِنْده سِيبَوَيْهٍ أَظن هَذَا الْغُلَام يكذب على الْخَلِيل فَقيل لَهُ قد روى عَنْك أَشْيَاء فَانْظُر فِيهَا فَنظر وَقَالَ صدق فِي جَمِيع مَا قَالَ هُوَ قولي وَمَات سِيبَوَيْهٍ قبل جمَاعَة قد كَانَ أَخذ عَنْهُم كيونس وَغَيره وَقد كَانَ يُونُس مَاتَ فِي سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَذكر أَبُو زيد النَّحْوِيّ اللّغَوِيّ كالمفتخر بذلك بعد موت سِيبَوَيْهٍ قَالَ كل مَا قَالَ سِيبَوَيْهٍ وَأَخْبرنِي الثِّقَة فَأَنا أخْبرته بِهِ وَمَات أَبُو زيد بعد موت سِيبَوَيْهٍ بنيف وَثَلَاثِينَ سنة

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»