من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الرَّابِع وَالسَّبْعُون
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الرَّابِع وَالسَّبْعُونَ قَول أبي تَمام
لعاب الأفاعي القاتلات لعابهوأري الجنى اشتارته أيد عواسل
لما تقدم فِي الْبَيْت قبله أَي لعابه مثل لعاب الأفاعي وَهَذَا الْبَيْت أحد أَبْيَات عشرَة فِي وصف الْقَلَم من قصيدة لأبي تَمام مدح بهَا مُحَمَّد بن عبد الْملك الزيات وأبيات الْقَلَم هِيَ هَذِه وَهِي أحسن وأفخم من جَمِيع مَا قيل فِي الْقَلَم
لَك الْقَلَم الْأَعْلَى الَّذِي بشباتهينَال من الْأَمر الكلى والمفاصل
لَهُ الخلوات اللاء لَوْلَا نجيهالما أحتفلت للْملك تِلْكَ المحافل
لعاب الأفاعي القاتلات لعابه الْبَيْت
لَهُ ريقة طل وَلَكِن وقعهابآثاره فِي الشرق والغرب وابل
فصيح إِذا استنطقته وَهُوَ رَاكبوأعجم إِن ناطقته وَهُوَ راجل
إِذا مَا امتطى الْخمس اللطاف وأفرغتعَلَيْهِ شعاب الْفِكر وَهِي حوافل
أَطَاعَته أَطْرَاف الرماح وقوضتلنجواه تقويض الْخيام الجحافل
إِذا استغزر الذِّهْن الخلي وَأَقْبَلتأعاليه فِي القرطاس وَهِي أسافل
وَقد رفدته الخنصران وسددتثَلَاث نواحيه الثَّلَاث الأنامل
رَأَيْت جَلِيلًا شَأْنه وَهُوَ مرهفضنى وسمينا خطبه وَهُوَ ناحل
الشبا بِفَتْح الشين وَالْقصر حد كل شَيْء وَقَوله ينَال من الْأَمر روى أَيْضا يصاب من الْأَمر والكلى جمع كُلية وكلوه جَاءَ بِالْيَاءِ وَالْوَاو والمفاصل جمع مفصل وَهُوَ ملتقى كل عظمين أَرَادَ أَن الْقَلَم يطبق الْمفصل ويصادف المحز وَبِه ينَال مَقَاصِد الْأُمُور فَإِنَّهُ ينَال بالأقلام مَا يعجز عَنهُ مجالدة الحسام وَقَوله لَهُ الخلوات إِلَخ يَعْنِي أَن أَصْحَاب الْقَلَم هم أهل المشورة وَمَوْضِع السِّرّ يخلي لَهُم الْمُلُوك الْمجَالِس للمشورة وبهم يحصل نظام الْملك والنجي المسار والتناجي المسارة وَأَرَادَ بِهِ المشير فَإِن المشورة تكون سرا غَالِبا والاحتفال حسن الْقيام بالأمور والمحافل جمع محفل كمجلس ومقعد وَهُوَ الْمُجْتَمع واللعاب مَا يسيل من الْفَم والقاتلات صفة كاشفة للأفاعي ذكرهَا تهويلا والأري بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الرَّاء مَا لزق من الْعَسَل فِي جَوف الخلية والجنى بِفَتْح الْجِيم وَالْقصر الْعَسَل وَالْإِضَافَة للتخصيص فَإِن الأري يَأْتِي أَيْضا بِمَعْنى مَا لزق بِأَسْفَل الْقدر من الطبيخ وَإِن جعلت الأري بِمَعْنى الْعَسَل والجني بِمَعْنى كل مَا يجنى من ثَمَرَة وَنَحْوهَا يلْزم إِضَافَة الْمَوْصُوف إِلَى الصّفة واشتارته استخرجته يُقَال شار فلَان الْعَسَل شورا وشيارا وشيارة إِذا استخرجه وَكَذَلِكَ أشارة واشتاره وأيد جمع يَد والعواسل جمع عاسلة أَي مستخرجة الْعَسَل والعاسل مشتار الْعَسَل من مَوْضِعه والمصراع الأول بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَعْدَاء وَالثَّانِي بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَوْلِيَاء يَعْنِي أَن لعاب قلمه بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَعْدَاء سم
قَاتل وبالنسبة إِلَى الْأَوْلِيَاء شِفَاء عَاجل فَقَوله لعابه مُبْتَدأ مُؤخر ولعاب الأفاعي خبر مقدم وَأرى مَعْطُوف على الْخَبَر وَجَاز هَذَا مَعَ تعرف الطَّرفَيْنِ لِأَن الْمَعْنى دَال عَلَيْهِ فَإِن اللعاب الْقَاتِل إِنَّمَا هُوَ لعاب الأفاعي فلعاب الْقَلَم مشبه بِهِ فِي التَّأْثِير وَعلم من هَذَا أَنه لَيْسَ من التَّشْبِيه المقلوب فَإِن لعاب الْقَلَم قد شبه بشيئين وهما السم وَالْعَسَل باعتبارين وَإِن جعلته من التَّشْبِيه المقلوب كَانَ من عطف الْجمل وَالْخَبَر فِي الْمَعْطُوف مَحْذُوف وَفِيه تكلّف وَقَوله لَهُ ريقة طل ريقة مُبْتَدأ وطل وَصفه والظرف قبله خَبره والطل الْمَطَر الضَّعِيف والوابل وَكَذَا الوبل الْمَطَر الشَّديد الضخم الْقطر إِن مَا يجْرِي من الْقَلَم حقير تافه فِي ظَاهر الْأَمر وَلَكِن لَهُ أثر خير عَم الْمَشَارِق والمغارب وَأَرَادَ ب الْخمس اللطاف الْأَصَابِع الْخمس والشعاب جمع شعب بكسرهما الطَّرِيق فِي الْجَبَل والحوافل جمع حافلة يُقَال حفل اللَّبن وَغَيره حفلا وحفولا اجْتمع واحتفل الْوَادي امْتَلَأَ وسال وَقَوله أَطَاعَته أَطْرَاف إِلَخ هُوَ جَوَاب إِذا وروى أَطَاعَته أَطْرَاف القنا وتقوضت يُقَال تقوضت الصُّفُوف إِذا انتقضت وَأَصله من تقويض الْبناء وَهُوَ نقضه من غير هدم والنجوى السِّرّ وتقويض أَي كتقويض الْخيام والجحافل فَاعل قوضت وَهُوَ جمع جحفل بِتَقْدِيم الْجِيم على الْمُهْملَة كجعفر الْجَيْش واستغزر الذِّهْن وجده غزيرا وفاعله ضمير الْقَلَم والخلي الْخَالِي وروى بدله الذكي أَي المتوقد وَإِنَّمَا تكون أعالي الْقَلَم أسافل حِين الْكِتَابَة ورفدته أعانته وَرَأَيْت جَوَاب إِذا وشأنه فَاعل جَلِيلًا وَجُمْلَة وَهُوَ مرهف حَال وَهُوَ اسْم مفعول من أرهفت السَّيْف وَنَحْوه إِذا رققت شفرتيه وَيُقَال أَيْضا رهفته رهفا فَهُوَ رهيف ومرهوف وضنى تَمْيِيز وَهُوَ مصدر ضني من بَاب تَعب إِذا مرض مَرضا ملازما وسمينا مَعْطُوف على جَلِيلًا وناحل من نحل الْجِسْم ينْحل بفتحهما نحولا سقم وَمن بَاب تَعب لُغَة وَأَبُو تَمام الطَّائِي مَضَت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالْخمسين وَلم يُورد الشَّارِح الْمُحَقق بَيته هُنَا شَاهدا وَإِنَّمَا أوردهُ نظيرا لما قبله وَأما ابْن الزيات الَّذِي مدحه أَبُو تَمام بِهَذِهِ القصيدة فَهُوَ أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن عبد الْملك بن أبان الْمَعْرُوف بِابْن الزيات كَانَ جده أبان من قَرْيَة يُقَال لَهَا الدسكرة يجلب الزَّيْت وَكَانَ مُحَمَّد من أهل الْأَدَب فَاضلا عَالما بالنحو واللغة وَلما قدم الْمَازِني بَغْدَاد فِي أَيَّام المعتصم كَانَ أَصْحَابه وجلساؤه يحْضرُون بَين يَدَيْهِ فِي علم النَّحْو فَإِذا اخْتلفُوا فِيمَا يَقع فِيهِ الشَّك يَقُول لَهُم الْمَازِني ابْعَثُوا إِلَى هَذَا الْفَتى الْكَاتِب يَعْنِي مُحَمَّد بن عبد الْملك فَاسْأَلُوهُ واعرفوا جَوَابه وَكَانَ يصوب جَوَابه فعلا شَأْنه بذلك وَكَانَ فِي أول أمره من جملَة الْكتاب وَكَانَ أَحْمد بن عمار الْبَصْرِيّ وَزِير المعتصم فورد على المعتصم كتاب من بعض الْأَعْمَال فقرأه الْوَزير عَلَيْهِ فَإِذا فِي الْكتاب ذكر الْكلأ فَقَالَ لَهُ المعتصم مَا الْكلأ فَقَالَ لَا أعلم فَقَالَ المعتصم خَليفَة أُمِّي ووزير عَامي ثمَّ قَالَ أبصروا من بِالْبَابِ من الْكتاب فوجدوا مُحَمَّد بن عبد الْملك فَقَالَ لَهُ مَا الْكلأ فَقَالَ هُوَ العشب على الْإِطْلَاق فَإِن كَانَ رطبا فَهُوَ الخلا وَإِذا يبس فَهُوَ الْحَشِيش وَشرع فِي تَقْسِيم أَنْوَاع النَّبَات فَعلم المعتصم فَضله فاستوزره وَحكمه وَبسط يَده ومدحه أَبُو تَمام بقصائد ومدحه البحتري بقصيدته الدالية وَأحسن فِي وصف خطه وبلاغته وَكَانَ ابْن الزيات هجا القَاضِي ابْن أبي دؤاد الْإِيَادِي بتسعين بَيْتا فَعمل القَاضِي فِيهِ بَيْتَيْنِ وَقَالَ
أحسن من تسعين بَيْتا سدىجمعك معناهن فِي بَيت
مَا أحْوج الْملك إِلَى مطرةتغسل عَنهُ وضر الزَّيْت
وَقيل هما لعَلي بن الجهم وَبعد المعتصم وزر لِابْنِهِ الواثق هَارُون فَقَالَ ابْن الزيات
قد قلت إِذا غيبوه وَانْصَرفُوامن خير قبر لخير مدفون
لن يجْبر الله أمه فقدتمثلك إِلَّا بِمثل هَارُون
وَبعد الواثق وزر للمتوكل وَكَانَ ابْن الزيات يدْخل عَلَيْهِ المتَوَكل أَيَّام المعتصم والواثق فَكَانَ يتجهمه ويحتقره ويستهزئ بِهِ فحقد عَلَيْهِ المتَوَكل وَبعد أَرْبَعِينَ يَوْمًا من ولَايَته قبض عَلَيْهِ واستصفى أَمْوَاله وَكَانَ ابْن الزيات قد اتخذ تنورا من حَدِيد وأطراف مَسَامِيرهُ المحدودة إِلَى دَاخله وَهِي قَائِمَة مثل رُؤُوس المسال وَكَانَ يعذب فِيهِ أَيَّام وزارته فكيفما انْقَلب المعذب أَو تحرّك من حرارة الْعقُوبَة تدخل المسامير فِي جِسْمه وَإِذا قَالَ لَهُ أحد أرحمني أَيهَا الْوَزير فَيَقُول لَهُ الرَّحْمَة خور فِي الطبيعة فَلَمَّا اعتقله المتَوَكل أَمر بإدخاله فِي التَّنور وقيدة بِخَمْسَة عشر رطلا من الْحَدِيد فَقَالَ لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ارْحَمْنِي فَقَالَ لَهُ الرَّحْمَة خور فِي الطبيعة كَمَا كَانَ يَقُول للنَّاس وَكَانَ ذَلِك فِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَكَانَت مُدَّة تعذيبه فِي التَّنور أَرْبَعِينَ يَوْمًا إِلَى أَن مَاتَ فِيهِ وَوجد مَكْتُوبًا بالفحم فِي جَانب التَّنور
من لَهُ عهد بنوميرشد الصب إِلَيْهِ
رحم الله رحِيمادلّ عَيْني عَلَيْهِ
سهرت عَيْني ونامتعين من هنت عَلَيْهِ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع