تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد التَّاسِع عشر بعد الْمِائَتَيْن

فيه ٣ أبيات

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

أنْشد فِيهِ وَهُوَ الشَّاهِد التَّاسِع عشر بعد الْمِائَتَيْنِ

وبلدة لَيْسَ بهَا طوريّوَلَا خلا الْجِنّ بهَا إنسي

على أَن تقدم الْمُسْتَثْنى على الْمَنْسُوب والمنسوب إِلَيْهِ شَاذ. وَالْأَصْل: وَلَا بهَا إنسي خلا الْجِنّ.

قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي الْإِنْصَاف: ذهب الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَنه يجوز تَقْدِيم حرف الِاسْتِثْنَاء فِي أول الْكَلَام نَحْو إِلَّا طَعَامك مَا أكل زيد نَص عَلَيْهِ الْكسَائي وَإِلَيْهِ ذهب الزّجّاج فِي بعض الْمَوَاضِع وَاسْتَدَلُّوا بِهَذَا الْبَيْت وَنَحْوه. وَمنعه البصريون وَأَجَابُوا عَن الْبَيْت بِأَن تَقْدِيره: وبلدة لَيْسَ بهَا طوري وَلَا إنسي مَا خلا الْجِنّ. فَحذف إنسياً وأضمر الْمُسْتَثْنى مِنْهُ وَمَا أظهره تَفْسِير لما أضمره. وَقيل: تَقْدِيره: وَلَا بهَا إنسي خلا الْجِنّ. فِيهَا مقدرَة بعد لَا وَتَقْدِيم الْمُسْتَثْنى فِيهِ للضَّرُورَة فَلَا يكون فِيهِ حجَّة.

وَهَذَانِ البيتان من أرجوزة للعجاج. وَقَوله: وبلدة الْوَاو فِيهِ وَاو ربّ

والبلدة: الأَرْض يُقَال: هَذِه بَلْدَتنَا أَي: أَرْضنَا. وروى أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي شرح نَوَادِر القالي والصاغاني فِي الْعباب: بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالْفَاء وَالْقَاف وَقَالَ: الخفقة: الْمَفَازَة الملساء ذَات آل.

قَالَ أَبُو عبيد: هَذَا صِحَة إنشاده لِأَن قبله: وبلدة نياطها نطيّ أَي: بعيد. وَبعده: للريح فِي أقرابها هويّ والأقراب: الجوانب. وَجُمْلَة: لَيْسَ بهَا طوري صفة بَلْدَة. وطوري بِمَعْنى أحد لَا يكون إِلَّا مَعَ النَّفْي كَمَا هُنَا وَهُوَ فِي الأَصْل مَنْسُوب إِلَى طور الدَّار قَالَ شَارِح النوابغ الزمخشرية: طور الدَّار بِالضَّمِّ هُوَ مَا يَمْتَد مَعهَا من فنائها وحدودها تَقول: أَنا لَا أطور بفلان وَلَا أطور طوره)

أَي: لَا أدور حوله وَلَا أدنو مِنْهُ انْتهى.

وَلَا وَجه لقَوْل أبي عَليّ القالي فِي أَمَالِيهِ: إِن طورياً مَنْسُوب إِلَى الطورة وَهِي فِي بعض اللُّغَات الطّيرة على وزن العنبة وَهُوَ مَا يتشاءم بِهِ من الفأل الرَّدِيء. وَقد رَوَاهُ أَبُو زيد فِي نوادره بِهَذَا اللَّفْظ. وَكَذَلِكَ صَاحب الصِّحَاح والْعباب وَغَيرهم. وَرَوَاهُ أَبُو عَليّ القالي فِي أَمَالِيهِ طوئي على وزن طوعي قَالَ: أَنْشدني أَبُو بكر بن الْأَنْبَارِي وَأَبُو بكر بن دُرَيْد للعجّاج: وبلدة لَيْسَ بهَا طوئيّ وَهُوَ بِمَعْنى طوري. وَزَاد فِيهَا لغتين أَيْضا قَالَ: يُقَال: مَا بهَا طؤويّ على مِثَال طعويّ وَمَا بهَا طاويّ غير مَهْمُوز. وَأورد فِيهَا كَلِمَات كَثِيرَة فِي هَذَا الْمَعْنى

تلازم النَّفْي كَقَوْلِهِم: مَا فِي الدَّار أحد وَمَا بهَا عريب وَمَا بهَا ديّار. وَكَأَنَّهُ وَالله أعلم استقصى فِيهَا جَمِيع هَذِه الْأَلْفَاظ.

وَقَوله: وَلَا الخ الْوَاو عطفت جملَة بهَا إنسي على جملَة بهَا طوري المنفية بليس ولَا لتأكيد النَّفْي إِلَّا أَنه فصل بَين العاطف والمعطوف بجملة خلا الْجِنّ لضَرُورَة الشّعْر. قَالَ ابْن السرّاج فِي الْأُصُول: وَحكى عَن الْأَحْمَر أَنه كَانَ يُجِيز: مَا قَامَ صَغِير وَلَا خلا أَخَاك كَبِير. وَإِنَّمَا قاسه على قَوْله:...

وبلدة لَيْسَ بهَا طوريوَلَا خلا الْجِنّ وَلَا إنسي

وَلَيْسَ كَمَا ظن أَدَاة اسْتثِْنَاء وَمثلهَا عدا يكونَانِ فعلين وَينصب مَا بعدهمَا على الْمَفْعُول بِهِ لِأَن مَعْنَاهُمَا عِنْد سِيبَوَيْهٍ جَاوز وفاعلهما ضمير مصدر الْفِعْل الْمُتَقَدّم على قَول وَمِنْه فِي خلا مَا أنْشدهُ ابْن خروف وَغَيره: وَلَا خلا الْجِنّ بِالنّصب. ويكونان حرفين وينجرّ مَا بعدهمَا على أَنَّهُمَا حرفا جر وَمِنْه فِي خلا قَول الْأَعْشَى:

خلا الله مَا أَرْجُو سواك وَإِنَّمَاأعدّ عيالي شُعْبَة من عيالكما

وَهَذَا كُله مَا لم تتصل بهما مَا المصدرية. فَإِن اتَّصَلت بهما فَإِن الْمُخْتَار النصب والجر قَلِيل وَتَكون مَا مَعَ مَا بعْدهَا فِي تَأْوِيل مصدر مَنْصُوب نصب غير وَسوى عِنْد ابْن خروف ومصدر فِي مَوضِع الْحَال عِنْد السيرافي.

وإنسي: وَاحِد الْإِنْس بِالْكَسْرِ وَهُوَ الْبشر يفرق بَينه وَبَين وَاحِد بياء النِّسْبَة كروم وروميّ.

فَقَوله: خلا الْجِنّ اسْتثِْنَاء مُنْقَطع لِأَنَّهُ من غير جنس الْمُسْتَثْنى مِنْهُ.

وترجمة العجّاج تقدّمت فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالْعِشْرين.)

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»