من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَتَيْن
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
الشَّاهِد الْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ وَهُوَ من شَوَاهِد س:
وكل أَخ مفارقه أَخُوهُلعمر أَبِيك إِلَّا الفرقدان
على أَن إِلَّا صفة لكل مَعَ صِحَة جعلهَا أَدَاة اسْتثِْنَاء وَنصب الفرقدين على الِاسْتِثْنَاء كَمَا هُوَ الشَّرْط فِي وَصفِيَّة إِلَّا.
قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: وَالْوَصْف هُنَا مُخَصص فَإِن مَا بعد إِلَّا مُطَابق لما قبلهَا لِأَن الْمَعْنى: كل أَخَوَيْنِ غير هذَيْن الكوكبين متفارقان. وَلَيْسَ إِلَّا استثنائية وَإِلَّا لقَالَ: إِلَّا الفرقدين بِالنّصب لِأَنَّهُ بعد كَلَام تَامّ مُوجب كَمَا هُوَ الظَّاهِر مَعَ كَونه لمستغرق وَهُوَ كل أَخ كَمَا نصب الشَّاعِر فِي هَذَا الْبَيْت وَهُوَ من أَبْيَات مَذْكُورَة فِي مُخْتَار أشعار الْقَبَائِل لأبي تَمام صَاحب الحماسة لأسعد الذهلي وَهُوَ:
وكل أَخ مفارقه أَخُوهُلشحط الدَّار إِلَّا ابْني شمام
قَالَ أَبُو عبيد الْقَاسِم فِي أَمْثَاله: ابْني شمام هُنَا: جبلان. وَهُوَ بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَكسر الْمِيم كحذام.
وَفِي المرصع لِابْنِ الْأَثِير: ابْنا شمام جبلان فِي دَار بني تَمِيم مِمَّا يَلِي دَار عَمْرو بن كلاب وَقيل: شمام هُوَ جبل. وابناه: رأساه وَأنْشد الْخَلِيل:
وإنكما على غير اللَّيَالِيلأبقى من فروع ابْني شمام اه
وَقَالَ حَمْزَة الْأَصْبَهَانِيّ فِي أَمْثَاله الَّتِي جَاءَت على أفعل: ابْنا شمام: هضبتان فِي أصل جبل يُقَال لَهُ: شمام.
وَعند ابْن الْحَاجِب فِي الْبَيْت الشَّاهِد شذوذ من ثَلَاثَة أوجه: أَحدهمَا: أَنه اشْترط فِي وُقُوع إِلَّا صفة تعذر الِاسْتِثْنَاء وَهنا يَصح لَو نَصبه.
وَثَانِيهمَا: وصف الْمُضَاف وَالْمَشْهُور وصف الْمُضَاف إِلَيْهِ. وثالثهما: الْفَصْل بَين الصّفة والموصوف بالْخبر وَهُوَ قَلِيل.
قَالَ صَاحب المقتبس: وَفِي الْبَيْت تَخْرِيج يتَرَاءَى لي غير بعيد عَن الصَّوَاب وَهُوَ أَن يَجْعَل قَوْله: مفارقه أَخُوهُ: صفة لكل وصاغ ذَلِك لكَونه نكرَة إِذْ أضافته لفظية ثمَّ يَجْعَل إِلَّا الفرقدان خباً للمبتدأ الْمَوْصُوف وَلَا يخرج جعلهَا خَبرا عَن الوصفية لِأَن الْخَبَر أَيْضا صفة حَقِيقِيَّة.)
فَتكون إِلَّا فِي قَوْله تَعَالَى: إِلَّا الله لفسدتا صفة نحوية. وَفِي الْبَيْت صفة معنوية وَبِهَذَا الْوَجْه يخرج الْكَلَام عَن تخَلّل الْخَبَر بَين الصّفة والموصوف.
وَتَقْدِير الْبَيْت على مَا ذكرت: وكل أَخ مفارق أَخَاهُ مُغَاير للفرقدين أَي: لَيْسَ على صفتهما لِأَنَّهُمَا لَا يفترقان مُنْذُ كَانَا. انْتهى.
ورده السَّيِّد عبد الله فِي شرح اللب بقوله: وَلَا يجوز أَن يَجْعَل مفارقه صفة وَإِلَّا الفرقدان خَبرا حَتَّى يتَخَلَّص من هَذِه الفسادات كَمَا قيل لفساد الْمَعْنى. وَوَجهه أَن المُرَاد الحكم من على كل أَخ بِأَنَّهُ مفارق أَخَاهُ فِي الدُّنْيَا سوى الفرقدين فَإِنَّهُمَا لَا يفترقان إِلَّا عِنْد فنَاء الدُّنْيَا وَلَيْسَ الْمَعْنى على مَا ذكره فَإِنَّهُ يَقْتَضِي مَفْهُومه: أَن كل أَخ لَا يُفَارق أَخَاهُ مثل الفرقدين فِي اجْتِمَاع الشمل. وَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا أَخَوان لَا يفترقان. فَتَأمل.
وَفِي الْبَيْت تخاريج أخر: إِحْدَاهمَا للكوفيين نَقله عَنْهُم ابْن الْأَنْبَارِي فِي مسَائِل الْخلاف: أَن إِلَّا هُنَا بِمَعْنى الْوَاو وَهِي تَأتي بِمَعْنَاهُ كثيرا كَقَوْلِه تَعَالَى: لِئَلَّا يكون للنَّاس عَلَيْكُم حجَّة إِلَّا الَّذين ظلمُوا أَي: وَلَا الَّذين ظلمُوا لَا تكون لَهُم
أَيْضا حجَّة وَقَوله تَعَالَى: لَا يحب الله الْجَهْر بالسوء من القَوْل إِلَّا من ظلم أَي: وَمن ظلم لَا يحب أَيْضا الْجَهْر بالسوء مِنْهُ وَكَذَا قَالَ السَّيِّد المرتضى فِي أَمَالِيهِ فِي أحد أوجه إِلَّا فِي قَوْله تَعَالَى: خَالِدين فِيهَا مَا دَامَت السَّمَوَات وَالْأَرْض إِلَّا مَا شَاءَ رَبك إِن إِلَّا بِمَعْنى الْوَاو وَأورد هَذَا الْبَيْت وَغَيره شَاهدا لمجيء إِلَّا بِمَعْنى الْوَاو وَأجَاب البصريون أَن إِلَّا فِي الْبَيْت بِمَعْنى غير وَفِي الْآيَات للاستثناء الْمُنْقَطع.
ثَانِيهَا مَا ذهب إِلَيْهِ الْكسَائي. أَن أَصله إِلَّا أَن يكون الفرقدان وَقد رد سِيبَوَيْهٍ هَذَا القَوْل كَمَا بَينه الشَّرْح الْمُحَقق.
قَالَ أَبُو عَليّ فِي الْإِيضَاح الشعري: أنْشد سِيبَوَيْهٍ هَذَا الْبَيْت وَقَالَ: لَا يجوز أَن يكون قَوْله: إِلَّا الفرقدان على تَقْدِير إِلَّا أَن يكون الفرقدان. وَإِنَّمَا لم يجز هَذَا لِأَنَّك لَا تحذف الْمَوْصُول وَتَدَع الصِّلَة لِأَن الصِّلَة تذكر للتخصيص والإيضاح للموصول فَإِذا حذفت الْمَوْصُول لم يجز حذفه وذكرك مَا يكون إيضاحاً لَهُ.
وَنَظِير ذَلِك أَجْمَعُونَ فِي التوكيد لَا يجوز أَن تذكره وتحذف الْمُؤَكّد. فَإِن قلت: لم لَا يكون كالصفة والموصوف فِي جَوَاز حذف الْمَوْصُوف وَذكر الصّفة وَكَذَلِكَ تحذف الْمَوْصُول وتذكر الصِّلَة قلت: لم يكن فِي هَذَا كالوصف إِذا كَانَ مُفردا أَلا ترى أَن الْوَصْف إِذا كَانَ مُفردا كَانَ)
كالموصوف فِي الْإِفْرَاد وَإِذا كَانَ مثله جَازَ وُقُوعه مواقع الْمَوْصُوف من حَيْثُ كَانَ مُفردا مثله مَعَ استقباح لذَلِك.
فَأَما الصِّلَة فَلَا تقع مواقع الْمُفْرد من حَيْثُ كَانَت جملا كَمَا لم يجز أَن تبدل الْجمل من الْمُفْرد من حَيْثُ كَانَ الْبَدَل فِي تَقْدِير تَكْرِير الْعَامِل وَالْعَامِل فِي الْمُفْرد لَا يعْمل فِي لفظ الْجُمْلَة فَكَذَلِك لَا يجوز أَن تحذف الْمَوْصُول وتقيم الصِّلَة مقَامه. فَإِن قلت: هلاّ جَازَ حذفهَا كَمَا جَازَ حذف الصلات وإبقاء الموصولة كَقَوْلِه: بعد اللتيا وَالَّتِي قلت: إبْقَاء الْمَوْصُول وَحذف الصِّلَة أشبه من عكس ذَلِك لِأَن
الْمَوْصُول مُفْرد وَلَيْسَ كالصلة الَّتِي هِيَ جملَة فَكَذَلِك جَاءَ فِي الشّعْر وَلم يمْتَنع كَمَا لَا يمْتَنع أَن يذكر الْمُؤَكّد وَلَا يذكر التَّأْكِيد. وَلَو ذكرت أَجْمَعُونَ وَنَحْوه وَلم تذكر الْمُؤَكّد لم يجز.
انْتهى كَلَام أبي عَليّ ولكثرة فَوَائده نَقَلْنَاهُ برمّته.
ثالثهما مَا نَقله بعض شرّاح أَبْيَات الْمفصل من فضلاء الْعَجم وَهُوَ أَن إِلَّا هُنَا بِمَعْنى حَتَّى وَالْمعْنَى: كل أَخ مفارقه أَخُوهُ حَتَّى إِن الفرقدين مَعَ شدَّة اجْتِمَاعهمَا وَكَثْرَة مصاحبتهما يفرق كل وَاحِد مِنْهُمَا عَن صَاحبه فَمَا ظَنك بِغَيْرِهِمَا قَالَ: وعَلى هَذَا تكون إِلَّا مستعملة اسْتِعْمَال حَتَّى للمناسبة بَين الِاسْتِثْنَاء والغاية وَيكون ذَلِك كَقَوْلِهِم: مَاتَ النَّاس حَتَّى الْأَنْبِيَاء. هَذَا كَلَامه وَلَيْسَ الْمَعْنى على مَا زَعمه وَفِيه تعسف أَيْضا.
رَابِعهَا: مَا ذكره ابْن الْأَنْبَارِي فِي مسَائِل الْخلاف: أَن إِلَّا هُنَا للاستثناء الْمُنْقَطع قَالَ: أَرَادَ لَكِن الفرقدان فَإِنَّهُمَا لَا يفترقان على زعمهم فِي بَقَاء هَذِه الْأَشْيَاء. هُوَ غير متبادر مِنْهُ وَهُوَ كَقَوْل الأعلم فِي شرح أَبْيَات الْكتاب: وَهَذَا على مَذْهَب الْجَاهِلِيَّة مَعَ أَن قَائِل هَذَا الْبَيْت صَحَابِيّ كَمَا سَيَأْتِي.
وسبقهما الْمبرد فِي الْكَامِل فَإِنَّهُ بعد أَن نسب الْبَيْت لعَمْرو بن معد يكرب اعتذر عَنهُ فَقَالَ: وَهَذَا الْبَيْت قَالَه قبل أَن يسلم. ثمَّ أورد عقبه بَيت أبي الْعَتَاهِيَة دَلِيلا على مَا فهمه بقوله: وَقَالَ اسماعيل بن الْقَاسِم:
وَلم أر مَا يَدُوم لَهُ اجْتِمَاعسيفترق اجْتِمَاع الفرقدين
وَنحن نقُول: محمل هَذَا الْبَيْت أَنَّهُمَا يفترقان عِنْد قيام السَّاعَة. وَلكُل وجهة. والفرقدان: نجمان قريبان من القطب لَا يُفَارق أَحدهمَا الآخر.
وَبَقِي فِي الْبَيْت احْتِمَال وَجه آخر لم أر من ذكره وَهُوَ أَن تكون إِلَّا للاستثناء والفرقدان)
مَنْصُوب بعد تَمام الْكَلَام الْمُوجب لكنه بفتحة مقدرَة على
الْألف على لُغَة من يلْزم الْمثنى الْألف فِي الْأَحْوَال الثَّلَاثَة وَهِي لُغَة بني الْحَارِث بن كَعْب. وَالله أعلم.
وَقَوله: وكل أَخ مفارقه أَخُوهُ قَالَ الفاليّ فِي شرح اللّبَاب: يحْتَمل وُجُوهًا من الْإِعْرَاب: أَحدهَا: أَن يكون كل مُبْتَدأ ومفارقه خَبره وَأَخُوهُ فَاعل مفارقه. وَالثَّانِي: أَن يكون كل مُبْتَدأ ومفارقه مُبْتَدأ ثَانِيًا وَأَخُوهُ خَبره والحملة خبر الأول. الثَّالِث: أَن يكون كل مُبْتَدأ وَأَخُوهُ مُبْتَدأ ثَانِيًا ومفارقه خبر الْمُقدم وَالْجُمْلَة خبر الأول. الرَّابِع: أَن يكون كل مُبْتَدأ ومفارقه بَدَلا مِنْهُ وَأَخُوهُ خبر كلّ أَي: مفارق كل أَخ أَخُوهُ. الْخَامِس: ان يكون مفارقه بَدَلا من كل وَأَخُوهُ مُبْتَدأ وكل أَخ مفارقه خبر مقدم انْتهى.
وَقَوله: لعمر أَبِيك مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف تَقْدِيره: قسمي. وَالْجُمْلَة مُعْتَرضَة. وَهَذَا الْبَيْت جَاءَ فِي شعرين لصحابيين: أَحدهمَا: عَمْرو بن معد يكرب انشده الجاحظ فِي الْبَيَان والتبيين لَهُ وَكَذَا نسبه إِلَيْهِ المبرّد فِي الْكَامِل وَصَاحب جمهرة الْأَشْعَار وَغَيرهم وَتَقَدَّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالْخمسين بعد الْمِائَة.
الثَّانِي حضرمي بن عَامر الْأَسدي: قَالَ الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف: هُوَ حضرمي بن عَامر بن مجمّع بن موعلة بن هِشَام بن ضَب بن كَعْب بن الْقَيْن بن مَالك بن ثَعْلَبَة بن دودان بن أَسد. وَهُوَ شَاعِر فَارس سيد وَله فِي كتاب بني أَسد أشعار وأخبار حسان وَهُوَ الْقَائِل:
أَلا عجبت عميرَة أمس لمّارَأَتْ شيب الذؤابة قد علاني
إِلَى أَن قَالَ:
وَذي فخم عزفت النَّفس عَنهُحذار الشامتين وَقد شجاني
قطعت قرينتي عَنهُ فأغنىغناهُ فَلم أرَاهُ وَلم يراني
وكل قرينَة قرنت بِأُخْرَىوَلَو ضنت بهَا ستفرّقان
وكل أَخ مُفَارقَة أَخُوهُلعر أَبِيك أَلا الفرقدان
وكل إجَابَتِي إِيَّاه أَنِّيعطفت عَلَيْهِ خوّار الْعَنَان اه
والذؤابة: الْخصْلَة من الشّعْر. والفخم: بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة: التعظم والاستعلاء وَمثله الفخيمة بِالتَّصْغِيرِ. وعزفت بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالزَّاي وَالْفَاء أَي: صرفت. وحذار: مفعول)
لأَجله لقَوْله عزفت. وَجُمْلَة وَقد شجاني أَي: أحزنني حَالية.
وَقَوله: قطعت قرينتي هُوَ جَوَاب ربّ المقدّرة فِي قَوْله: وَذي فخم. وَمَعْنَاهُ كل نفس مقرونة بِأُخْرَى ستفارقها. وضنّت: بخلت. وَقَوله: وكل إجَابَتِي كلّ: فعل مَاض من الكلال. ويروى: وَكَانَ إجَابَتِي إِيَّاه.
وحضرمي بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة وَبعد الرَّاء مِيم مَكْسُورَة بعْدهَا يَاء مُشَدّدَة. ومجمّع بِوَزْن اسْم الْفَاعِل من جمع تجميعاً. وموألة بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْوَاو وَبعدهَا همزَة مَفْتُوحَة قَالَ فِي الْقَامُوس: وَبَنُو موألة كمسعدة: بطن وَهُوَ مفعلة اسْم مَكَان من وأل إِلَيْهِ يئل بِمَعْنى لَجأ وخلص والموئل: الملجأ.
وَضَبطه ابْن حجر فِي الْإِصَابَة مولة بِفَتَحَات وَأورد حمام بدل هِشَام وَأورد بَاقِي النّسَب كَمَا ذكرنَا وَقَالَ: ذكره ابْن شاهين وَغَيره فِي الصَّحَابَة. وروى أَبُو يعلى وَابْن نَافِع من طَرِيق مَحْفُوظ بن عَلْقَمَة عَن حضرمي بن عَامر الْأَسدي وَكَانَت لَهُ صُحْبَة أَن رَسُول الله ﷺ َ قَالَ: إِذا بَال أحدكُم فَلَا يسْتَقْبل الرّيح وَلَا يستنجي بِيَمِينِهِ قَالَ السُّيُوطِيّ فِي شرح شَوَاهِد الْمُغنِي: وَلم أَقف لحضرمي على رِوَايَة غير هَذَا الحَدِيث.
قَالَ ابْن حجر: وروى ابْن شاهين من طَرِيق الْمَدَائِنِي عَن جمَاعَة أَنهم قَالُوا: وَفد بَنو أَسد بن خُزَيْمَة وَفِيهِمْ حضرمي بن عَامر وَضِرَار بن الْأَزْوَر وَسَلَمَة وَقَتَادَة وَأَبُو مكعت. فَذكر الحَدِيث فِي قصَّة إسْلَامهمْ وَكتب لَهُم رَسُول الله ﷺ َ كتابا. قَالَ: فتعلّم حضرمي بن عَامر سُورَة عبس وَتَوَلَّى فَزَاد فِيهَا: وَهُوَ الَّذِي أنعم على الحبلى فَأخْرج مِنْهَا نسمَة تسْعَى فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ َ: لَا تزد فِيهَا.
وَأخرجه من طَرِيق منْجَاب بن الْحَارِث من طرق ذكر فِيهَا أَن السُّورَة سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى: وروى عمر بن شبّة بِإِسْنَاد صَحِيح إِلَى أبي وَائِل قَالَ: وَفد بَنو أَسد فَقَالَ لَهُم النَّبِي ﷺ َ: من أَنْتُم قَالُوا: نَحن بَنو الزنية أحلاس الْخَيل قَالَ: بل أَنْتُم بَنو الرشدة فَقَالُوا: لَا نَدع اسْم أَبينَا وَذكر قصَّة طَوِيلَة.
وَقَالَ المرزباني فِي مُعْجَمه: كَانَ حضرمي يكنى أَبَا كدام وَلما سَأَلَهُ عمر بن الْخطاب عَن شعره فِي حَرْب الْأَعَاجِم أنْشدهُ أبياتاً حَسَنَة فِي ذَلِك.
وروى أَبُو عليّ القاليّ من طَرِيق ابْن الْكَلْبِيّ قَالَ: كَانَ حضرمي بن عَامر عَاشر عشرَة من إخْوَته)
فماتوا فورثهم فَقَالَ فِيهِ ابْن عَم لَهُ يُقَال لَهُ جُزْء بن مَالك: يَا حضرمي ورثت تِسْعَة إخْوَة فَأَصْبَحت نَاعِمًا فَقَالَ حضرمي من أَبْيَات:
إِن كنت قاولتني بهَا كذباجُزْء فلاقيت مثلهَا عجلا
فَجَلَسَ جُزْء على شَفير بِئْر هُوَ وَإِخْوَته وهم أَيْضا تِسْعَة فانخسفت بهم فَلم ينج غير جُزْء فَبلغ ذَلِك حضرمي بن عَامر فَقَالَ: كلمة وَافَقت قدرا وأبقت حقدا انْتهى مَا أوردهُ ابْن حجر فِي الْإِصَابَة.
وَهَذَا الْبَيْت الَّذِي نَقله عَن أبي القاليّ هُوَ أحد أَبْيَات ثَلَاثَة أوردهَا ابْن السَّيِّد البطليوسي فِي شرح شَوَاهِد أدب الْكَاتِب وَهِي:
يزْعم جُزْء وَلم يقل جللاأَنِّي تروّحت نَاعِمًا جذلا
أفرح أَن أرزأ الْكِرَام وَأَنأورث ذوداً شصائصاً نبْلًا
وجزء بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الزَّاي وثالثه همزَة وهومنادى فِي الْبَيْت الثَّانِي. والجلل هُنَا بِمَعْنى الحقير وَيَأْتِي بِمَعْنى الْعَظِيم أَيْضا وَهُوَ من الأضداد.
وتروّح بِالْحَاء الْمُهْملَة: صَار ذَا رَاحَة.
وناعم: وصف من النَّعيم وَهُوَ الْخَفْض والدّعة وَالْمَال. وجذلان بِمَعْنى فرحان من الجذل بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ الْفَرح. وأزننتني: اتهمتني يُقَال: زننته وأزننته بِكَذَا: إِذا اتهمته بِهِ ونسبته إِلَيْهِ.
وَقَوله: أفرح أَرَادَ أأفرح على معنى التَّقْرِير وَالْإِنْكَار فَترك ذكر الْهمزَة وَهُوَ يريدها حِين فهم مَا أَرَادَ وَهَذَا قَبِيح وَإِنَّمَا يحسن حذفهَا مَعَ أم.
وَقد أوردهُ صَاحب الْكَشَّاف فِي تَفْسِيره دَلِيلا على حذف همزَة الِاسْتِفْهَام.
والرزء برَاء مَضْمُومَة وزاي سَاكِنة بعْدهَا همزَة قَالَ صَاحب الْقَامُوس: رزأه مَاله كجعله وَعَمله رزْاً بِالضَّمِّ: أصَاب مِنْهُ شَيْئا. فالمفعول الثَّانِي فِي الْبَيْت مَحْذُوف أَي: أرزأ الْكِرَام مَالهم. وأورث بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول.
والذود من الْإِبِل: دون الْعشْرَة وَأكْثر مَا يسْتَعْمل فِي الْإِنَاث. والشصائص الَّتِي لَا ألبان لَهَا الْوَاحِد شصوص بِفَتْح الْمُعْجَمَة وإهمال الصادين يُقَال: شصّت النَّاقة وأشصت.
والنبل بِفَتْح النُّون وَالْمُوَحَّدَة: الصغار قَالَ فِي الْقَامُوس: والنبل محركة: عِظَام الْحِجَارَة والمدر
(تَتِمَّة:)
أورد الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف اثْنَيْنِ من الشُّعَرَاء مِمَّن اسْمه حضرمي أَحدهمَا هَذَا)
الصَّحَابِيّ.
وَالثَّانِي حضرمي بن الفلندح بِفَتْح الْفَاء وَاللَّام وَسُكُون النُّون وَفتح الدَّال وَآخره حاء مُهْملَة قَالَ: هُوَ أَخُو بني حرَام بن عَوْف المشجعي. وَبَنُو مشجعَة بن تيم بن النمر بن وبرة أَخُو كلب بن وبرة شَاعِر وَهُوَ الْقَائِل:...
إِذا نفحت من نَحْو أَرْضك نفحةريَاح الصِّبَا يَا قيل طَابَ نسيمها
كَأَنَّك فِي الجلباب شمس نقيّةتجوّب عَنْهَا يَوْم دجن غيومها
انْتهى.
وَقيل مرخّم قيلة بِالْقَافِ اسْم امْرَأَة وَلَا أعرف هَل هُوَ إسلامي أَو لَا. وَالله أعلم.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع