من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الثَّانِي عشر بعد الْمِائَة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
الشَّاهِد الثَّانِي عشر بعد الْمِائَة وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:
أعبداً حل فِي شعبى غَرِيباألؤماً لَا أَبَا لَك واغترابا
على أَن جملَة حل صفة للمنادى قبل النداء وَهُوَ من قبيل الشبيه بالمضاف وَعند سِيبَوَيْهٍ مَا تقدم ذكره قبل هَذَا.
قَالَ ابْن خلف تبعا للنحاس: وَقَوله أعبداً أجَاز س أَن يكون منادى منكوراً وَأَن يكون مَنْصُوبًا على الْحَال كَأَنَّهُ قَالَ: أتفخر فِي حَال عبودية وَلَا يَلِيق الْفَخر بالعبودية.
وعَلى هَذَا فالهمزة للاستفهام وعبداً وَجُمْلَة حل وغريباً أَحْوَال من ضمير
تَفْخَر وعَلى الأول فجملة حل صفة للمنادى وغريباً حَال من ضمير حل وَقيل صفة أُخْرَى للمنادى.
وَقد نقل ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات الْجمل الْوَجْهَيْنِ: النداء والاستفهام عَن سِيبَوَيْهٍ.
وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ هَذَا الْبَيْت على أَن لؤماً واغتراباً منصوبان بِفعل مَحْذُوف على طَرِيق الانكار التوبيخي كَأَنَّهُ قَالَ: أتلؤم لؤماً وتغترب اغتراباً وَيجوز أَن يكون التَّقْدِير: أتجمع لؤماً واغتراباً فتنصبهما بِفعل وَاحِد مُضْمر. وَهَذَا أحسن لِأَن الْمُنكر إِنَّمَا هُوَ جمع اللؤم والغربة واللؤم بِالْهَمْز: ضد الْكَرم وَهُوَ فعل الْأُمُور الخسيسة الدنيئة وَفعله من بَاب كرم.
وَقَوله: لَا أَبَا لَك جملَة مُعْتَرضَة وَهَذَا يكون للمدح: بِأَن يُرَاد نفي نَظِير الممدوح بِنَفْي أَبِيه وَيكون للذم: بِأَن يُرَاد أَنه مَجْهُول النّسَب وَهَذَا هُوَ المُرَاد هُنَا. وَقَالَ السُّيُوطِيّ فِي شرح شَوَاهِد الْمُغنِي: هِيَ كلمة تسْتَعْمل عِنْد الغلطة فِي الْخطاب وَأَصله أَن ينْسب الْمُخَاطب إِلَى غير أَب مَعْلُوم شتماً لَهُ واحتقاراً ثمَّ كثر فِي الِاسْتِعْمَال حَتَّى صَار يُقَال فِي كل خطاب يغلط فِيهِ على الْمُخَاطب. وَحكى أَبُو الْحسن ابْن الْأَخْضَر: كَانَ الْعَرَب تستحسن لَا أَبَا لَك وتستقبح لَا أم لَك لِأَن الْأُم مشفقة حنينة.
وَقَالَ الْعَيْنِيّ: وَقد يذكر فِي معرض التَّعَجُّب دفعا للعين كَقَوْلِهِم: لله دَرك وَقد يسْتَعْمل بِمَعْنى جد فِي أَمرك وشمر لِأَن من لَهُ أَب يتكل عَلَيْهِ فِي بعض شَأْنه.
قَالَ اللَّخْمِيّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل: اللَّام فِي لَك مقحمة وَالْكَاف فِي مَحل
خفض بهَا لِأَنَّهُ لَو كَانَ الْخَفْض بِالْإِضَافَة أدّى إِلَى تَعْلِيق حرف الْجَرّ فالجر بِاللَّامِ وَإِن كَانَت مقحمة كالجر بِالْبَاء وَهِي زَائِدَة وَإِنَّمَا أقحمت مُرَاعَاة لعمل لَا لِأَنَّهَا لَا تعْمل إِلَّا فِي النكرات وَثبتت الْألف مُرَاعَاة)
للإضافة فَاجْتمع فِي هَذِه الْمَسْأَلَة شَيْئَانِ متضادان: اتِّصَال وانفصال: فثبات الْألف دَلِيل على الِاتِّصَال من جِهَة الْإِضَافَة فِي الْمَعْنى وثبات اللَّام دَلِيل على الِانْفِصَال فِي اللَّفْظ مُرَاعَاة لعمل لَا.
فَهَذِهِ مَسْأَلَة قد روعيت لفظا وَمعنى. وَخبر لَا التبرئة مَحْذُوف أَي: لَا أَبَا لَك بالحضرة وشعبى بِضَم الشين وَالْقصر وَالْألف للتأنيث. قَالَ السكرِي فِي أشعار تغلب: هِيَ جبال منيعة متدانية بَين أيسر الشمَال وَبَين مغيب الشَّمْس من ضرية على قريب من ثَمَانِيَة أَمْيَال. وَقيل جبل أسود وَله شعاب فِيهَا أوشال تحبس المَاء من سنة إِلَى سنة. وَفِي مُعْجم مَا استعجم للبكري: قَالَ يَعْقُوب: شعبى جبيلات متشعبة وَلذَلِك قيل شعبى وَقَالَ عمَارَة: هِيَ هضبة بحمى ضرية. وَمن أَصْحَاب شعبى الْعَبَّاس بن يزِيد الْكِنْدِيّ وَكَانَ هُنَاكَ نازلاً فِي غير قومه قَالَ جرير يَعْنِي الْعَبَّاس: أعبداً حل فِي شعبى غَرِيبا.... الْبَيْت انْتهى.
وَمثله لِابْنِ السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات الْجمل.
قَالَ أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي فِي فرحة الأديب وَإِنَّمَا عير جرير الْعَبَّاس بن يزِيد بحلوله فِي شعبى لِأَنَّهُ كَانَ حليفاً لبني فَزَارَة وشعبى من بِلَادهمْ وَهُوَ كندي وَالْحلف عِنْدهم عَار.
قَالَ: وَكَانَ السَّبَب فِي قَول جرير هَذَا الشّعْر: أَنه لما هجا الرَّاعِي النميري بقوله من قصيدة: عَارضه الْعَبَّاس بن يزِيد الْكِنْدِيّ وَكَانَ مُقيما بشعبى فَقَالَ:
أَلا أرغمت أنوف بني تَمِيمفساة التَّمْر إِن كَانُوا غضابا
لقد غضِبت عَليّ بَنو تَمِيمفَمَا نكأت بغضبتها ذبابا
لَو اطلع الْغُرَاب على تَمِيموَمَا فِيهَا من السوءات شَابًّا
فَقَالَ جرير يهجوه:
إِذا جهل الشقي وَلم يقدرلبَعض الْأَمر أوشك أَن يصاب
ستطلع من ذرا شعبى قوافٍعلى الْكِنْدِيّ تلتهب التهابا
أعبداً حل فِي شعبى غَرِيبا................. الْبَيْت
فَمَا تخفى هضيبة حِين تمشيوَلَا إطْعَام سخلتها الكلابا
تخرق بالمشاقص حالبيهاوَقد حلت مشيمتها الثيابا
انْتهى. وَمثله فِي الأغاني حِكَايَة عَن جرير مَعَ الْحجَّاج بن يُوسُف الثَّقَفِيّ قَالَ: هجاني الْعَبَّاس بن)
يزِيد الْكِنْدِيّ بقوله: أَلا أرغمت أنوف بني تَمِيم... الأبيات.
فتركته خمس سِنِين لَا أهجوه ثمَّ قدمت الْكُوفَة فَأتيت مجْلِس كِنْدَة فطلبت إِلَيْهِم أَن يكفوه عني فَقَالُوا: مَا نكفه وَإنَّهُ لشاعر وأوعدوني بِهِ فَمَكثت قَلِيلا ثمَّ بعثوا إِلَيّ رَاكِبًا فَأَخْبرُونِي بمثالبه وجواره فِي طَيئ حَيْثُ جاور غفار وأحبل أُخْته هضيبة. فَقلت: إِذا جهل الشقي وَلم يقدر................... الْبَيْت أعبداً حل فِي شعبي غَرِيبا................ الْبَيْت فَمَا تخفى هضيبة حَيْثُ تمشي............ الْبَيْت تخرق بالمشاقص حالبيها................ الْبَيْت
فقد حملت ثَمَانِيَة وأوفتبتاسعها وتحسبها كعابا
انْتهى. أَرَادَ بسخلتها: وَلَدهَا الَّذِي وَلدته لزنية ورمته للكلاب فأكلته. والمشاقص: جمع مشقص وَهُوَ النصل العريض يكون فِي السهْم. والحالبان: عرقان مكتنفان بالسرة. ومشيمتها: مَا يخرج بعد الْوَلَد يَعْنِي أَنَّهَا لما حبلت شقَّتْ حالبيها بمشقص لترمي الْوَلَد. والكعاب بِالْفَتْح وَهِي الكاعب وَهِي الْجَارِيَة الَّتِي نهد ثديها.
وَقَالَ اللَّخْمِيّ: هَذَا الْبَيْت من قصيدة لجرير يهجو بهَا البعيث واسْمه خِدَاش بن بشر الْمُجَاشِعِي. ثمَّ أنْشد هَذِه الأبيات. وَقَالَ: أَرَادَ بِالْعَبدِ البعيث.
وَقَالَ الْعَيْنِيّ: هُوَ من قصيدة لجرير يهجو بهَا خَالِد بن يزِيد الْكِنْدِيّ وأولها:
أخالد كَانَ أهلك لي صديقافقد أَمْسوا بحبكم حرابا
بنفسي من أَزور فَلَا أرَاهُوَيضْرب دونه الخدم الحجابا
أخالد لَو سَأَلت علمت أَنِّي لقِيت بحبك الْعجب العجابا ستطلع من ذرا شعبى قوافٍ................. الْبَيْت أعبداً حل فِي شعبى غَرِيبا.................. الْبَيْت
وَيَوْما فِي فَزَارَة مستجيراًوَيَوْما نَاشِدًا حلفا كلابا
إِذا جهل اللَّئِيم وَلم يقدر............... الْبَيْت وَالظَّاهِر أَن هَذِه الأبيات لَيست منتظمة فِي نسق وَاحِد. وَالله أعلم.)
فَائِدَة قد جَاءَ على فعلى تسع كَلِمَات: إِحْدَاهَا: شعبى وَقد شرحت. وَثَانِيها: أدْمى بِالدَّال وَالْمِيم وَهُوَ مَوضِع وَقيل حِجَارَة حمر فِي أَرض قُشَيْر. ثَالِثهَا: أربى بالراء الْمُهْملَة وَالْمُوَحَّدَة وَهِي الداهية. رَابِعهَا: أرنى بالراء وَالنُّون: حب يَجْعَل فِي اللَّبن فيثخنه. خَامِسهَا: حلكى بِالْحَاء الْمُهْملَة وَاللَّام وَالْكَاف لضرب من العظاء وَقيل دَابَّة تغوص فِي الرمل. سادسها: جنفى بِالْجِيم وَالنُّون وَالْفَاء وَهُوَ اسْم مَوضِع. سابعها: حنفى بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالنُّون وَالْفَاء وَهُوَ اسْم جبل.
ثامنها: جعبى بِالْجِيم وَالْعين الْمُوَحدَة للعظام من النَّمْل. تاسعها: جمدى بِالْجِيم وَالْمِيم وَالدَّال وَهُوَ اسْم مَوضِع.
وترجمة جرير قد تقدّمت فِي أَوَائِل الْكتاب فِي الشَّاهِد الرَّابِع.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع