من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الْخَمْسُونَ بعد السبعمائة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:
عَسى الكرب الَّذِي أمسيت فِيهِيكون وَرَاءه فرج قريب
على أَنه حذف أَن من خبر عَسى وَهُوَ قَلِيل وَالتَّقْدِير: أَن يكون وَرَاءه.... إِلَخ.
وَكَذَا قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي وَهُوَ ظَاهر كَلَام سِيبَوَيْهٍ قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَاعْلَم أَن من الْعَرَب من يَقُول: عَسى يفعل يشبهها بكاد يفعل فيفعل حِينَئِذٍ فِي مَوضِع الِاسْم الْمَنْصُوب فِي قَوْله عَسى الغوير أبؤساً. فَهَذَا مثل من أَمْثَال الْعَرَب أجروا فِيهِ عَسى مجْرى كَانَ.
قَالَ هدبة: وَقَالَ:
عَسى الله يُغني عَن بِلَاد ابْن قَادربمنهمر جون الربَاب سكوب
وَقَالَ:
فَمَا كيس فنجا وَلَكِنعَسى يغتر بِي حمق لئيم
اه.
قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِي هَذِه الأبيات إِسْقَاط أَن ضَرُورَة وَرفع الْفِعْل. والمستعمل فِي الْكَلَام أَن يكون كَمَا قَالَ تَعَالَى: عَسى أَن يَبْعَثك رَبك وعَسى الله أَن يَأْتِي بِالْفَتْح.
والمنهمر: السَّائِل. والجون: الْأسود. والرباب: السَّحَاب. والحمق بِكَسْر الْمِيم: الأحمق.
وَكَذَا قَالَ ابْن عُصْفُور فِي كتاب الضرائر وَبعد أَن أورد هَذِه الأبيات وَغَيرهَا قَالَ: وَمَا ذكرته من أَن اسْتِعْمَال الْفِعْل الْوَاقِع فِي مَوضِع خبر عَسى بِغَيْر أَن ضَرُورَة هُوَ مَذْهَب الْفَارِسِي وَجُمْهُور الْبَصرِيين.
وَظَاهر كَلَام سِيبَوَيْهٍ يُعْطي أَنه جَائِز فِي الْكَلَام لِأَنَّهُ قَالَ: وَاعْلَم أَن من الْعَرَب من يقولك عَسى يفعل تَشْبِيها بكاد. فَأطلق القَوْل وَلم يُقيد ذَلِك بالشعر. إِلَّا أَنه يَنْبَغِي أَن لَا يحمل كَلَامه على عُمُومه لما ذكره أَبُو عَليّ من أَنَّهَا لَا تكَاد تَجِيء بِغَيْر أَن إِلَّا فِي ضَرُورَة.
وَأَيْضًا فَإِن الْقيَاس يَقْتَضِي أَن لَا يجوز ذَلِك إِلَّا فِي الشّعْر وَلِأَن اسْتِعْمَالهَا بِغَيْر أَن إِنَّمَا هُوَ بِالْحملِ على كَاد لشبهها بهَا من حَيْثُ جمعتهما المقاربة.
وَكَاد مَحْمُولَة فِي اسْتِعْمَالهَا بِغَيْر أَن على الْأَفْعَال الَّتِي هِيَ للأخذ فِي الشُّرُوع من جِهَة أَنَّهَا لمقاربة)
ذَات الْفِعْل فقربت لذَلِك من الْأَفْعَال الَّتِي هِيَ للأخذ فِي الْفِعْل وَلَيْسَت عَسى كَذَلِك لِأَن فِيهَا تراخياً.
أَلا ترى أَنَّك تَقول: عَسى زيد أَن يحجّ الْعَام وَإِنَّمَا عدت فِي أَفعَال المقاربة مَعَ مَا فِيهَا من التَّرَاخِي من جِهَة أَنَّهَا تدخل على الْفِعْل المرجو وَالْفِعْل المرجو قريب بِالنّظرِ إِلَى مَا لَيْسَ بمرجو. فَلَمَّا كَانَت مَحْمُولَة فِي اسْتِعْمَالهَا بِغَيْر أَن على مَا هُوَ مَحْمُول على غَيره ضعف الْحمل فَلم تَجِيء إِلَّا فِي الضَّرُورَة. انْتهى.
وَالْبَيْت من قصيدة لهدبة بن خشرم قَالَهَا فِي الْحَبْس وَهِي:...
طربت وَأَنت أَحْيَانًا طروبوَكَيف وَقد تعلاك المشيب
يجد النأي ذكرك فِي فُؤَادِيإِذا ذهلت على النأي الْقُلُوب
يؤرقني اكتئاب أبي نميرفقلبي من كآبته كئيب
فَقلت لَهُ: هداك الله مهلاوَخير القَوْل ذُو اللب الْمُصِيب
فَيَأْمَن خَائِف ويفك عانوَيَأْتِي أَهله الرجل الْغَرِيب
أَلا لَيْت الرِّيَاح مسخراتبحاجتنا تباكر أَو تؤوب
فتخبرنا الشمَال إِذا أتتناوتخبر أهلنا عَنَّا الْجنُوب
فَإنَّا قد حللنا دَار بلوىفتخطئنا المنايا أَو تصيب
إِن يَك صدر هَذَا الْيَوْم ولىفَإِن غَدا لناظره قريب
وَقد علمت سليمى أَن عوديعلى الْحدثَان ذُو أيد صَلِيب
وَأَن خليقتي كرم وَأَنِّيإِذا أبدت نواجذها الحروب
أعين على مكارمها وأغشىمكارهها إِذا كع الهيوب
وَقد أبقى الْحَوَادِث مِنْك ركناصليباً مَا تؤيسه الخطوب
على أَن الْمنية قد توافيلوقت والنوائب قد تنوب
هَذَا مَا أوردهُ القالي فِي أَمَالِيهِ وَزَاد بعده الشريف الْحُسَيْنِي فِي حماسته:
وَإِنِّي فِي العظائم ذُو غناءوأدعى للفعال فأستجيب
وَإِنِّي لَا يخَاف الْغدر جاريوَلَا يخْشَى غوائلي الْقَرِيب
وَكَمن من صَاحب قد بَان عنيرميت بفقده وَهُوَ الحبيب
)
مَخَافَة أَن يراني مستكيناًعَدو أَو يساء بِهِ قريب
ويشمت كاشح ويظن أَنِّيجزوع عِنْد نائبة تنوب
فبعدك سدت الْأَعْدَاء طرقاًإِلَيّ ورابني دهر يريب
وَأنْكرت الزَّمَان وكل أَهلِيوهرتني لغيبتك الكليب
وَكنت تقطع الْأَبْصَار دونيوَإِن وغرت من الغيظ الْقُلُوب
الطَّرب: خفَّة تصيب الْإِنْسَان لفرح أَو حزن. والنأي: الْبعد. ويؤرقني
يسهرني. والاكتئاب: افتعال من الكآبة وَهِي الْحزن. وَأَبُو نمير قَالَ اللَّخْمِيّ: هُوَ ابْن عَمه وَكَانَ مسجوناً مَعَه.
وَقَالَ ابْن هِشَام فِي شرح شواهده: هُوَ رجل كَانَ مسجوناً مَعَه فجالسه يَوْمًا وَأظْهر لَهُ التألم.
وَقَالَ الْعَيْنِيّ: هُوَ رجل من قرَابَته زار هدبة أَيَّام حَبسه فأظهر الْحزن. والكآبة. وَقَوله: وَخير القَوْل ذُو اللب أَي: قَول ذِي اللب.
وَرَوَاهُ ابْن المستوفي: وَخير القَوْل ذُو العيج الْمُصِيب بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّة وَالْجِيم وَقَالَ: وَهُوَ مَأْخُوذ من قَوْلهم: مَا عجت بِهِ أَي: لم أَرض بِهِ.
وَإِن روى: العنج بالنُّون فَهُوَ الِاسْم من عنجت الْبَعِير أعنجه عنجاً وَهُوَ أَن يجذب الرَّاكِب قَالَ ابْن السيرافي: والعيج من القَوْل: مَا ينْتَفع بِهِ وَهُوَ مَأْخُوذ من قَوْلهم: مَا عدت بِكَلَامِهِ أَي: مَا انتفعت. كَذَا وجدته: العيج بِفَتْح الْعين وَالْيَاء.
وَقَوله: عَسى الكرب الَّذِي أمسيت فِيهِ.... إِلَخ الكرب: الْهم.
قَالَ ابْن المستوفي: رُوِيَ بِفَتْح التَّاء وَضمّهَا من أمسيت. والنحويون إِنَّمَا يَرْوُونَهُ بِالضَّمِّ وَالْفَتْح عِنْدِي أولى لِأَنَّهُ يُخَاطب ابْن عَمه أَبَا نمير وَكَانَ مَعَه فِي السجْن.
وَقَوله هَذَا لِابْنِ عَمه ليسليه بِهِ لما رَآهُ من خَوفه أَجود من أَن يكون يُرِيد بِهِ نَفسه لِأَن فِي قَوْله لِابْنِ عَمه زجرا لَهُ: مهلا أَي: امهل يدل على مَا ذكرته. وَلَا يجوز أَن يُقَال: إِن اكتئاب ابْن عَمه إِنَّمَا كَانَ حذرا على هدبة لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لما قَالَ لَهُ: مهلا وَلِأَن الْإِنْسَان أَكثر عناية بِنَفسِهِ من عنايته بِغَيْرِهِ.
وَلَا يمْتَنع ضم التَّاء على أَن يُرِيد بِهِ: لَا يضق صدرك بِشَيْء فَإِن الكرب الَّذِي أمسيت فِيهِ يكون لَهُ فرج قريب فيزول مَا عنْدك. انْتهى.)
وَعين اللَّخْمِيّ فتح التَّاء قَالَ: الرِّوَايَة عَن أبي الْقَاسِم الزجاجي ضم التَّاء وَإِنَّمَا هِيَ تَاء الْمُخَاطب لِأَن مَا قبل الْبَيْت يدل عَلَيْهَا لِأَنَّهُ يُخَاطب أَبَا نمير وَهُوَ ابْن عَمه وَكَانَ مسجوناً مَعَه.
وَقَالَ ابْن هِشَام: وَرَاء ظرف مؤنث تصغيره على وريئة وَظُهُور الْهمزَة فِي تصغيره دَلِيل على أَنه لَيْسَ من واريت كَمَا قَالَ بَعضهم. وَالْأَظْهَر أَنه بِمَعْنى أَمَام كَقَوْلِه تَعَالَى: من وَرَائه جَهَنَّم وَكَانَ وَرَاءَهُمْ ملك يَأْخُذ كل سفينة غصبا.
والفرج: انكشاف الْهم. وَفِي يكون ضمير الكرب وَيجوز أَن تكون نَاقِصَة وتامة وعَلى الأول يكون فرج: مُبْتَدأ وَقَرِيب: صفته والظرف: خبر وَالْجُمْلَة الاسمية خبر يكون. وعَلى الثَّانِي تكون الْجُمْلَة حَالا.
وَيجوز على الْوَجْهَيْنِ أَن يكون فرج فَاعِلا بالظرف على أَنه خبر النَّاقِصَة وَحَال من فَاعل التَّامَّة. وَهَذَا أرجح من تَقْدِيره مُبْتَدأ. وَإِنَّمَا لم أقدر فرج اسْم يكون على أَنَّهَا النَّاقِصَة ووراءه الْخَبَر أَو فَاعِلا ليَكُون على أَنَّهَا التَّامَّة ووراءه مُتَعَلق بيكون كَمَا فعل بَعضهم لِأَن فَاعل الْفِعْل الْوَاقِع فِي بَاب كَاد لَا يكون إِلَّا ضميراً رَاجعا للاسم السَّابِق فَلَا يجوز كَاد زيد يَمُوت أَبوهُ.
وَمَا خرج عَن ذَلِك نَادِر فَلَا يحمل عَلَيْهِ مَعَ وجود مندوحة عَنهُ. وَكَذَلِكَ لَا يكون اسْم يكون ضمير الشَّأْن كَمَا قدره جمَاعَة لما ذكرنَا. انْتهى كَلَامه.
وعان: أَسِير. وَأَرَادَ بدار بلوى: السجْن. والناظر هُنَا: المنتظر. والأيد: الْقُوَّة. وكع: جبن وَخَافَ. وَمَا تؤيسه: مَا تذلله وَمَا تُؤثر بِهِ بِالْمُوَحَّدَةِ بعد الْهمزَة. وَبَاقِي أَلْفَاظ القصيدة ظَاهِرَة.
وهدبة هُوَ هدبة بن خشرم بن كرز بن أبي حَيَّة بن الكاهن وَهُوَ سَلمَة
ابْن أسحم بن عَامر بن ثَعْلَبَة بن عبد الله بن ذبيان بن الْحَارِث بن سعد بن هذيم وَسعد: ابْن أسلم بن الحاف بن قضاعة وَيُقَال: بل هُوَ سعد بن أسلم بن هذيم وهذيم عبد لِأَبِيهِ رباه فَقيل: سعد بن هذيم يَعْنِي سَعْدا هَذَا.
وهدبة شَاعِر فصيح مُتَقَدم من بادية الْحجاز وَكَانَ شَاعِرًا راوية وَكَانَ يروي للحطيئة والحطيئة يروي لكعب بن زُهَيْر. وَكَانَ جميل راوية هدبة وَكثير راوية جميل.
وَكَانَ لهدبة ثَلَاثَة أخوة كلهم شَاعِر وَأمه كَانَت شاعرة أَيْضا. كَذَا فِي الأغاني.
وهدبة بِضَم الْهَاء وَسُكُون الدَّال بعْدهَا مُوَحدَة. وخشرم بِفَتْح الْخَاء وَسُكُون الشين)
المعجمتين. وكرز بِضَم الْكَاف وَسُكُون الْمُهْملَة. وَأَبُو حَيَّة بِفَتْح الْمُهْملَة وَتَشْديد الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة.
وَسبب حَبسه على مَا رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ بِسَنَدِهِ فِي الأغاني: أَن هدبة بن خشرم وَزِيَادَة بن زيد بن مَالك بن عَامر بن قُرَّة بن حنيش بن عَمْرو بن ثَعْلَبَة بن عبد الله ابْن ذبيان بن الْحَارِث بن سعد بن هذيم الْمَذْكُور اصْطَحَبَا وهما مقبلان من الشَّام فِي ركب من قومهما فَكَانَا يتعاقبان السُّوق بِالْإِبِلِ وَكَانَ مَعَ هدبة أُخْته فَاطِمَة فَنزل زِيَادَة فارتجز فَقَالَ:
أَلا تَرين الدمع مني ساجماحذار دَار مِنْك أَن تلائما
فعرجت مطرداً عراهمافعماً يبذ القطف الرواسما
كَأَن فِي الْمُثَنَّاة مِنْهُ عائماإِنَّك وَالله لِأَن تباغما
خوداً كَأَن البوص والماكمامِنْهَا نقاً مخالط صرائما
خير من استقبالك السمائماوَمن مُنَاد يَبْتَغِي معاكما
وَقَوله: مَا بَين أَن يرى الْبَعِير أَي: مَا بَين مناخ الْبَعِير إِلَى قِيَامه. ومطرد: متتابع السّير وعراهم: شَدِيد.
وفعم: ضخم. والرسيم: سير فَوق الْعُنُق. والرواسم: الْإِبِل الَّتِي تسير هَذَا السّير.
والمثناة الزِّمَام وعائم: سابح. وتباغم: تكلم. والبوص: الْعَجز. والمأكمتان: مَا عَن يَمِين الْعَجز وشماله.
والنقا: مَا عظم من الرمل. والصرائم: دونه. ومعاكماً أَي: يعينك على عكمك حَتَّى تشده.
فَغَضب هدبة حِين سمع زِيَادَة يرجز بأخته فَنزل فرجز بأخت زِيَادَة وَكَانَت تدعى أم خازم وَقيل: أم قَاسم فَقَالَ:
لقد أَرَانِي والغلام الحازمانزجي الْمطِي ضمراً سواهُمَا
يبلغن أم خازم وخازماإِذا هبطن مستحيراً قاتما
وَرفع الْحَادِي لَهَا الهماهماأَلا تَرين الْحزن مني دَائِما
حذار دَار مِنْك أَن تلائماوَالله لَا يشفي الْفُؤَاد الهائما
تمساحك اللبات والماكماوَلَا اللمام دون أَن تلازما
وَلَا اللئام قبل أَن تفاقماوَتَعْلُو القوائم القوائما
)
وَقَوله: تَقول القلص... إِلَخ أوردهُ النحويون شَاهدا على إِعْمَال القَوْل إِعْمَال الظَّن. والعياهم: الشداد.
قَالَ: فشتمه زِيَادَة وَشَتمه هدبة وتسابا طَويلا فصاح بهما الْقَوْم: اركبا لَا حملكما الله فَإنَّا قوم حجاج. وخشوا أَن يَقع بَينهمَا شَرّ فوعظوهما حَتَّى
أمسك كل وَاحِد مِنْهُمَا على مَا فِي نَفسه وهدبة أشدهما حنقاً لِأَنَّهُ رأى أَن زِيَادَة قد ضامه إِذْ رجز بأخته وَهِي تسمع قَوْله ورجز هُوَ بأخته وَكَانَت أُخْت زِيَادَة غَائِبَة لَا تسمع قَوْله فمضيا وَلم يتحاورا بِكَلِمَة حَتَّى قضيا حجهما ورجعا إِلَى عشائرهما.
وَجعل هدبة وَزِيَادَة يتهاديان الْأَشْعَار. وَلم يزل هدبة يطْلب غرَّة زِيَادَة حَتَّى أَصَابَهَا فَقتله وهرب وعَلى الْمَدِينَة يَوْمئِذٍ سعيد بن الْعَاصِ فَأرْسل إِلَى عَم هدبة وَأَهله فحبسهم بِالْمَدِينَةِ فَلَمَّا بلغ هدبة ذَلِك أقبل حَتَّى أمكن من نَفسه وتخلص عَمه وَأَهله فَلم يزل مَحْبُوسًا حَتَّى شخص عبد الرَّحْمَن بن زيد أَخُو زِيَادَة إِلَى مُعَاوِيَة فأورد كِتَابه إِلَى سعيد بِأَن يُقَيِّدهُ مِنْهُ إِذا قَامَت الْبَيِّنَة.
فكره سعيد الحكم بَينهمَا فحملهما إِلَى مُعَاوِيَة فَلَمَّا صَارُوا بَين يَدَيْهِ قَالَ لَهُ مُعَاوِيَة: قل يَا هدبة.
فَقَالَ: إِن هَذَا الرجل سجاعة فَإِن شِئْت أَن أقص عَلَيْك قصتنا كلَاما أَو شعرًا فعلت. قَالَ: بل شعرًا.
فَقل هدبة هَذِه القصدية ارتجالاً:
أَلا يَا لقومي للنوائب والدهروللمرء يردي نَفسه وَهُوَ لَا يدْرِي
وللأرض كم من صَالح قد تأكمتعَلَيْهِ فوارته بلماعة قفر
فَلَا تتقي ذَا هَيْبَة لجلالهوَلَا ذَا ضيَاع هن يتركن للفقر
حَتَّى قَالَ:
رمينَا فرامينا فصادف رمينَامنايا رجال فِي كتاب وَفِي قدر
وَأَنت أَمِير الْمُؤمنِينَ فَمَا لناوَرَاءَك من معدى وَلَا عَنْك من قصر
وَهَذَا الْبَيْت الْأَخير من شَوَاهِد النَّحْوِيين. وتأكمت: صَارَت أكمة. وروى بدله: قد توأدت قد تلمأت وتلأمت أَي: وارته.) فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة: أَرَاك يَا هدبة قد أَقرَرت بقتل صَاحبهمْ. ثمَّ قَالَ لعبد الرَّحْمَن: هَل لزِيَادَة ولد فَقَالَ: نعم الْمسور وَهُوَ غُلَام صَغِير لم يبلغ وَأَنا عَمه وَولي دم أَبِيه.
فَقَالَ: إِنَّك لَا تؤمن على أَخذ الدِّيَة أَو قتل الرجل بِغَيْر حق والمسور أَحَق بِدَم أَبِيه. فَرده إِلَى الْمَدِينَة فحبس ثَلَاث سِنِين حَتَّى بلغ الْمسور.
وَذهب عبد الرَّحْمَن بالمسور وَقد بلغ إِلَى وَالِي الْمَدِينَة وَهُوَ سعيد بن الْعَاصِ وَقيل: مَرْوَان بن الحكم فَأخْرج هدبة فَلَمَّا مُضِيّ بِهِ من السجْن للْقَتْل والتفت فَرَأى امْرَأَته وَكَانَت من أجمل النِّسَاء فَقَالَ:
أقلي عَليّ اللوم يَا أم بوزعاوَلَا تعجبي مِمَّا أصَاب فأوجعا
وَلَا تنكحي إِن فرق الدَّهْر بَيْننَاأغم الْقَفَا وَالْوَجْه لَيْسَ بأنزعا
كليلاً سوى مَا كَانَ من حد ضرسهأعيبد مبطان العشيات أروعا
ضروباً بلحييه على عظم زورهإِذا النَّاس هشوا للفعال تقنعا
وحلي بِذِي أكرومة وحميةوصبر إِذا مَا الدَّهْر عض فأسرعا
فمالت زَوجته إِلَى جزار وَأخذت شفرته فجدعت بِهِ أنفها وجاءته تدمي مجدوعة فَقَالَت: أتخاف أَن يكون بعد هَذَا نِكَاح قَالَ: فرسف فِي قيوده وَقَالَ: الْآن طَابَ الْمَوْت فَإِذا هُوَ بأبويه يتوقعان الثكل فهما بِسوء حَال فَقبل عَلَيْهِمَا وَقَالَ:
أبلياني الْيَوْم صبرا مِنْكُمَاإِن حزنا إِن بدا بادئ شَرّ
لَا أَرَانِي الْيَوْم إِلَّا مَيتاإِن بعد الْمَوْت دَار المستقر
اصبرا الْيَوْم فَإِنِّي صابركل حَيّ لقَضَاء وَقدر
قَالَ النَّوْفَلِي: حَدثنِي أبي عَن رجل من عذرة عَن أَبِيه قَالَ: إِنِّي لفي بِلَادنَا يَوْمًا فِي بعض الْمِيَاه فَإِذا أَنا بِامْرَأَة تمشي أَمَامِي وَهِي مُدبرَة وَلها خلق عَجِيب من عجز وهيئة وَتَمام جسم وَتَمام قامة وَإِذا صبيان قد اكتنفاها يمشيان قد ترعرعا فتقدمتها والتفت إِلَيْهَا وَإِذا هِيَ أقبح منظر وَإِذ هِيَ مجدوعة
الْأنف مَقْطُوعَة الشفتين فَسَأَلت عَنْهَا فَقيل لي: هَذِه امْرَأَة هدبة تزوجت بعده رجلا أولدها هذَيْن الصَّبِيَّيْنِ.
قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي حَدِيثه: فَسَأَلَ سعيد بن الْعَاصِ أَخا زِيَادَة أَن يقبل الدِّيَة عَنهُ فَقَالَ: أُعْطِيك مَا لم يُعْطه أحد من)
الْعَرَب: أعطك مائَة نَاقَة حَمْرَاء لَيْسَ فِيهَا ذَات دَاء. فَقَالَ لَهُ: وَالله لَو نقبت لي قبتك هَذِه ثمَّ وَلم يزل سعيد يسْأَله حَتَّى عرض عَلَيْهِ سِتّ ديات فَأبى فَدفعهُ إِلَيْهِ حِينَئِذٍ لقَتله بأَخيه فَاسْتَأْذن هدبة فِي أَن يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فَأذن لَهُ فصلاهما وخفف ثمَّ الْتفت إِلَى من حضر فَقَالَ: لَوْلَا أَن يظنّ بِي الْجزع لأطلتهما فقد كنت مُحْتَاجا إِلَى إطالتهما.
ثمَّ قَالَ لأَهله: إِنَّه بَلغنِي أَن الْقَتِيل يعقل سَاعَة بعد سُقُوط رَأسه فَإِن عقلت فني قَابض رجْلي وباسطها ثَلَاثًا فَفعل ذَلِك حِين قتل.
وَقَالَ قبل أَن يقتل:
إِن تقتلوني فِي الْحَدِيد فإننيقتلت أَخَاكُم مُطلقًا لم يُقيد
فَقَالَ عبد الرَّحْمَن أَخُو زِيَادَة: وَالله لَا قتلته إِلَّا مُطلقًا من وثَاقه. فَأطلق لَهُ وَتَوَلَّى قَتله ابْنه الْمسور دفع إِلَيْهِ عَمه السَّيْف وَقَالَ: قُم فَاقْتُلْ قَاتل أَبِيك. فَقَامَ فَضَربهُ ضربتين قَتله فيهمَا.
وهدبة أول من سنّ رَكْعَتَيْنِ عِنْد الْقَتْل. هَذَا مَا اختصرته من الأغاني.
وَأنْشد بعده
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع