من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
فَإِن أهلك فذي حنق لظاه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَأنْشد بعده:)
وقاتم الأعماق خاوي المخترق على أَن رب المحذوفة بعد الْوَاو تجر فِي الشّعْر وقاتم: مجرور بهَا.
قَالَ الْأَصْمَعِي: القتمة: الغبرة. وأسود قاتم. أَي: رب بلد مغبر. والأعماق: جمع عمق بِفَتْح الْعين وَضمّهَا وَهُوَ مَا بعد من أَطْرَاف المفاوز. والخاوي: الْخَالِي.
والمخترق بِفَتْح الرَّاء: مَكَان الاختراق من الْخرق وَهُوَ الشق اسْتعْمل فِي قطع الْمَفَازَة. تَقول: خرقت الأَرْض إِذا قطعتها. ومخترق الرِّيَاح وَنَحْوهَا: ممرها.
وَهَذَا الْبَيْت من أرجوزة لرؤبة تقدم شَرحه مفصلا فِي الشَّاهِد الْخَامِس من أول الْكتاب.
وَأنْشد بعده
فَإِن أهلك فذي حنق لظاهعَليّ تكَاد تلتهب التهابا
على أَن رب المحذوفة بعد الْفَاء تعْمل الْجَرّ فِي الشّعْر. وَذي حنق مجرور بهَا.
قَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة: ذِي مجرورة بِرَبّ أَي: فَرب ذِي حنق. وحذفها للْعلم بموضعها كَقَوْل الآخر: ورسم دَار وقفت فِي طلله كدت أَقْْضِي الْغَدَاة من جلله أَي: وَرب رسم دَار. وَهَذَا يدْفع قَول أبي الْعَبَّاس إِن الْوَاو فِي نَحْو قَوْله:
وبلد تحسبه مكسوحاً هِيَ الَّتِي جرت بَلَدا لما خلفت رب فَكَانَت عوضا.
أَلا ترى أَنه قَالَ: فذي حنق أَي: فَرب ذِي حنق. وَلَا يَقُول أحد إِن الْفَاء عوض من رب.
وَقَول الآخر:
بل بلد ملْء الفجاج قتمه وَلَا يَدعِي أحد أَن بل عوض من رب. فَإِذا صَحَّ هَذَا وَثَبت فِي الْفَاء وبل كَانَت الْوَاو مَحْمُولَة على حكمه. انْتهى.
وَرِوَايَة بَيت جميل بالخزم وَهُوَ زِيَادَة الْوَاو فِي أَوله هُنَا رِوَايَة غير مَشْهُورَة وَبهَا يخرج الْبَيْت ولظاه: مُبْتَدأ وَالْهَاء ضمير ذِي حنق. وَجُمْلَة: تكَاد تلتهب خَبره وكل مِنْهُمَا مُسْند إِلَى ضمير مؤنث يعود إِلَى اللظى فهما بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّة. وَجوز الشمني بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّة مسندين إِلَى ضمير مُذَكّر يعود إِلَى اللظى لاكتسابه التَّذْكِير من الضَّمِير الْمُضَاف إِلَيْهِ.)
وَعلي مُتَعَلق بتلتهب وَقيل: مُتَعَلق بلظاه لما فِيهِ من معنى الاشتداد والتوقد. وَفِيه نظر لِأَن الْمَعْنى لَيْسَ عَلَيْهِ. واللظى: النَّار استعيرت للحنق بِفَتْح الْمُهْملَة وَالنُّون وَهُوَ الغيظ وَقيل: شدته. وَهلك جَاءَ من بَابي ضرب وَعلم.
وَذُو بِمَعْنى صَاحب وَالْفَاء مَعهَا للربط للجواب بِالشّرطِ فَإِنَّهَا تجب مَعَ كل جَوَاب لَا يَصح وُقُوعه شرطا وَالْجَوَاب هُنَا فِي الْحَقِيقَة هُوَ جَوَاب رب وَهُوَ
مخضت أول الْبَيْت الْآتِي. وَإِنَّمَا قدمت رب عَلَيْهِ لِأَن لَهَا الصَّدْر وَرب تحذف بعد الْفَاء مُطلقًا سَوَاء كَانَت فَاء الْجَواب كَمَا هُنَا أَو عاطفة كَمَا فِي قَول امْرِئ الْقَيْس:
فمثلك حُبْلَى قد طرقت ومرضعفألهيتها عَن ذِي تمائم محول
قَالَ ابْن هِشَام فِي بحث الْفَاء من الْمُغنِي: السَّادِسَة أَي: من الْمسَائِل الَّتِي تكون فِيهَا الْفَاء رابطة للجواب حَيْثُ لَا يَصح أَن يَقع شرطا: أَن يقْتَرن بِحرف لَهُ الصَّدْر كَقَوْلِه:
فَإِن أهلك فذي حنق الْبَيْت وَقَوله: لَهَا الصَّدْر جَوَاب سُؤال مُقَدّر وَهُوَ أَن جَوَاب الشَّرْط فِي مثل هَذَا إِنَّمَا هُوَ جَوَاب رب وَهُوَ فعل مَاض يجب مَعَه ترك الْفَاء فَكيف وَجَبت الْفَاء أجَاب بِأَن رب لما وَجب تَقْدِيمهَا على جوابها لصدارتها كَانَت فِي الظَّاهِر هِيَ الْوَاقِعَة جَوَاب الشَّرْط وَهِي لَا تصح أَن تقع شرطا فَوَجَبَ أَن تقترن بِالْفَاءِ وَفَاء بِمُقْتَضى الضَّابِط.
وَلم أر أحدا من شرَّاح الْمُغنِي بَين معنى قَوْله: وَأَنَّهَا لَهَا الصَّدْر.
وَقَالَ الإِمَام المرزوقي فِي شرح الحماسة وَتَبعهُ جَمِيع شراحها: فَإِن قيل: إِن الْفَاء فِي جَوَاب الْجَزَاء إِنَّمَا تَجِيء إِذا خَالف الْجُمْلَة الَّتِي تكون جَزَاء الْجُمْلَة الَّتِي
تكون شرطا بِأَن تكون مُبْتَدأ وخبراً فَكيف يكون تقديرهما بعد الْفَاء هَا هُنَا قلت: يكون التَّقْدِير: إِن أهلك فَالْأَمْر والشأن: رب ذِي حنق بِهَذِهِ الصّفة فعلت بِهِ كَذَا. فَقَوله: رب ذِي حنق خبر الْمُبْتَدَأ الَّذِي أظهرناه. انْتهى.
وَفِيه نظر من وَجْهَيْن: الأول: لَا ينْحَصر وجوب اقتران الْفَاء بِالْجُمْلَةِ الاسمية الْوَاقِعَة جَوَابا لشرط بل الْحصْر فِي سِتّ صور كَمَا بَينهَا صَاحب الْمُغنِي.
الثَّانِي: أَن رب لَهَا الصَّدْر لَا تقع خبر مُبْتَدأ أبدا إِذْ الْعَامِل فِي الْخَبَر هُوَ الْمُبْتَدَأ وَلم يسمع)
تقدم عَامل لَهَا عَلَيْهَا. على أَن قَوْله هَذَا لَا يَصح مَعَ قَوْله: إِن مخضت فِي الْبَيْت الْآتِي جَوَاب رب. فَتَأمل.
وَالْعجب من السُّيُوطِيّ حَيْثُ تبعه فِي شرح أَبْيَات الْمُغنِي فَقَالَ: قَوْله: فذي حنق... إِلَخ جَوَاب الْجَزَاء وَالتَّقْدِير: إِن أهلك فَالْأَمْر والشأن رب ذِي حنق.
وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات ثَمَانِيَة لِرَبِيعَة بن مقروم الضَّبِّيّ أوردهَا أَبُو تَمام فِي الحماسة وَهِي:
أَخُوك أَخُوك من يدنو وترجومودته وَإِن دعِي استجابا
إِذا حَارَبت حَرْب من تعاديوَزَاد سلاحه مِنْك اقترابا
وَكنت إِذا قريني جاذبتهحبالي مَاتَ أَو تبع الجذابا
فَإِن أهلك فذي حنق.......... الْبَيْت
مخضت بدلوه حَتَّى تحسىذنُوب الشَّرّ ملأى أَو قرابا
بمثلي فاشهد النَّجْوَى وعالنبِي الْأَعْدَاء وَالْقَوْم الغضابا
فَإِن الموعدي يرَوْنَ دونيأسود خُفْيَة الغلب الرقابا
كَأَن على سواعدهن ورساًعلا لون الأشاجع أَو خضابا
قَوْله: أَخُوك أَخُوك من تَدْنُو... إِلَخ قَالَ المرزوقي: أَخُوك مُبْتَدأ وَكرر تَأْكِيدًا وَمن يدنو وَالْمعْنَى: مخالصك فِي الْأُخوة والود من يقرب مَكَانَهُ مِنْك وتحسن شفقته مِنْك وَإِن استغثت بِهِ لملمة أغاثك. وَيجوز أَن يكون من يدنو أَرَادَ بِهِ قرب النصح والشفقة لَا تقَارب الدَّار.
وَقَالَ ابْن جني: لَك فِي أَخُوك الثَّانِي أَن تَجْعَلهُ بَدَلا وَأَن تَجْعَلهُ خبر الأول إِنَّمَا يسْتَحق أَن تَدْعُو الرجل أَخَاك إِذا كَانَ أَخَاك فِي الْحَقِيقَة كَقَوْلِك: فعلته إِذْ النَّاس نَاس ثمَّ أبدل مِنْهُ من يدنو.
انْتهى.
وَقَالَ التبريزي: وَيجوز أَن يَجْعَل أَخُوك الثَّانِي خَبرا للْأولِ كَقَوْلِه:
فَقلت لَهُ تجنب كل شَيْءيعاب عَلَيْك إِن الْحر حر
وَأما قَول الآخر:
سَلام هِيَ الدُّنْيَا قروض وَإِنَّمَاأَخُوك أَخُوك المرتجى فِي الشدائد
فَهُوَ مثل الأول.
وَإِن شِئْت جعلت قَوْله: أَخُوك الثَّانِي توكيداً وَجعلت المرتجى خَبرا. وَإِن شِئْت جعلت قَوْله:)
أَخُوك خَبرا والمرتجى نعتاً لَهُ وَيكون قَوْله: من يدنو
من الْبَيَان الدَّاخِل فِي صفته بَدَلا من قَوْله: أَخُوك الثَّانِي. فَهَذَا الْمَعْنى يحْتَمل أَن يكون حثاً على إكرام الْغَرِيب إِذا نصح وأخلص كَمَا قَالَ الْأَعْشَى: وَيجوز أَن يكون وصاة بالأخ الْمُنَاسب وإخباراً أَن المؤاخي بِغَيْر النّسَب لَا ينْتَفع بإخائه. هَذَا كَلَامه.
وَقَوله: إِذا حَارَبت... إِلَخ قَالَ المرزوقي: يجوز أَن يكون هَذَا مُتَّصِلا بِمَا قبله وَالضَّمِير فِي حَارب لأخوك وَمن تعادي مفعول حَارَبت.
وَالْمعْنَى إِذا حَارَبت من تعادي حَارب هَذَا المؤاخي لَك مَعَك وَزَاد نصرته وعدته مِنْك قرباً مَا دمت مُحَاربًا.
وَيجوز أَن يكون مُنْقَطِعًا مِمَّا قبله وَيكون مثلا مَضْرُوبا فَيَقُول: إِذا كاشفت عَدوك بَعثه ذَلِك على مكاشفتك وازداد عدته من الكيد وَغَيره مِنْك دنواً. وَإِذا جاملته وداجيته بَقِي على مَا ينطوي عَلَيْهِ مساتراً لَا مجاهراً.
وَزَاد التبريزي: أَرَادَ أَنَّك إِذا حَارَبت قرب مِنْك وَمَعَهُ سلاحه ليعينك. فَذكر قرب السِّلَاح ليدل على أَنه أَرَادَ إعانته على عدوه. وَلَو ذكر أَنه يقرب نَفسه مِنْهُ لم يدل على ذَلِك لِأَنَّهُ يجوز أَن يقرب مِنْهُ وَلَا يُعينهُ.
وَقَوله: وَكنت إِذا قريني... إِلَخ يَقُول: إِذا جاذبني قرين لي حبلاً بيني وَبَينه فإمَّا أَن يَنْقَطِع دون شأوي إِلَى الجذاب فَيهْلك وَإِمَّا أَن يتبع صاغراً فينقاد.
وَقَوله: فَإِن أهلك... إِلَخ هَذَا الْكَلَام تسل عَن الْعَيْش بعد قَضَاء حَاجته وَإِدْرَاك ثَأْره وَلَوْلَا مَا تسهل لَهُ من ذَلِك لَكَانَ لَا يسهل عَلَيْهِ انْقِطَاع الْعُمر وَلَو مَاتَ لمات بغصة.
فَيَقُول: إِن أمت فَرب رجل ذِي غيظ وَغَضب تكَاد نَار عداوته تتوقد توقداً أَنا فعلت بِهِ كَذَا.
وَقَوله: مخضت بدلوه... إِلَه هَذَا جَوَاب رب يَقُول: رب إِنْسَان هَكَذَا أَنا حركت بدلوه الَّتِي أدلاها فِي الْأَمر الَّذِي خضنا فِيهِ حَتَّى ملأتها. وَجعل الدَّلْو كِنَايَة عَن السَّبَب الَّذِي جاذبه فِيهِ والطمع الَّذِي جرأه عَلَيْهِ.
قَالَ: فتحسى دلو الشَّرّ مَمْلُوءَة أَو قريبَة من الامتلاء. وقراب الملء: أَن يُقَارب الامتلاء. وَيُقَال:)
قرَاب بِكَسْر الْقَاف وَضمّهَا.
وَالْمعْنَى: جعلت شربه من الشَّرّ شرباً مروياً. فَكَأَن المُرَاد أَن هَذَا المعادي الممتلئ غيظاً لما ألْقى دلوه يَسْتَقِي بهَا المَاء من بئري ملأتها شرا وَجَعَلته سقياه.
والمخض بِالْخَاءِ وَالضَّاد المعجمتين: تَحْرِيك الدَّلْو فِي الْبِئْر ليمتلئ. والذنُوب: الدَّلْو الَّتِي يكون لَهَا ذَنْب وَهِي هُنَا مثل: يَقُول: جنيت عَلَيْهِ الشَّرّ حَتَّى مله.
وَقَوله: بمثلي... هَذَا الْبَيْت وَمَا بعده لم يَقع فِي أصل المرزوقي حَتَّى
يشرحه أَي: جاهر بمثلي وَقَوله: فَإِن الموعدي...
قَالَ التبريزي: يُرِيد الغلب رقابا وانتصابه على التَّشْبِيه بالضارب الرجل.
وَقَوله: كَأَن على سواعدهن أَي: كَأَن على سواعد هَذَا الْأسود الورس أَو الخضاب من كَثْرَة مَا افترست الفرائس. والأشاجع: عروق ظَاهر الْكَفّ وَالْوَاحد أَشْجَع.
وَرَبِيعَة بن مقروم: شَاعِر مخضرم تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ بعد الستمائة.
وَأنْشد بعده
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع