من «الأزمنة والأمكنة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
الفصل الأول [في بيان أنواع الرياح]
قال أبو سعيد: أخبرنا أبو الحسن الطّوسي: حدّثنا ابن الأعرابي عن الأصمعي وغيره. (قالوا): الرّياح أربع: الجنوب- والشّمال- والصّبا- والدّبور- قال ابن الأعربي وكلّ ريح بين ريحين فهي نكباء والجمع نكب.
فأمّا مهبّهنّ: فابن الأعرابي قال: (مهبّ الجنوب) من مطلع سهيل إلى مطلع الثّريا.
والصّبا: من مطلع الثّريا إلى بنات نعش.
والشّمال: من بنات نعش إلى مسقط النّسر الطائر.
والدّبور: من مسقط النّسر الطّائر إلى مطلع سهيل.
والنّكب: كلّها داخلة في هذا القول في الأربع.
قال: والجنوب والدّبور لهما هيف. (الهيف): الرّيح الحارة. قال: والصّبا والشّمال لا هيف لهما، والعرب تجعل أبواب بيوتها حذاء الصّباء ومطلع الشّمس.
وقال الأصمعيّ: ما بين سهيل إلى حرف بياض الفجر جنوب، وما بإزائها مما يستقبلها من الغرب شمال.
وما جاء من وراء البيت الحرام: فهو دبور، وما جاء قبالة ذلك فهو صباء والصّباء القبول. قال: وإنما سمّيت قبولا لأنّها استقبلت الدّبور. وقال المبرّد: سمّيت قبولا لأنّها لطيبها تقبلها النّفوس.
وذكر أبو يحيى بن كناسة أنّ خالد بن صفوان قال: الرّياح أربع: (الصّبا) ومهبّها ما
بين مطلع الشّرطين إلى القطب. (ومهبّ الشّمال) ما بين القطب إلى مسقط الشّرطين.
(ومهبّ الدّبور) ما بين مسقط الشّرطين إلى القطب الأسفل. و (مهبّ الجنوب) ما بين القطب الأسفل إلى مطلع الشّرطين.
وحكي عن جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب أنه قال: الرّياح ستّ: القبول، وهي:
الصّبا- والدّبور- والشّمال- والجنوب- والنّكباء- وريح سادسة يقال لها محوة.
ثم فسّر ذلك فجعل ما بين المشرقين مخرج القبول وهي الصّبا. وجعل ما بين المغربين مخرج الدّبور. وجعل ما بين مشرق الصّيف إلى القطب مخرج النّكباء. وجعل ما بين القطب إلى مشرق الصّيف مخرج الشّمال، وجعل ما بين مغرب الشّتاء إلى القطب الأسفل مخرج الجنوب. وجعل ما بين القطب الأسفل إلى مخرج الشّتاء مخرج محوة.
قال أبو يحيى: النّاس على قول خالد: فالقبول هي المشرقيّة لأنّها من قبل المشرق تجيء. قال:
إذا قلت هذا حين أسلو يشوقنينسيم الصّبا من حيث يطلع الفجر
والدّبور: تناوحها وهي المغربيّة. قال أبو حنيفة؛ وهاتان الرّيحان على ما ذكرنا في جميع الأرض.
فمهب الصّبا بكل بلد من قبل مشرقه. ومهبّ الدّبور من قبل مغربه.
وكذلك الرّيحان الآخران مهبّهما بكل بلد من جهة القطبين. فأما قولهم للجنوب اليمانية وللشّمال الشّامية فلأنّ مهبّهما كذلك هو بالحجاز ونجد فالشّمال تأتيهم من قبل الشّمال. والجنوب من قبل اليمن.
وليس ذلك بلازم لكل بلد لا يكون الشّمال ببلاد الرّوم شاميّة ولا الجنوب ببلاد الزّنج يمانيّة، فاعلموا ويقال: هبّت الرّيح تهب هبوبا.
وحكي عن بعض العرب: أنّ الريح لشدّة الهبوب. ويقال: جنبت الرّيح تجنب جنوبا. ومن الشّمال شملت الرّيح تشمل شمولا. وصبت تصبو صبوا وصبا. وقبلت تقبل قبولا وقبلا. ودبرت تدبر دبورا.
ويقال في الشّمال: شمأل وشامل وشمل وشميل وشمول، ويقال: هبّت الشّمال وهبّت شمالا، وهبّت ريح الشّمال، وهبت ريح شمال. قال جرير شعرا:
هبّت شمالا فذكرى ما ذكرتكمإلى الصّفا إلى شرقّي حورانا
وجعل قوله شمالا صفة، ونصبه على الحال.
وقال:
وهبّت الشّمال البليل وإذبات كميع الفتاة ملتفعا
ويسمّى الجنوب: الأزيب، ويسمّى النّعامى، قال أبو ذؤيب:
مرته النّعامى فلم يعترفخلاف النّعامى من الشّام ريحا
وتسمّى الشّمال محوة، ويقال: هاجت محوة غير مجراه، وتسمّى الجريباء. قال ابن أحمر:
بواد من قسا ذفر الخزاميتداعي الجريباء به الحنينا
وإنّما سمّيت محوة لأنّها تمحو السّحاب: تكشفه وتذهب به، ويقال: أصبحت السّماء صحوة محوة إذا انمحى ما عليها من السّحاب.
قال أبو زيد: من أسماء الدّبور: محوة والقفواء. وعند الأصمعي: محوة اسم للشّمال ويسمّى أيضا مسعا ونسعا. قال شعرا:
قد حال دون دريسيه ماؤبهتسع لها بعضاة الأرض تهزيز
ويقال: أجنبنا وأشملنا وأدبرنا وأصبينا أي دخلنا فيها، وكذلك أرحنا فإن أردت أنّها أصابتنا قلت: قبلنا وصبينا، فنحن مصبؤون ومصبيّون وجنبنا ودبرنا ورحنا فنحن مريحون.
قال:
غير درست غير رماد مكفورمكتئب اللّون مريح ممطور
وقال آخر: مجنوبة الدّل مشمول خلائقها.
وخالف الطّرمّاح أكثر العرب فجعل الهيف في البرد فقال:
وطفأ سارية وهيف مبرد
وقال أبو زياد يقول: إذا كان يوم ريح هذا يوم هائف طيب، ومن أمثالهم: ذهبت هيف لأديانها. وقال ذو الرّمة:
أهاضيب أنواء وهيفان جرّتاعلى الدّار أعراف الجبال الأعافر
وثالثة تهوي من الشّام حرجفلها سنن فوق الحصى بالأعاصر
ورابعة من مطلع الشّمس أجلفتعليها بدقعاء المعا فقراقر
فذكر الرّياح الأربع كلّها فجعل الجنوب والدّبور منها يحيي الخير، وهما الهيفان-
وقال الرّاعي: وذكر ريح الشّتاء فغلب عليها الشّمال لأنها أشدّ ريحي الشّتاء بردا:
وهبّت بأرواح الشّتاء عليهمشمال يؤدّي الرّائحات نسيمها
وقال أوس في مثله:
وعزّت الشّمال الرّياح وإذبات كميع الفتاة ملتفعا
وقال أيضا:
وغداة ريح قد وزعت وقرةإذ أصبحت بيد الشّمال زمامها
ومن صفاتها عند هبوبها وقد اشتدّ خزيق قال جميد:
بمثوى حرام والمطيّ كأنّهاقنا مسند هبّت لهنّ خزيق
والنّافجة: أوّل كلّ ريح إذا اشتدّت. قال ذو الرّمة:
يستنّ في ظلّ عراص ويطردحفيف نافجة عثنونها خضب
وريح نوج: شديدة، قال العجّاج: واتّخذته النّافجات مناجا.
وريح سيهواء وسيهوج: سريعة المر، شديدة القشر للأرض. وقال رجل من بني سعد شعرا:
يا دار سلمى بين دارات العوججرّت عليها كلّ ريح سيهوج
وقال ذو الرّمة:
وصوح البقل ناح يجيء بههيف يمانية في مرّها نكب
وريح زفزف: لها صوت كزفزفة الظّليم. وريح هدوج تسمع لها هدجة، وريح هفافة والهفهفة سرعة المرّ. وريح ريدة رادة وريدانة من راد يرود. قال ابن ميّادة:
أهاجك المنزل والمحضررادت به ريحانة صرصر
وقال آخر: جرّت عليها كلّ ريح ريدة. وقال ابن أحمر:
ولهت عليها كلّ معصفةهوجاء ليس للبها زبر
قوله ليس للبها زبر: مثل يقال للرّجل إذا كان ذا رأي وحجى إنّه لذو زبر وذو جول والزّبر طي البير بالحجارة.
والسّموم: الرّيح الحارة باللّيل والنّهار. والحرور مثلها. والسّمام: الرّيح الحارّة وهي
السّموم. ويقال: يوم ذو سمائم، ولا يقال: يوم ذو حرائر وليلة سموم وليلة ذات سموم.
وحكى ابن الأعرابي: يوم سام ومسم. ويقال: حرّ يومنا، وحرّت ليلتنا وهو يحر ويحر حكاهما جميعا ابن الأعرابي واللّحياني، وقد حرّرت يا يوم وحرّرت يا رجل. وأنت تحر حرارة وحرة. ورجل حرّان، وامرأة حرّى من العطش. وقوم حراري وحرارى وحرار.
ونسوة حريات وحرارى. وقد قرّ يومنا، وهو يقر مرفوعة القاف ولغة قليلة يقرّ.
واللّجوج: الدّائمة الهبوب لا تكاد تسكن.
والرّياح: اللّواقح تثير السّحاب بإذن الله وتلقح الشّجر. والذّاريات التي تذر التّراب.
والعقيم: التي لا تلقح السّحاب. والرّهاء والرّهو: جميعا اللّينة، وقد رهت ريحها أي سكنت بعد شدة. والشّفان: الرّيح الباردة، وإنّ ريحها لذات شفان، وأمست ريحها تشف شفيفا إذا اشتدّ بردها، ويقال: ليلة شفان. وقال:
وليلة شفان بأرض كريهةأقمت بها صحبي ولمّا أعرّس
أي أقمتهم على السّير والحرجف: الباردة. ويقال: ليلة حرجف وريح حرجف للشّديدة الهبوب.
والجيلان: التي تجيل الحصى. ويقال: ريح ذات جيلان وريح جائلة. والعجاج: الغبار وعجّ يومنا بعجاج، وريح عجاجة وذات عجاج. والإعصار: التي ترفع التراب لشدة هبوبها بين هبوبها بين السّماء والأرض، وإنّما هي في مكان واحد. وقد عصرت الرّيح بأعاصير وريح معصر.
والهباء: التّراب الذي تطيّره الرّيح، تراه على وجوه النّاس وثيابهم والهبوة: الغبرة تراها في السّماء. ويقال: إنّ يومنا لذو هبوة ولا يقال: أرى في السّماء هباء، ولا يومنا ذو هباء، ولكن ذو هبوة إذا كانت الرّياح تجيء بتراب مثل الزّريرة. والغبرة: الغبار وقد اغبرّ يومنا، ورجل مغبر في حاجته إذا قصد لها وجدّ فيها. وقد أقتم يومنا، ويوم ذو قتام، وفي السّماء قتمة وغبرة ويقال: قتمة أيضا.
قال الأصمعي: والحرجوج: الدائمة الهبوب المتمادية، والصّر: القر بلا ريح.
ويقال: يوم صر، وليلة صر وليلة صر. والهوجاء: الشّديدة كأنّ فيها هوجاء. والنّسيم:
الرّويد وقد نسمت وتنسمها وريح ذات نسيم. والرّامسات: التي تعفي الآثار، وترمس الحجرة، أي تدفنها. والسّافية: التي تسفي التّراب ويوم ذو سافياء، وريح قاصف تكسر ما تمر به. والمجافيل: الشّداد يجفلن الشّجر وريح جافلة: والمور العجاج والحاسة الباردة تحرق النّبات.
والبارح: الشّديدة تجيء في القيظ. ويقال: إنّ يومنا لبارح. وريح حاصبة وضربتنا بحاصب.
والنّافجة: ينتفج برد.
والخجوج: الشّديدة الهبوب ولا تكون إلا في القيظ، وقد خجّت الرّيح خجيجا.
والهارية: الشّديدة البرد. قال الكميت:
نباري الرّيح ما هرأت وفئنالأموال الغرائب ضامنينا
نصب ضامنينا بفئنا، ومعنى: فئنا: رجعنا ويروى وقئنا كأنه قال: وقئنا لأموال الغرائب وينتصب ضامنين على الحال كما يقول: وقينا السّماحة والهارية.
والبليل: والحاسة في الشّتاء ويقال: أصابتنا ريح بليل، ويوم بليل، وليلة بليل أي باردة، وإن لم يكن فيها ريح.
والنّعور: التي تفجأك ببرد وأنت في حرّ، أو بحرّ وأنت في برد. والهدوج: التي تزعزع كلّ شيء.
ويقال: راح يومنا يراح: إذا اشتدّت ريحه، ويوم راح وريح. ويقال: سكنت الرّيح وفترت وسجت. فأما قول ذي الرّمة وهو يصف قفرا شعرا:
إذا هبّت الرّيح الصّبا درجت بهغرائب من بيض هجائن دردق
فإنّما اكتفى بذكر هبوب الصّبا لأنّه علم أنّ ذلك يكون في الشّتاء فكأنّه قال: إذا كان الشّتاء درجت بهذا البلد خفان النّعام، والنّعام لا توطن إلّا القفر البعيد من الأنس. وكلّ مواطنه النّعام. فالخفان فيه في الشّتاء موجود لأنّها تبتدىء البيض في الوسمي. وقيل:
الشّتاء أكثر ذلك، ولهذا قال ذو الرّمة:
حتى إذا الهيق أمسى شأم أفرخهوهنّ لا مؤيس نابا ولا كتب
يرقد في ظلّ عراص ويطردهحفيف نافجة عثنونها خضب
تبرى له صلعة خرجاء خاضعةفالخرق دون بياض البيت منتهب
ويل أمّها روحة والريح معصفةوالويل مرتجز واللّيل مغترب
لا يأمنان سباع اللّيل أو برداإن أظلما دون أطفال لها لجب
ويقال: عصفت الرّيح وأعصفت، وفي القرآن: فِي يَوْمٍ عاصِفٍ
فهذا شأن الرّياح والبلاد والمواطن من بعد يختلف، فربّ بلد يكون تأذّي أهله
بإحدى الرّياح أشدّ من تأذّيها بسائرها، ويكون بعضها أوفق لهم وإن كانت أكرهها إلى غيرهم، كالّذي يذكر من أنّ الجنوب أحبّ الرّياح إلى أرض الحجاز في الشّتاء والصّيف، ذكر ذلك أبو الحسن الأثرم.
وعكاك: الجنوب يتعوّذ غيرهم منها قال ذو الرّمة شعرا:
إلى بلد لم ينتجعه بعكّةجنوب ولم يغرس بها النّخل غارس
وكالذي ذكره ابن الأعرابي عن الرّوحي من تأذّي أهل سابة والشّارة ونواحيها بالصّبا، وكراهتهم لها، وأنها إذا اشتدّ هبوبها عندهم طوى النّاس وطابهم، لأنّ الألبان تقلّ، والوطاب تجف لأنّها ترضع في ضروع الغنم أي ينشفه، ومنزلهم بين مكّة والمدينة، هذا وإن كان الآخر قال:
فإنّ الرّيح طيّبة قول. وقال طرفة:
وأنت على الأقصى صبا غير قرّةتذاب منها مزرع ومسيل
وقال آخر:
فإنّ الصّبا ريح إذا ما تنسّمتعلى كبد حرّى تجلّت غمومها
وزعم ابن الأعرابي أنّ الجنوب إنّما يشتدّ حرّها بالعراق، فأمّا بالحجاز فلا. وأنشد قول كثيّر:
جنوب تسامى أوجه الرّكب مسّهالذيذ ومسراها من الأرض طيّب
وهذا من حال الرّياح في دارنا وأوطاننا متعالم أيضا، وكما اختلف في هذا الباب اختلف في الأمطار أيضا، ولا زعم من ذلك ما ذكر عن أبي عبيدة أنه قال: الشّمال: عند العرب للرّوح، والجنوب: للأمطار، والأنداء واللّثق والغمق والدّبور للبلاء، وأهونه أن يكون غبارا عاصفا تقذي الأعين وهي أقلّهن هبوبا، والصّبا لإلقاح الأشجار.
ويقال: إذا كان النّشأ من العين ثم ألقحته الجنوب- وأبست به الصّبا واستدرته الشمال- فذلك أجود ما يكون من المطر، وأنشد في ذلك:
لتلقيحها هيج الجنوبويقبل الشّمال نتاجا
والصّبا جالب بمرى. وقال آخر:
مرته الصّبا وزهته الجنوبوانتجفته الشّمال انتجافا
والانتجاف: استخراج أقصى ما فيه.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع