من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَتَيْن
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ وَهُوَ من شَوَاهِد س:
وَلَا عيب فيهم غير أَن سيوفهمبِهن فلول من قراع الْكَتَائِب
على انه عِنْد سِيبَوَيْهٍ اسْتثِْنَاء مُنْقَطع جعل كالمتصل لصِحَّة دُخُول الْبَدَل فِي الْمُبدل مِنْهُ. وَبَينه الشَّارِح الْمُحَقق أحسن بَيَان.
وَقَوله: أَن سيوفهم الخ مؤول بمصدر مجرور أَي: غير كَون سيوفهم بهَا فلول الخ. والفلول: جمع فلّ بِفَتْح الْفَاء وَهُوَ كسر فِي حدّ السَّيْف وَسيف أفلّ بَين الفلل يُقَال: فلّه فانفلّ أَي: كَسره فانكسر وفللت الْجَيْش أَي هزمتهم. والقراع: الْمُضَاربَة مصدر قارعه يُقَال قرعته بالمقرعة: إِذا ضَربته بهَا وقرعت الْبَاب: إِذا طرقته. والكتائب: جمع كَتِيبَة وَهِي الطَّائِفَة المجتمعة من الْجَيْش.
وَهَذَا الْبَيْت مَشْهُور قد تداوله الْعلمَاء فِي تصانيفهم وَقد أوردهُ عُلَمَاء البديع
شَاهدا لتأكيد الْمَدْح بِمَا يشبه الذمّ فَإِنَّهُ نفى الْعَيْب عَن هَؤُلَاءِ الْقَوْم على جِهَة الِاسْتِغْرَاق ثمَّ أثبت لَهُم عَيْبا وَهُوَ تثلم سيوفهم من مُضَارَبَة الجيوش. وَهَذَا لَيْسَ بِعَيْب بل هُوَ غَايَة الْمَدْح فقد أكد الْمَدْح بِمَا يشبه الذَّم. وَأوردهُ صَاحب الْكَشَّاف أَيْضا عِنْد قَوْله تَعَالَى: لِئَلَّا يكون للنَّاس عَلَيْكُم حجَّة على أَن الْآيَة أشبه بتأكيد الذَّم بِمَا يشبه الْمَدْح: عكس الْبَيْت فَإِن إِطْلَاق الْحجَّة على قَول الَّذين ظلمُوا ذمّ فِي صُورَة مدح لَا أَنه مدح فِي صُورَة ذمّ.
وَأوردهُ سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب مَا لايكون إِلَّا على معنى وَلَكِن. قَالَ النّحاس: فرق سِيبَوَيْهٍ بَين هَذَا الْبَاب وَبَين الْبَاب الَّذِي قبله لِأَن الَّذِي قبله يجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب وَالنّصب أَجود وَهَذَا الْبَاب لَا يجوز فِيهِ عِنْده غلا النصب لنه لَيْسَ من الأول فِي شَيْء. وَأَجَازَ الْمبرد فِي جَمِيع مَا فِي هَذَا الْبَاب الرّفْع وَكَذَا فِي: لَا عيب فيهم غير أَن سيوفهم انْتهى.
وعَلى قَول الْمبرد فَتكون غير بَدَلا من الضَّمِير المستقر فِي الظّرْف.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة للنابغة الذبياني مدح بهَا عَمْرو بن الْحَارِث الْأَصْغَر بن الْحَارِث الْأَعْرَج بن الْحَارِث الْأَكْبَر مُلُوك الشَّام الغسانيين وَذَلِكَ لما هرب من النُّعْمَان بن الْمُنْذر اللَّخْمِيّ من)
مُلُوك الْحيرَة. وَلَيْسَ الممدوح بهَا النُّعْمَان بن الْحَارِث كَمَا وهم شَارِح شَوَاهِد الْمُغنِي لتصريح الممدوح بهَا فِي القصيدة كَمَا سَيَأْتِي. ومطلع القصيدة:
كليني لهمّ يَا أُمَيْمَة ناصبوليل أقاسيه بطيء الْكَوَاكِب
وَتقدم شرح هَذَا الْبَيْت وَسبب هروبه فِي الشَّاهِد السَّابِع وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة
مفصلا. وَقَالَ بعد ثَلَاثَة أَبْيَات شرحت هُنَاكَ:
لَئِن كَانَ للقبرين قبر بجلّقوقبر بصيداء الَّتِي عِنْد حَارب
وللحارث الجفنيّ سيد قومهليلتمسن بِالْجمعِ أَرض الْمُحَارب
الْبَيْت الأول من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ أوردهُ بِنصب مَا بعد إِلَّا على الِاسْتِثْنَاء الْمُنْقَطع لِأَن حسن الظَّن لَيْسَ من الْعلم. وَرَفعه جَائِز على الْبَدَل من مَوضِع الْعلم وَإِقَامَة الظَّن مقَام الْعلم اتساعاً ومجازاً. وَقَوله: غير ذِي مثنوية هُوَ مصدر بِمَعْنى الِاسْتِثْنَاء فِي الْيَمين أَي: حَلَفت غير مستثن فِي يَمِيني ثِقَة بِفعل هَذَا الممدوح وَحسن ظن بِهِ.
وروى أَبُو عُبَيْدَة: وَمَا ذَاك إِلَّا حسن ظن بِصَاحِب وَعَلِيهِ فَلَا شَاهد فِيهِ وَالْإِشَارَة للْيَمِين.. وَجُمْلَة المصراع الثَّانِي على الرِّوَايَتَيْنِ مُعْتَرضَة بَين الْقسم وَجَوَابه. وَقَوله: لَئِن كَانَ للقبرين الخ اللَّام الدَّاخِلَة على إِن موطئة للقسم أَي: وطأت أَن الْجَواب الَّذِي بعد الشَّرْط للقسم فجملة قَوْله الْآتِي: ليلتمسن بِالْجمعِ الخ جَوَاب الْقسم. وَجَوَاب الشَّرْط مَحْذُوف دلّ عَلَيْهِ جَوَاب الْقسم وَاسم كَانَ ضمير عَمْرو الممدوح الْمُتَقَدّم فِي قَوْله:
عَليّ لعَمْرو نعْمَة بعد نعْمَةلوالده لَيست بِذَات عقارب
وَأَرَادَ بالقبرين المقبورين: الْحَارِث الْأَعْرَج ابْن الْحَارِث الْأَكْبَر وَهُوَ الجفني الْآتِي ذكره. يَقُول: لَئِن كَانَ عَمْرو ابْن هذَيْن الرجلَيْن المقبورين فِي هذَيْن المكانين ليمضينّ أمره وليلتمسن أَرض من حاربه. وجلّق بِكَسْر الْجِيم وَاللَّام الْمُشَدّدَة هِيَ الشَّام. وصيداء مَدِينَة بِالشَّام بالسَّاحل.
وَحَارب: مَوضِع وَقيل اسْم رجل.
وَقَوله: لِلْحَارِثِ الجفني الخ بِفَتْح الْجِيم وَهُوَ جَفْنَة بن عَمْرو مزيقياء بن عَامر بن مَاء السَّمَاء وهم الْمُلُوك الَّذين كَانُوا بِالشَّام. وَقَوله: ليلتمسن هَذَا جَوَاب الْقسم مُؤَكد بالنُّون الْخَفِيفَة. وَقَوله: بِالْجمعِ أَي: بجموع العساكر والجيوش.)
وَقَالَ بَعْدَمَا ذكر:
لَهُم شِيمَة لم يُعْطهَا الله غَيرهممن النَّاس والأحلام غير عوازب
مجلتهم ذَات الْإِلَه وَدينهمْقويم فَمَا يرجون غير العواقب
والشيمة: الطبيعة. وَقَوله: والأحلام الخ أَي: لَا تعزب عُقُولهمْ عَنْهُم كَمَا تعزب الْمَاشِيَة عَن أَهلهَا أَي: لَا تغيب. وَقَوله: مجلتهم ذَات الْإِلَه الْمجلة بِفَتْح الْمِيم وَالْجِيم: الْكتاب لِأَنَّهُ يجلّ ويعظّم وَأَرَادَ بِهِ الْإِنْجِيل لأَنهم كَانُوا نَصَارَى. قَالَ العسكري فِي كتاب التَّصْحِيف: قرأته على ابْن دُرَيْد: مجلتهم بِالْجِيم وَقَالَ لي: سَمِعت أَبَا حَاتِم يَقُول: رِوَايَة الْأَصْمَعِي بِالْجِيم قَالَ: وَهُوَ كتاب النَّصَارَى.
وَكَذَا كل كتاب جمع حِكْمَة وأمثالاً فَهُوَ عِنْد الْعَرَب مجلة وَمن هَذَا سمى أَبُو عُبَيْدَة كِتَابه الَّذِي جمع فِيهِ أَمْثَال الْعَرَب الْمجلة. وروى أَيْضا: محلتهم بِالْحَاء الْمُهْملَة أَي: مَنْزِلَتهمْ بَيت الْمُقَدّس وَأَرْض الشَّام ومنازل الْأَنْبِيَاء وَهِي الْقُدس. وروى ابْن السّكيت: مخافتهم يُرِيد يخَافُونَ أَمر الله. وَذَات الْإِلَه: كِتَابه. وقويم: مُسْتَقِيم. وَقَوله: فَمَا يرجون الخ قَالَ الْأَصْمَعِي: أَي: مَا يطْلبُونَ إِلَّا عواقب أُمُورهم فَلَيْسَ يرجون شَيْئا من أَمر الدُّنْيَا وَإِنَّمَا يرجون مَا بعد الْمَوْت.
وَبعد الْبَيْت المستشهد بِهِ أَعنِي قَوْله: وَلَا عيب فيهم غير أَن سيوفهم
تخيّرن من أزمان يَوْم حليمةإِلَى الْيَوْم قد جرّبن كل التجارب
وَأوردهُ ابْن هِشَام ف يالمغني على أَن من تَأتي لابتداء الْغَايَة فِي الزَّمَان أَيْضا وَهُوَ مَذْهَب الْكُوفِيّين والأخفش والمبرد وَابْن درسْتوَيْه بِدَلِيل: من أول يَوْم.
وَفِي الحَدِيث: فمطرنا من الْجُمُعَة إِلَى الْجُمُعَة. وَهَذَا الْبَيْت. وَقيل: التَّقْدِير: من مُضِيّ أزمان وَمن تأسيس أول يَوْم. وردّه السُّهيْلي بِأَنَّهُ لَو كَانَ هَكَذَا لاحتيج إِلَى تَقْدِير الزَّمَان وتخيرن وجربن كِلَاهُمَا بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وَالنُّون ضمير السيوف. والتجارب: جمع تجربة. وكل مَنْصُوب على الْمصدر. وَإِلَى مُتَعَلقَة بقوله تخيّرن.
وَيَوْم حليمة قَالَ العسكري ف يالتصحيف: هُوَ يَوْم كَانَ بَين مُلُوك الشَّام من الغسانيين وملوك الْعرَاق قتل فِيهِ الْمُنْذر غما جد النُّعْمَان أَو أَبوهُ وَقيل فِي هَذَا الْيَوْم مَا يَوْم حليمة بسرّ انْتهى.)
وَفِي الدرة الفاخرة لِحَمْزَة الْأَصْبَهَانِيّ وَهِي الْأَمْثَال الَّتِي جَاءَت على وزن أفعل التَّفْضِيل وَكَذَلِكَ فِي مستقصى الْأَمْثَال للزمخشري وَاللَّفْظ للْأولِ: أعز من حليمة هِيَ بنت الْحَارِث بن أبي شمر الغساني الْأَعْرَج ملك عرب الشَّام وفيهَا
سَار الْمثل فَقيل: مَا يَوْم حليمة بسر أَي: خَفِي.
وَهَذَا الْيَوْم هُوَ الْيَوْم الَّذِي قتل فِيهِ الْمُنْذر بن الْمُنْذر ملك عرب الْعرَاق فَسَار بعربها إِلَى الْحَارِث الْأَعْرَج الغساني وَهُوَ ابْن الْحَارِث الْأَكْبَر وَكَانَ فِي عرب الشَّام وَهُوَ أشهر أَيَّام الْعَرَب. وَإِنَّمَا نسب هَذَا الْيَوْم إِلَى حليمة لِأَنَّهَا حضرت المعركة محضضة لعسكر أَبِيهَا فتزعم الْعَرَب أَن الْغُبَار ارْتَفع فِي يَوْم حليمة حَتَّى سدّ عين الشَّمْس وَظَهَرت الْكَوَاكِب المتباعدة من مطلع الشَّمْس فَسَار الْمثل بِهَذَا الْيَوْم قَالُوا: لأرينك الْكَوَاكِب ظهرا. وَأَخذه طرفَة فَقَالَ:
إِن تنوّله فقد تَمنعهُوتريه النَّجْم يجْرِي بِالظّهْرِ اه
وَفِي شرح ديوَان النَّابِغَة: سَبَب ذَلِك أَن الْملك كَانَ فِي الضجاعم فَأتى رجل مِنْهُم رجلا من غَسَّان يُقَال لَهُ جذع فَسَأَلَهُ الْخراج فَأعْطَاهُ دِينَارا فَقَالَ: هَات آخر وشدد عَلَيْهِ فاستأجله فَلم يفعل فَلَمَّا ضيق عَلَيْهِ دخل جذع منزله فالتحف على سَيْفه ثمَّ خرج فَضرب بِهِ الضجعمي فَقتله.
فَقَالَ الْقَاتِل: خُذ من جذع مَا أَعْطَاك. وَوَثَبْت غَسَّان ورأسوا عَلَيْهِم رجلا ثمَّ أوقعوا بالضجاعم فَغَلَبَتْهُمْ غَسَّان وَأخذت الْملك مِنْهُم.. وَأما حليمة فَهِيَ ابْنة الغساني الَّذِي رئس عَلَيْهِم وَكَانَت من اجمل النِّسَاء فَأَعْطَاهَا طيبا وأمرها أَن تطيّب من مرّ بهَا من جنده فَجعلُوا يَمرونَ بهَا وتطيبهم فَمر بهَا شَاب فَلَمَّا طيبته تنَاولهَا فقبلها فصاحت وَشَكتْ ذَلِك إِلَى أَبِيهَا فال: اسكتي فَمَا فِي الْقَوْم أجلد مِنْهُ حِين فعل هَذَا بك واجترأ عَلَيْك فَإِنَّهُ إِمَّا أَن يبلي بلَاء حسنا فَأَنت امْرَأَته وَإِمَّا أَن يقتل فَذَاك أَشد عَلَيْهِ مِمَّا تريدين بِهِ من الْعقُوبَة فأبلى الْفَتى ثمَّ رَجَعَ فزوّجه ابْنَته حليمة انْتهى.
وَفِي الْقَامُوس: وحليمة بنت الْحَارِث بن أبي شمر وَجه أَبوهَا جَيْشًا إِلَى الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء فأخرجت لَهُم مركناً من طيب وطيبتهم مِنْهُ والمركن
بِكَسْر الْمِيم: الإجانة الَّتِي تغسل فِيهَا الثِّيَاب وَسَببه: أَن غَسَّان كَانَت تُؤدِّي كل سنة إِلَى ملك سليح دينارين من كل رجل وَكَانَ يَلِي ذَلِك سبطة بن الْمُنْذر السليحي فجَاء سبطة يسْأَل الدينارين من جذع بن عَمْرو الغساني فَدخل جذع منزله فَخرج مُشْتَمِلًا بِسَيْفِهِ فَضرب بِهِ سبطة حَتَّى برد وَقَالَ: خُذ من جذع مَا)
أَعْطَاك. يضْرب فِي اغتنام مَا يجود بِهِ الْبَخِيل. وسليح كجريح: قَبيلَة بِالْيمن. وجذع بِكَسْر الْجِيم وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة ثمَّ إِن جَيش الْحَارِث توجه إِلَى الْمُنْذر فَقَالُوا: أَتَيْنَا من عِنْد صاحبنا وَهُوَ يدين لَك ويعطيك حَاجَتك فتباشر هُوَ وَأَصْحَابه وغفلوا بعض الْغَفْلَة فَحمل ذَلِك الْجَيْش على الْمُنْذر فَقَتَلُوهُ. فَقيل فِي ذَلِك الْيَوْم: مَا يَوْم حليمة بسر أَي: بخفي. فَصَارَ يضْرب لكل أَمر مَشْهُور.
وترجمة النَّابِغَة تقدّمت فِي الشَّاهِد الرَّابِع بعد الْمِائَة.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع