من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الثَّانِي بعد الثلاثمائة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
إِلَيْكُم ذَوي آل النّبيّ تطلّعتنوازع من قلبِي ظماءٌ وألبب
على أنّ إِضَافَة ذَوي آل النَّبِي من إِضَافَة المسمّى إِلَى الِاسْم أَي: يَا أَصْحَاب
هَذَا الِاسْم.
أَرَادَ بِهَذَا الردّ على من زعم أنّ ذَا فِي مثله وَكَذَا فِي الأبيات الْآتِيَة زَائِد.
وَهَذَا كلّه ملخّص من كَلَام ابْن جنّي فِي الخصائص وَغَيره وَإِن كَانَ مَوْجُودا فِي المفصّل وشروحه.
وجوّزأبو عليّ فِي الْإِيضَاح الشعريّ أَن يكون ذُو زَائِدا وَأَن يكون على جعل الِاسْم المسمّى على الاتساع لمصاحبته لَهُ وَكَثْرَة الملابسة.
قَالَ ابْن جنّي فِي الْمُحْتَسب عِنْد قِرَاءَة ابْن مَسْعُود من سُورَة يُوسُف وَفَوق كلّ ذِي عالمٍ عليمٌ: تحْتَمل هَذِه الْقِرَاءَة ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا: أَن تكون من بَاب إِضَافَة المسمّى إِلَى الِاسْم أَي: فَوق كل شخص يُسمى عَالما أَو يُقَال
إِلَيْكُم ذَوي آل النّبيّ تطلّعتنوازع من نَفسِي ظماءٌ وألبب
أَي: إِلَيْكُم يَا آل النّبيّ أَي: يَا أَصْحَاب هَذَا الِاسْم الَّذِي هُوَ آل النَّبِي. وَعَلِيهِ قَول الْأَعْشَى:
فكذّبوها بِمَا قَالَت فصبّحهمذُو آل حسّان يزجي الْمَوْت والشرّعا
أَي: صبّحهم الْجَيْش الَّذِي يُقَال لَهُ آل حسّان. وَهُوَ بابٌ وَاسع قد تقصّيناه فِي كتاب الخصائص.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن يكون عَالم مصدرا كالفالج وَالْبَاطِل.
وَالثَّالِث: أَن يكون على مَذْهَب من يعْتَقد زِيَادَة ذِي. انْتهى مُخْتَصرا.
وَقد ذكر ابْن جنّي هَذِه الْإِضَافَة فِي أَكثر قَالَ فِي إِعْرَاب الحماسة عِنْد
قَول طفيل الغنويّ:
وَمَا أَنا بالمستنكر الْبَين إنّنيبِذِي لطف الْجِيرَان قدماً مفجّع
هَذَا من بَاب إِضَافَة المسمّى إِلَى اسْمه أَي: إنّني بالشيّ المسمّى بلطف الْجِيرَان. وَمثله بَيت الشمّاخ: الوافر)
وأدرج درج ذِي شطنٍ وَمثله بَيت الْكُمَيْت: إِلَيْكُم ذَوي آل النَّبِي.. الْبَيْت أَي: يَا أَصْحَاب هَذَا الِاسْم واصحابه هم آل النبيّ صلّى عَلَيْهِ وَسلم فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِلَيْكُم يَا آل النّبيّ وَأَمْثَاله كَثِيرَة جدا قد ذَكرنَاهَا فِي غير مَوضِع. وَمن ذهب إِلَى زِيَادَة ذِي وَذَات فِي هَذَا الْموضع ذهب إِلَى زيادتها فِي بَيت طفيل هَذَا أَيْضا وَمَعْنَاهُ فِي التَّأْويلَيْنِ جَمِيعًا أنّني بلطف الْجِيرَان أَي: بوصلهم مفجّع.
وَقَالَ أَيْضا فِي أَوَاخِر إِعْرَاب الحماسة عِنْد قَول الشَّاعِر:
فَلَمَّا رَآنِي أبْصر الشّخص أشخصاًقَرِيبا وَذَا الشّخص الْبعيد أَقَاربه
قَرِيبا إِن شِئْت ظرف أَي: من قريب وَإِن شِئْت حَال أَي: أبصره مقارباً أشخصاً مَعْنَاهُ أبصره وَأَنا قريب مِنْهُ أشخصاً.
وَقَوله: وَذَا الشّحص الْبعيد من بَاب إِضَافَة المسمّى إِلَى اسْمه كَقَوْل الشماخ.. وَقَول الْأَعْشَى.. وَقَول الْكُمَيْت.. وَأنْشد الأبيات الثَّلَاثَة ثمَّ قَالَ:
وَمعنى أَقَاربه أَي: أظنّه قَرِيبا.
وَلَو جرّ الْبعيد هُنَا لم يجز لأنّ الشَّخْص فِي هَذَا الْبَيْت اسمٌ لَا مسمّى. وَلَو قلت سمّيته بزيد الظريف على هَذَا لم يجز لأنّ الظّرْف لَا تُوصَف بِهِ الْأَسْمَاء.
ثمَّ قَالَ: وَقد دَعَا خَفَاء هَذَا الْموضع أَقْوَامًا إِلَى أَن ذَهَبُوا إِلَى زِيَادَة ذِي وَذَا فِي هَذِه الْمَوَاضِع وإنّما ذَلِك بعدٌ عَن إِدْرَاك هَذَا الْموضع. انْتهى.
وَزَاد فِي الخصائص على مَا ذَكرْنَاهُ أنّ أَبَا عَليّ حدّثه أنّ أَحْمد بن إِبْرَاهِيم أستاذ ثَعْلَب روى عَنْهُم: هَذَا ذُو زيد أَي: هَذَا صَاحب هَذَا الِاسْم الَّذِي هُوَ زيد.
وَقد عقد لهَذَا بَابا فِي الخصائص وَهُوَ بَاب إِضَافَة الِاسْم إِلَى المسمّى والمسمّي إِلَى الِاسْم وَأطَال الْكَلَام فِيهِ وأطاب وَقَالَ: هَذَا مَوضِع كَانَ يعتاده أَبُو عليّ ويألفه ويرتاح لاستعماله وَهُوَ فصلٌ من العربيّة غَرِيب وقلّ من يعتاده أَو ينظر فِيهِ وَقد ذكرته لتراه فتتنبّه على مَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
ثمَّ قَالَ: وَفِيه دَلِيل يدلّ على فَسَاد من ذهب إِلَى أنّ الِاسْم هُوَ المسمّى وَلَو كَانَ إيّاه لم تجز إِضَافَة واحدٍ مِنْهُمَا إِلَى صَاحبه لأنّ الشَّيْء لَا يُضَاف إِلَى نَفسه. قيل لأنّ الْغَرَض من الْإِضَافَة)
إنّما هُوَ التَّعْرِيف والتخصيص وَالشَّيْء إنّما يعرّفه غَيره لأنّه لَو كَانَت نَفسه تعرّفه لما احْتَاجَ أبدا إِلَى أَن يعرّف بِغَيْرِهِ لأنّ نَفسه فِي حَالي تَعْرِيفه وتنكيره وَاحِدَة وموجودة غير مفتقدة.
وَلَو كَانَت نَفسه هِيَ المعرّفة لَهُ أَيْضا لما احْتَاجَ إِلَى اضافته إِلَيْهَا لأنّه لَيْسَ فِيهَا إلآ مَا فِيهِ فَكَانَ يلْزم الِاكْتِفَاء بِهِ عَن إِضَافَته إِلَيْهَا فَلهَذَا لم يَأْتِ عَنْهُم نَحْو هَذَا غُلَامه ومررت بِصَاحِبِهِ والمظهر هُوَ الْمُضمر الْمُضَاف إِلَيْهِ هَذَا مَعَ فَسَاده فِي
الْمَعْنى لأنّ الْإِنْسَان لَا يكون أَخا نَفسه وَلَا صَاحبهَا.
فَإِن قلت: فقد تَقول مَرَرْت بزيدٍ نَفسه وَهَذَا نفس الحقّ يَعْنِي أنّه هُوَ الحقّ لَا غَيره. قيل: لَيْسَ الثَّانِي هُوَ مَا أضيف إِلَيْهِ من الْمظهر وإنّما النَّفس هُنَا بِمَعْنى خَالص الشَّيْء وَحَقِيقَته وَالْعرب تحلّ نفس الشَّيْء من الشَّيْء محلّ الْبَعْض من الكلّ وَلِهَذَا حكوا عَن أنفسهم مراجعتهم إيّاها وخطابها لَهُم وَأَكْثرُوا من ذكر التردّد بَينهَا وَبينهمْ.
أَلا ترى إِلَى قَوْله:
أَقُول للنّفس تأساءً وتعزيةًإِحْدَى يديّ أصابتني وَلم ترد
وَقَوله:
قَالَت لَهُ النّفس تقدّم راشداإنّك لَا ترجع إلاّ حامدا
وأمثال هَذَا كثير جدا وَجَمِيع هَذَا يدلّ على أنّ نفس الشَّيْء عِنْدهم غير الشَّيْء.
فَإِن قلت: فقد تَقول هَذَا أَخُو غُلَامه وَهَذِه جَارِيَة بنتهَا فتعرّف الأول بِمَا أضيف إِلَى ضَمِيره وَالَّذِي أضيف إِلَى ضَمِيره إنّما تعرّف بذلك الضَّمِير وَنَفس الْمُضَاف الأول متعرّف بالمضاف إِلَى ضَمِيره وَقد ترى على هَذَا أنّ التَّعْرِيف الَّذِي استقرّ فِي جَارِيَة من قَوْلك هَذِه جَارِيَة بنتهَا إنّما أَتَاهَا من قبل ضميرها وضميرها هُوَ هِيَ فقد آل الْأَمر إِذا إِلَى أنّ الشَّيْء قد يعرّف نَفسه وَهَذَا خلاف مَا ركبته وَأعْطيت يدك بِهِ.
قيل: كَيفَ تصرّفت الْحَال فالجارية إنّما تعرّفت بالبنت الَّتِي هِيَ غَيرهَا وَهَذَا شَرط التَّعْرِيف من جِهَة الْإِضَافَة فَأَما ذَلِك الْمُضَاف إِلَيْهِ أمضاف هُوَ أم غير مُضَاف فَغير قَادِح.
والتعريف الَّذِي أَفَادَهُ ضمير الأول لم يعرّف الأول وَإِنَّمَا عرّف مَا عرّف الأوّل وَالَّذِي عرّف الأول غير الأوّل فقد استمرت الصّفة وَسَقَطت الْمُعَارضَة.
ويؤكذ ذَلِك أَيْضا أنّ الْإِضَافَة فِي الْكَلَام على ضَرْبَيْنِ:)
أَحدهمَا: ضمّ الِاسْم إِلَى اسمٍ هُوَ غَيره بِمَعْنى اللَّام نَحْو غُلَام زيد. وَالْآخر: ضمّ اسْم إلأى اسْم هُوَ بعضه بِمَعْنى من نَحْو هَذَا ثوب خزٌ. وَكِلَاهُمَا لَيْسَ الثَّانِي فِيهِ بالأوّل. واستمرار هَذَا عِنْدهم يدلّ على أَن الْمُضَاف لَيْسَ بالمضاف إِلَيْهِ الْبَتَّةَ انْتهى.
وَقَول الْكُمَيْت: ذَوي آل النَّبِي هُوَ منادى حذف مِنْهُ حرف النداء أَي: يَا أَصْحَاب هَذَا الِاسْم. وَفِيه من التفخيم مَا لَيْسَ فِي قَوْلك يَا آل النَّبِي لِأَنَّهُ قد جعلهم تشوّفت وَبِه يتعلّق قَوْله إِلَيْكُم. وقدّمه للحصر أَي: أَنا مشتاق إِلَيْكُم لَا إِلَى غَيْركُمْ. ونوزاع: جمع نازعة من نزعت النَّفس إِلَى الشَّيْء أَي: اشتاقت إِلَيْهِ وَمثله نازعت نزوعاً ونزاعاً بِالْكَسْرِ. وَهَذَا كَقَوْلِهِم: جنّ والظّماء: العطاش يُقَال: ظمئ ظمأ بِالْهَمْز كعطش عطشاً وزنا وَمعنى فَهُوَ ظمآن وَهِي ظمأى مثل عطشان وعطشى وَالْجمع ظماء كسهام. وَوصف النوازع بالظماء للْمُبَالَغَة فِي قوّتها وشدّتها. وألبب: جمع لبّ بضمّ وَهُوَ الْعقل وَهُوَ شاذّ وَالْقِيَاس ألبٌّ بِالْإِدْغَامِ وَهُوَ مَعْطُوف على نوازع.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة طَوِيلَة للكميت بن زيد وَقد تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد السَّادِس عشر من أَوَائِل الْكتاب مدح بهَا آل بَيت النَّبِي ﷺ وَهِي إِحْدَى القصائد الهاشميّات وَهِي من جيّد شعره.
وَقد اسْتشْهد النّحاة بِأَبْيَات من هَذِه القصيدة وَهَذَا مطْلعهَا مَعَ جملَة أَبْيَات مِنْهَا:
طربت وَمَا شوقاً إِلَى الْبيض أطربوَلَا لعباً منّي وَذُو الشّيب يلْعَب
وَلم تلهني دارٌ وَلَا رسم منزلوَلم يتطرّبني بنانٌ مخضّب
وَلَا السّانحات البارحات عشيّةًأمرّ سليم الْقرن أم مرّ أعضب
وَلَكِن إِلَى أهل الْفَضَائِل والنّهىوَخير بني حوّاء وَالْخَيْر يطْلب
إِلَى النّفر الْبيض الَّذين بحبّهمإِلَى الله فِيمَا نابني أتقرّب
بني هاشمٍ رَهْط النّبيّ وإنّنيبهم وَلَهُم أرْضى مرَارًا وأغضب
بأيّ كتابٍ أم بأيّة سنّةٍترى حبّهم عاراً عليّ وتحسب
وَمَالِي إلاّ آل أَحْمد شيعةٌوَمَالِي إلاّ مشعب الحقّ مشعب
وَمن غَيرهم أرْضى لنَفْسي شيعَةوَمن بعدهمْ لَا من أجلّ وأرحب
إِلَيْكُم ذَوي آل النّبيّ تطلّعتتوازع من قلبِي ظماءٌ وألبب
)
وجدنَا لكم فِي آل حَامِيم آيَةتأوّلها منّا تقيٌّ ومعرب
فإنّي على الْأَمر الَّذِي تكرهونهبِقَوْلِي وفعلي مَا اسْتَطَعْت لأجنب
يشيرون بِالْأَيْدِي إليّ وَقَوْلهمْأَلا خَابَ هَذَا والمشيرون خيّب
فطائفةٌ قد أكفرتني بحبّهموَطَائِفَة قَالُوا: مسيءٌ ومذنب
يعيبونني من غيّهم وضلالهمعلى حبّكم بل يسخرون وأعجب
وَقَالُوا ترابيّ هَوَاهُ وَدينهبذلك أدعى فيهم وألقّب
فَلَا زلت فيهم حَيْثُ يتّهموننيوَلَا زلت فِي أشياعهم أتقلّب
ألم ترني فِي حبّ آل محمّدٍأروح وأغدر خَائفًا أترقّب
كَأَنِّي جانٍ محدثٌ وكأنّمابهم يتّقي من خشيَة العرّ أجرب
على أيّ جرمٍ أم بأيّة سيرةٍأعنّف فِي تقريظهم واؤنّب
روى الأصبهانيّ فِي الأغاني بِسَنَدِهِ إِلَى مُحَمَّد بن عَليّ النَّوْفَلِي عَن أَبِيه أَنه قَالَ: الْكُمَيْت بن زيد الشَّاعِر كَانَ أوّل مَا قَالَ القصائد الهاشّميات فسترها ثمَّ أَتَى الفرزدق بن غَالب فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا فراس إنّك شيخ مُضر وشاعرها وَأَنا ابْن أَخِيك الْكُمَيْت بن زيد الأسديّ. قَالَ لَهُ: صدقت أَنْت ابْن أخي فَمَا حَاجَتك قَالَ: نفث على لساني فَقلت شعرًا فَأَحْبَبْت أَن أعرضه عَلَيْك فَإِن كَانَ حسنا أَمرتنِي بإذاعته وَإِن كَانَ قبيحاً أَمرتنِي بستره وَكنت أولى من ستره عليّ. فَقَالَ لَهُ الفرزدق: أمّا عقلك فحسنٌ وإنّي لأرجو أَن يكون شعرك على قدر عقلك فأنشدني مَا قلت.
فأنشده: طربت وَمَا شوقاً إِلَى الْبيض أطرب قَالَ: فَقَالَ لي: فِيمَا تطرب يَا ابْن أخي فَقَالَ: وَلَا لعباً منّي وَذُو الشيب يلْعَب قَالَ: بلَى يَا ابْن أخي فالعب فإنّك فِي أَوَان اللّعب. فَقَالَ: وَلم يلهني دارٌ وَلَا رسم منزلٍ الْبَيْت
قَالَ: فَمَا يطربك يَا ابْن أخي فَقَالَ: فَقَالَ: أجل لَا تتطيّر. فَقَالَ:)
وَلَكِن إِلَى أهل الْفَضَائِل والنّهى الْبَيْت فَقَالَ: وَمن هَؤُلَاءِ وَيحك فَقَالَ: إِلَى النّفر الْبيض الَّذين بحبّهم الْبَيْت فَقَالَ: أرحني وَيحك من هَؤُلَاءِ فَقَالَ: بني هَاشم رَهْط النّبيّ فإنّني الْبَيْت فَقَالَ لَهُ الفرزدق: أذع أذع يَا ابْن أخي أَنْت وَالله أشعر من مضى وأشعر من بَقِي.
وَعَن عِكْرِمَة الضّبي عَن أَبِيه قَالَ: أدْركْت النَّاس بِالْكُوفَةِ من لم يرو: طربت وَمَا شوقاً إِلَى الْبيض أطرب فَلَيْسَ بشيعيّ. وَمن لم يرو: ذكر الْقلب إلفه المهجورا فَلَيْسَ بأمويّ. وَمن لم يرو: هلاّ عرفت منازلاً بالأبرق فَلَيْسَ بمهلبيّ.
قَوْله: طربت وَمَا شوقاً الخ اسْتشْهد بِهِ أَبُو حيّان على تَقْدِيم الْمَفْعُول لَهُ على عَامله ردّاً على من منع ذَلِك فإنّ شوقاً مفعول لَهُ مقدّم على عَامله وَهُوَ أطرب. وَاسْتشْهدَ بِهِ ابْن هِشَام أَيْضا فِي الْمُغنِي على أنّ همزَة الِاسْتِفْهَام لكَونهَا أصلا جَازَ
حذفهَا سَوَاء كَانَت مَعَ أم لَا فإنّه أَرَادَ فإنّه أَرَادَ: أَو ذُو الشيب يلْعَب والاستفهام إنكاريّ.
وَقَالَ شَارِح السَّبع الهاشميّات: ذُو الشيب خبر وَلَيْسَ باستفهام وَالْمعْنَى لم أطرب شوقاً إِلَى الْبيض وَلَا طربت لعباً منّي وَأَنا ذُو الشيب وَقد يلْعَب ذُو الشيب ويطرب وَإِن كَانَ قبيحاً بِهِ ولكنّ طربي إِلَى أهل الْفَضَائِل والنّهى.
وَقَوله: وَلَا أَنا مّمن يزْجر الطير الخ همّه فَاعل يزْجر وَالطير مَفْعُوله. قَالَ ابْن الْأَثِير فِي النِّهَايَة: الزّجر للطير هُوَ التّيمن والتشاؤم بهَا والتفاؤل بطيرانها كالسانح والبارح وَهُوَ نوع من الكهانة والعيافة. انْتهى.
وَقَالَ ابْن رَشِيق فِي الْعُمْدَة: الْغُرَاب أعظم مَا يتطيّرون بِهِ ويتشاءمون بالثور الأعضب وَهُوَ المكسور الْقرن. والسانح مَا ولاّك ميامنه والبارح مَا ولاّك مياسره واهل نجد تتيمّن بالأوّل)
وتتشاءم بِالثَّانِي وَأهل الْعَالِيَة على عكس هَذَا. وَأنْشد الْبَيْتَيْنِ.
وَفِي السانحات جوّز الْأَخْفَش النصب للْعَطْف على الطير.
وَقَوله: ترى حبّهم عاراً الخ اسْتشْهد بِعْ ابْن هِشَام فِي شرح الألفيّة على جَوَاز حذف مفعولي بَاب ظنّ للدّليل.
وَقَوله: وَمَالِي إلاّ آل أَحْمد الخ اسْتشْهد بِهِ النّحاة مِنْهُم صَاحب الْجمل على تَقْدِيم الْمُسْتَثْنى على الْمُسْتَثْنى مِنْهُ. والمشعب: الطَّرِيق يَقُول:
مَالِي مَذْهَب إلاّ طَرِيق الحقّ الَّذِي هُوَ حبّ آل النبيّ وتفضيلهم ﷺ.
وَقَوله: وجدنَا لكم الخ آل حم اسْم للسّور السَّبع الَّتِي أَولهَا حم وَيُقَال لَهَا أَيْضا الحواميم وَأَرَادَ الْآيَة الَّتِي فِي حمعسق: قل لَا أسئلكم عَلَيْهِ أجرا إلاّ المودّة
فِي الْقُرْبَى يَقُول: من تأوّل هَذِه الْآيَة لم يَسعهُ إلاّ التشيّع فِي آل النبيّ ﷺ وإبداء المودّة لَهُم على تقيّةٍ كَانَت أَو غير تقيّة.
وَقَوله: تقيٌّ ومعرب قَالَ الجوهريّ: أعرب بحجتّه إِذا أفْصح بهَا وَلم يتّق أحدا. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت ثمَّ قَالَ: يَعْنِي المفصح بالتّفضيل والساكت عَنهُ للتّقيّة. وَهَذَا الْبَيْت من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ أوردهُ شَاهدا لترك صرف حَامِيم لكَونه وَافق بِنَاء مَا لَا ينْصَرف من الأعجمية نَحْو قابيل وهابيل.
قَالَ الأعلم: جعل حَامِيم اسْما للكلمة ثمَّ أضَاف السُّور إِلَيْهَا كإضافة النّسَب إِلَى قرَابَة كَمَا وَقَوله: ألم ترني فِي حبّ آل مُحَمَّد الخ قَالَ السيوطيّ فِي شرح أَبْيَات الْمُغنِي: أخرج ابْن عَسَاكِر عَن مُحَمَّد بن سهل قَالَ: قَالَ الْكُمَيْت: رَأَيْت رَسُول الله ﷺ فِي الْمَنَام وَأَنا مختفٍ فَقَالَ لي: ممّ خوفك فَقلت: يَا رَسُول الله من بني أميّة.
ثمَّ أنشدته: ألم ترني من حبّ آل محمدٍ الْبَيْت فَقَالَ لي ﷺ: أظهر فقد أمنّك الله فِي الدّنيا وَالْآخِرَة.
وَفِي الأغاني للأصبهاني بِسَنَدِهِ إِلَى إِبْرَاهِيم بن سعيد الأسديّ عَن أَبِيه قَالَ: رَأَيْت النّبيّ صلّى)
الله عَلَيْهِ وسلّم فِي الْمَنَام فَقَالَ لي: من أيّ النَّاس أَنْت قلت: من الْعَرَب. قَالَ: من أيّ الْعَرَب قلت: من بني أَسد. قَالَ: من أَسد بن خُزَيْمَة قلت: نعم. قَالَ: أهلاليٌّ أَنْت قلت: نعم.
قَالَ: أتعرف الْكُمَيْت بن زيد قلت: يَا رَسُول الله عمّي وَمن قبيلتي. قَالَ: أتحفظ من شعره شَيْئا قلت: نعم قَالَ: أَنْشدني:
طربت وَمَا شوقاً إِلَى الْبيض أطرب فَأَنْشَدته حَتَّى بلغت إِلَى قَوْله: فَمَا لي إلاّ آل أَحْمد شيعةٌ الْبَيْت فَقَالَ لي: إِذا أَصبَحت فاقرأ ﵇ وَقل لَهُ: قد غفر الله لَك بِهَذِهِ القصيدة.
وروى أَيْضا بِسَنَدِهِ إِلَى دعبل بن عليّ الخزاعيّ قَالَ: رَأَيْت النّبيّ ﷺ فِي النّوم فَقَالَ لي: مَالك وللكميت بِمَ زيد فَقلت: يَا رَسُول الله مَا بيني وَبَينه إلاّ كَمَا بَين الشُّعَرَاء. فَقَالَ لي: لَا تفعل أَلَيْسَ هُوَ الْقَائِل:
فَلَا زلت فيهم حَيْثُ يتهموننيوَلَا زلت فِي أشياعهم أتقلّب
فإنّ الله قد غفر لَهُ بِهَذَا الْبَيْت. فانتهيت عَن الْكُمَيْت بعْدهَا.
وروى أَيْضا بِسَنَدِهِ إِلَى نصر بن مُزَاحم المنقريّ أَنه رأى النّبيّ ﷺ فِي النّوم وَبَين يَدَيْهِ رجلٌ ينشده: من لقلبٍ متيّمٍ مستهام قَالَ: فَسَأَلت عَنهُ فَقيل لي: هَذَا الْكُمَيْت بن زيد الأسديّ. قَالَ: فَجعل النّبيّ ﷺ يَقُول: جَزَاك الله خيرا. وَأثْنى عَلَيْهِ.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع