تجاوز إلى المحتوى

من «اللطائف والظرائف» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)

باب مدح الضياع

حدّث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، ﵂، عن النبي ﷺ، أنه قال: «التمسوا الرزق في خبايا الأرض» وكان عروة يقول: ازرع أما لك أرض؟ أما سمعت قول القائل:

أقول لعبد الله لما لقيتهيسير بأعلى الرقمتين مشرقا
تتبع خبايا الأرض وادع مليكهالعلك يوما أن تجاب وترزقا

وقال بعض السلف: من أراد أن يتوسع في الرزق فليقتن مع تجارة له ضيعة، ألا ترى أن الله تعالى قد قرن بينهما في كتابه فقال:

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ

»

. وقيل لسفيان بن عيينة: ما بال الرجل يبيع الضيعة فلا يبارك له في ثمنها. فقال: أما سمعتم قوله تعالى في وصف الأرض: وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها

. فكيف يبارك في ثمن يزيل عن ملكه شيئا قد بارك الله فيه. وفي الخبر: «من باع عقارا ولم

يصرف ثمنه في مثله كان كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف».

وقال إسماعيل بن صبيح لصديق له: اتخذ لك ضيعة تعينك إذا جاءتك الاخوان. وقيل:

إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصداندمت على التفريط في زمن البذر
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «صبرت وكان الصبر مني سجية»

وفي الكتاب المبهج: فلاح المعيشة في الفلاحة ولا ضيعة على من له ضيعة، وفيه: قص جناح المال الطيار باعتقال العقار، وفيه:

ليس بحازم من باع العقار، وابتاع العقار، وشرى الماء، واشترى الإماء. وعن أنس بن مالك، ﵁ عن النبي ﵊ أنه قال: «إن قامت القيامة وفي يدك فسيلة فاغرسها».

وروى الجاحظ باسناد له عن عبد الله بن سلام: «لا تدع غرس يدك ولو سمعت أن الدجال خرج»، وقيل لعثمان بن عفان ﵁: أتغرس بعد الكبر؟ قال: لأن توافيني الساعة وأنا من المصلحين، خير من أن توافيني وأنا من المفسدين؛ وقيل لأبي الدرداء وهو يغرس جرزة: أتغرس بعد الكبر وأنت شيخ وهي لا تطعم إلا بعد عشرين سنة أو ثلاثين؟ فقال: وما عليّ أن يكون الأجر لي والهناء لغيري؟ ويقال: مر كسرى بشيخ كبير يغرس فسيلة فقال: أترى أن تأكل من ثمرها؟ فقال: لا ولكنني وجدت أرض الله عامرة فأحببت

أن لا تخرب على يدي.

ويقال: إن شيخا كان يغرس شجر النارجيل وهي لا تثمر إلا بعد أربعين سنة فمر به كسرى وقال له: أتعيش إلى أن تأكل منها؟

فقال الشيخ: غرسوا وأكلنا ونغرس فيأكلون، فقال كسرى: زه زه وأمر له بأربعة آلاف درهم، وكان من عادته ذلك لمن يقول له زه، فقال الشيخ: أيها الملك إن غرس السابقين أثمر بعد أربعين سنة، وغرسنا أثمر في يومه، فقال كسرى: زه، وأمر له بأربعة آلاف مثلها.

وسئل واحد: أي المال أفضل؟ فقال: عين خرارة في أرض خوارة، قيل: ثم ماذا؟ قال: الراسخات في الوحل المطعمات في المحل الملقحات بالفحل، يريد بها النخل. وقال الشاعر:

استغن أو مت ولا يغررك ذو نسبمن ابن عم ولا عم ولا خال
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «استغن أو مت ولا يغررك ذو نشبٍ»
إنّي مكب على الزوراء أعمرهاإن الحبيب إلى الأخوان ذو حال
كلّ النداء إذا ناديت يخذلنيإلا نداي إذا ناديت يا مالي
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «استغن أو مت ولا يغررك ذو نشبٍ»

وقلت في المبهج:

إذا ما نقل الدهقان غلات الرساتيق
للشاعر أبو منصور الثعالبي، اقرأ القصيدة
فكم من نعمة بيضاءفي سود الجواليق

وقلت أيضا:

يا رب أنت وهبتها لي نعمةأضحت تعين على الزمان ببرها
للشاعر أبو منصور الثعالبي، اقرأ القصيدة
ووهبت منها نعمة لا تلهنييا ربّ أنت بسكرها عن شكرها
للشاعر أبو منصور الثعالبي، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار المناهل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «اللطائف والظرائف»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.