من «اللطائف والظرائف» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
باب ذم الدور والأبنية
فارق النبي ﷺ الدنيا ولم يضع لبنة على لبنة، وكان ﵇ يقول: «إذا أراد الله بعبد سوءا جعل ماله في الطين والماء»، وعنه أيضا ﵇، أنه قال: «إذا أراد الله بعبد شرا أهلك ماله في اللبن والطين».
وقال وهب بن منبه في الحديث القدسي: قال الله ﷿:
«من استغنى بأموال الفقراء أفقرته، ومن تجبر على الضعفاء أذللته، ومن بنى بقوة الفقراء أعقبت بناءه الخراب». وقال وهب بن الوردي: كان نوح ﵇ اتخذ بيتا من خص فقيل له: لو بنيت بناء؟ فقال: هذا لمن يموت كثير. وقال ابن مسعود: يأتي بعدكم أقوام يرفعون الطين ويضعون الدين، ويمتطون البراذين، ويصلون إلى قبلتكم، ويموتون على غير ملتكم. وقيل ليزيد بن المهلب: لم لا تبني دارا بالبصرة؟ فقال: لأني لا أدخلها إلا أميرا أو أسيرا، فإن
كنت أميرا فدار الإمارة داري، وإن كنت أسيرا فالسجن مسكني وقراري.
وكان يقال: البناء من يوم ابتدائه في نقصان، والغرس من يوم ابتدائه في زيادة. ومر بعض الخوارج على دار تبنى فقال: من هذا الذي يقيم كفيلا. وقيل: الدار الضيقة العمى الأصغر. ومن أحسن ما قيل في التبرم بالعمارة قول بعضهم:
ألا من لنفس وأحزانهاودار تداعت بحيطانها
أظلّ نهاري في شمسهاشقيّا بإلقاء بنيانها
أسوّد وجهي بتبييضهاوأهدم كيسي بعمرانها
النص من طبعة دار المناهل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع