تجاوز إلى المحتوى

من «أخبار النساء» لابن الجوزي (ت ٥٩٧هـ)

باب ما جاء في خلق النّساء

إذا كانت المرأة ضخمةً في تعمّدٍ وعلى اعتدالٍ فهي: رمجلة. فإذا زاد ضخمها ولم تقبح فهي: مسبحلة. فإذا كانت طويلةً قيل: جاريةٌ سبطةٌ وعيطبول. فإذا كانت بها مسحةٌ من جمالٍ فهي: جيلةٌ ووضيئةٌ. فإذا أشبه بعضها في الحسن بعضاً فهي: حسّانةٌ. فإذا استغنت بجمالها عن الزّينة فهي: غانيةٌ. فإذا كانت لا تبالي أن تلبس ثوباً حسناً ولا قلادةً فاخرةً فهي: معطالٌ. فإذا كان حسنها ثابتاً كأنّها رسمت به فهي: وسيمةٌ. فإذا قسم لها حظٌّ وافرٌ من الحسن فهي: قسيمةٌ.

وقالوا: وقال الصّباحة في الوجه الوضّاءة في البشرة. الجمال في الأنف. الحلاوة في العينين. الملاحة في الفم. الظّرف في اللّسان. الرّشاقة في القدّ. اللّباقة في الشّمائل. كمال الحسن في الشّعر.

والمرأة الرّعبوبة: البيضاء. الزّهراء: التي يضرب بياضها إلى صفرةٍ كلون القمر والبدر. والهجان: الحسنة البياض.

والمرأة طفلةٌ ما دامت صغيرةً؛ ثمّ وليدةٌ إذا تحرّكت؛ ثمّ كاعبٌ إذا كعب ثديها؛ ثمّ ناهدٌ إذا زاد؛ ثمّ معصرٌ إذا أدركت؛ ثمّ خودٌ إذا توسّطت الشّباب.

والزّجاء: الدّقيقة الحاجبين الممتدّتهما حتّى كأنّهما خطّا بقلمٍ. والبلج: إن يكون بينهما فرجةً، وهو يستحبّ، ويكره القرن وهو اتّصالهما. والدّعج: أن تكون العين شديدة السّواد مع سعة المقلة. والبرج: شدّة سوادهما وشدّة بياضهما. والنّجل: سعتهما. الكحل: سواد جفونهما من غير كحلٍ. الحور: اتّساع سوادهما.

الشّنب: رقّة الأسنان واستواؤهما وحسنها. الرّتل: حسن تنضيدها واتّساقها. التّفليج: تفرج ما بينهما. الشّتت: تفرّقها في غير تباعدٍ في استواءٍ وحسنٍ يقال منه، ثغرٌ شتيتٌ. الأشر: تحديدٌ في أطراف الثّنايا يدلّ على الحداثة. الظّلّم: الماء الذي يجري على الأسنان من البريق. الجيد: طول العنق. التّلع: إشرافها.

وإذا كانت المرأة شابّةً حسنة الخلق فهي: خود. فإذا كانت جميلة الوجه حسنة المعرى فهي: بهنكة. فإذا كانت دقيقة المحاسن فهي: مملودةٌ. فإذا كانت حسنة القدّ، ليّنة العصب: فهي: خرعبةٌ. وإذا كانت لم يركب بعض لحمها بعضاً فهي: مبتلةٌ. فإذا كانت لطيفة البطن فهي خمصانةٌ. فإذا كانت لطيفة الكشحين فهي: هضيمٌ. فإذا كانت لطيفة الخصر مع امتداد القامة فهي: ممشوقةٌ. فإذا كانت طويلة العنق في اعتدالٍ وحسنٍ فهي: عطبول. فإذا كانت عطيمة العجيزة فهي: رداحٌ. فإذا كانت سمينةً ممتلئة الذّراعين والسّاقين فهي خدلجةٌ.

فإذا كانت سمينةً ترتجّ من سمنها فهي مرمادةٌ. فإذا كانت ترعد من الرّطوبة والغضاضة فهي برهرهةٌ: فإذا كانت كأنّ الماء يجري في وجهها فهي رقراقةٌ. فإذا كانت رقيقة الجلد ناعمة البشرة فهي: بضّةٌ. فإذا عرفت في وجهها نضرة النّعيم فهي: نظرةٌ. فإذا كان فيها فتورٌ عند القيام لسمنها فهي: أناةٌ ووهنانةٌ. فإذا كانت طيّبة الرّيح فهي بهنانةٌ. فإذا كانت عظيمة الخلق مع جمالٍ فهي عرهرةٌ. فإذا كانت ناعمةً جميلةً فهي: عبقرةٌ: فإذا كانت مثنيّةً للينٍ وتعمّدٍ فهي: غيداء وغادةٌ. فإذا كانت طيّبة الفم فهي: رشوفٌ.

فإذا كانت طيّبة ريح اليد فهي: أنوفٌ. فإذا كانت طيّبة الخلوة فهي: رصوفٌ. فإذا كانت لعوباً ضحوكاً. فهي: شموعٌ. فإذا كانت تامّة الشّعر فهي: فرعاء. فإذا لم يكن لمرفقيها حجمٌ من سمنها فهي: درماء. فإذا ضاق ملتقى فخذيها لكثرة لحمها فهي: لفّاء.

فإذا كانت حييّةً فهي: خفرةٌ وخرّيدةٌ. فإذا كانت منخفضة الصّوت فهي: رخيمةٌ. فإذا كانت محبّةً زوجها متحببّةً إليه فهي: عروبٌ. فإذا كانت نفوراً من الرّيب فهي: نوارٌ. فإذا كانت تجتنب الأقذار فهي: قذورٌ. فإذا كانت عفيفةً فهي: حصانٌ. وإذا كانت عاملة الكفّين فهي صناع.

فإذا كانت كثيرة الولد فهي: بنون. فإذا كانت قليلة الولادة فهي: نزورٌ. فإذا كانت تلد الذّكور فهي: مذكارٌ. فإذا كانت تلد الإناث فهي: مئناثٌ. فإذا كانت تلد مرّةً ذكراً ومرّةً أنثى فهي: مهابٌ. فإذا كانت لا يعيش لها ولدٌ فهي: مقلاتٌ. فإذا كانت تلد النّجباء فهي: منجابٌ. فإذا كانت تلد الحمقاء فهي: محمقةٌ.

فإذا كانت يغشى عليها عند الجماع فهي: ربوخٌ. والممكورة: المطويّ الخلق. واللّدنة: اللّينة النّاعمة. والمقصدة: التي لا يراها أحدٌ إلاّّ أعجبته. والخبرنجة: الجّارية الحسنة الخلق في استواءٍ. والمسبطرّة: الجسيمة. والعجزاء: العظيمة العجيزة. والرّعبوبة: الرّطبة. والرّجراجة: الدّقيقة الجلد. والرّتكة: الكثيرة اللّحم؛ والطّفلة النّاعمة. والرّود: المتثنّية اللّينة. والأملود: النّاعمة؛ ومثلها الخرع - مأخوذٌ من نبت الخروع وهو نبتٌ ليّنٌ - والبارقة: البيضاء

الثّغر. والدّهثمة: السّهلة. والعاتق: التي لم تتزوّج. والبلهاء: الكريمة، والمفضّلة عن السّره الغرّيرة. والعيطموس: الفطنة الحسناء.

والسّلهبة: الخفيفة اللّحم، والمجدولة الممشوقة. والسّرعوفة: النّاعمة الطّويلة. والفيصاء والعفّاء: الطّويلة العنق. والتّهنانة أيضاً: الضّحّاكة المهللّة.

والغيلم: الحسناء. والخليق: الحسنة الخلق؛ وقال الفرّاء هي أحسن النّاس حيث نظر ناظرٌ، أي هي أحسن النّاس وجهاً. وقال أبو عمرو: ويقال للمرأة إذا كانت حسناء: كأنّها فرسٌ شرهاء - والشّرهاء: الحديدة النّفس - وامرأةٌ حسنة المعارف - ومعارفها: وجهها - والمتحرّية: الحسنة المشية في خيلاء. والشّموس: التي لا تطمع الرّجل في نفسها، وهي الذّعور. وامرأةٌ ظمياء: إذا كانت سمراء، وشفّةٌ ظمياء كذلك. ويقال لها إنّها لحسنة العطل أي الجسم. ويقال عبقةٌ أي التي يشاكلها كلّ النّاس.

ونذكر اختلافات النّاس في الثّدي والعجز والمجدولة من النّساء والضّخمة الطّويلة، والغضيضة. واختلاف شهواتهم في الممسوحة والمفلكة والكاعب والنّاهد والمنكسرة. ومن استحسن الثّدي الضّخم الذي يملأ الكفّين، ومن ذمّ ذلك.

وممّن وصف الشّحم عبد بني الحسحاس حيث يقول:

توسّدني كفّاً وترفع معصماًعليّ وتحنو رجلها من ورائيا
أميل بها ميل النّزيف، وأتّقيبها القطر، والشّقّان من عن شماليا

فسحيم لم يتّخذها هدفاً تستر عنه الرّيح والقطر إلاّّ وهي في غاية الضّخم.

وقال أبو عبيدة: دخل مالك الأشتر على عليّ بن أبي طالب، ﵁، في صبحة بنائه على نسائه فقال: كيف وجد أمير المؤمنين أهله! قال كالخير من امرأةٍ، لولا أنّها خنّاء قبّاء قال: وهل يريد الرّجال من النّساء إلاّّ ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: كلاّ، حتّى تدفئ الضّجيع، وتروي الرّضيع.

وهذا يدلّ على العجب بالضّخم والشّحم. وأكثر البصراء بجواهر النّساء الذين هم جهابذة هذا الأمر يقدّمون المجدولة، فهي تكون في منزلةٍ بين السّمينة والممشوقة مع جودة القدّ وحسن الخرط. ولا بدّ أن تكون كاسية العظام. وإنّما يردون بقولهم مجدولةً جدولة العصب وقلّة الاسترخاء، وأن تكون سليمةً من الزّوائد والفضول، لذلك قالوا خمصانةً وسيفانةً، وكأنّها جدل عنانٍ وغصن بانٍ وقضيب خيزران.

والتّثنّي من مشية المرأة أحسن ما فيها. ولا يمكن ذلك الضّخمة والسّمينة. ووصفوا المجدولة فقالوا: أعلاها قضيبٌ، وأسفلها كثيبٌ.

وقال بعض الأعراب:

لها قسمةٌ من خوط بانٍ ومن نقىًومن رشأ الغزلان جيد ومذرف
يكاد كليل الطّرف يكله خدّهاإذا ما بدت من خدرها حين تطرف

وقال آخر:

ومجدولةٍ جدل العنان إذا مشتتنوء بخصريها ثقال الرّوادف

وقال آخر:

ومجدولةٌ، أمّا مجال وشاحهافغضٌّ، وأمّا ردفها فكثيب؛
لها القمر السّاري نصيبٌ، وإنّهالتطلع أحياناً له فيغيب

وقال أبو نواس. وقد أحسن ما شاء:

أحللت من قلبي هواك محلّةًما حلّها المشروب والمأكول
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «رسم الكرى بين الجفون محيل»
بكمال صورتك التي في مثلهايتحيّر التّشبيه والتّمثيل
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «رسم الكرى بين الجفون محيل»
فوق القصيرة، والطّويلة فوقها؛دون السّمين، ودونها المهزول
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «رسم الكرى بين الجفون محيل»

وأمّا قول الأعشى حيث يقول:

غرّاء فرعاء مصقولٌ عوارضهاتمشي الهوينا كما يمشي الوحى الوجل
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ودع هريرة إن الركب مرتحل»
كأنّ مشيتها من بيت جاريتهامرّ السّحابة لا ريثٌ ولا عجل

فقد وصفها كما ترى بالضّخم، ولكنّه يذكر أفراطاً.

وقال الأحوص:

من المدمجات اللّحم جدلاً كأنّهاعنانٌ ضاع أنعمت أن تجوّدا

قال أبو عثمان الجاحظ: كان أبو معمر بن هلال يقول: عذرت الرّجل الطّويل الأير حتّى يتمنّاها ضخمةً. ولكن ما عذر الصّغير الأير في ذلك؟.

أنشد للمرار بن سعيد

صلبة الخدّ طويلٌ جيدهاسجمة الثّدي ولمّا ينكسر

وقال النّابغة في النّهود:

يحططن بالعيدان في كلّ مقعدٍويخبّأن رمّان الثّديّ النّواهد

وأنشد لمسلم بن الوليد:

فأقسمت أنسى الدّاعيات إلى الصّبىوقد فجأتها العين والشّرّ واقع
فغطّت بأيديها ثمار صدورهاكأيدي الأسارى أثقلتها الجوامع

وذمّ أعرابيٌّ امرأةً فقال: والله ما بطنها بوالدٍ، ولا شعرها بواردٍ، ولا ثديها بناهدٍ، ولا فوهها بباردٍ.

وكتب الحجّاج بن يوسف إلى الحكم بن أيّوب قال: اخطب على عبد الملك امرأةً جميلةً من بعيدٍ، مليحةً من قريبٍ، شريفةً في قومها، ذليلةً في نفسها، أمةً لبعلها.. فكتب إليه: أصبتها، وهي خولة بنت مسمع، لولا عظم ثديها! فكتب إليه الحجّاج: لا يحسن بدن المرأة حتّى يعظم ثدياها فتدفي الضّجيع، وتروي الرّضيع.

وقال آخر يذمّ عظم الثّدي:

لعمري لبيضٌ يحتللن بقفزةٍلطائف ثدي الصّدر غيد السّوالف
أحبّ إلينا من ضخام بطونهالآباطها تحت الثّدي تعاطف

وقال آخر في الممسوحة التي لم يبد بصدرها شيءٌ:

وعلّقت ليلى وهي بكرٌ خريدةٌولم يبد للأتراب من ثديها حجم
صغيرين نرعى البهم، يا ليت أنّنيإلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «تعلقت ليلى وهي غر صغيرة»

وقال نصيب:

ولولا أن يقال: صبا نصيبٌ.لقلت: بنفسي النّشو الصّغار؛
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «ولولا ان يقال صبا نصيب»
بنفسي كلّ مهضومٍ حشاهاإذا ظلمت فليس لها انتصار
للشاعر تميم الفاطمي، من قصيدة «ومشرقة وجنح الليل قار»
إذا ما الزّلّ ضاعفن الحشاياكفاها أن يلاث بها الإزار
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «ولولا ان يقال صبا نصيب»

وقال ذو الرّمّة:

بعيدات مهوى كلّ قرطٍ عقدنهلطاف الحشا تحت الثّدي الفوالك
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أقول لأطلاح برى هطلانها»

وذكر آخر ابتداء النّهود فقال:

نظرت إليها نظرةً وهي عاتقٌعلى حين شبّت واستبان نهودها
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «لقد هجرت سعدى وطال صدودها»

وليس في الحيوان شيءٌ واسع الصّدر غير الإنسان. ولا في جميع

الحيوان أنثى في صدرها ثديٌ إلاّّ المرأة والفيلة، وكذلك الرّجل. والعرب تمدح الرّجال والنّساء بطول الأعناق. قال الشّاعر:

ومن كلّ شيءٍ قد قضيت لبانتيسوى ضخم أعجازٍ ثقال الرّوادف
وهصري أعناقاً تلين وتنثنيكما كان خيطان الأراك الصّعائف

وقيل لإبراهيم بن النّظام: أيّ مقادير الثّدي أحمد؟ قال: وجدت النّاس يختلفون في الشّهوات، وسمعت الله ﵎ حين وصف حور العين جعلهنّ كواعب أتراباً. ولم يقل فوالك ولا نواهد. وقالت العرب: يسار الكواعب. ولم تقل يسار النّواهد ولا يسار الفوالك.

ولم أرهم يختلفون في مدح عظم الرّكب كما اختلفوا في مقادير النّدي في طول الأعناق. يقول الشّمردل.

ويشبهون ملوكاً في مهابتهموطول أنصبة الأعناق والأمم

وقال آخر:

طوال أنصبة الأعناق لم يجدواريح الإماء إذا راحت بأذفار

وهوة حسنٌ ما لم يطل جدّاً، فإذا أفرط كان عيباً. كما عيب بذلك واصل بن عطاء رئيس المعتزلة فسمّي عنق نعامة، وعيب بذلك جعفر

بن يحيى البرمكي.

وكذلك قال فيه الحسن بن هانئ:

ذاك الوزير الذي طاولت علاوتهكأنّه ناخرٌ في السّيف بالطّول

وقد زعموا أنّه أوّل من اتّخذ هذا الأطواق العراض، فاستحسنها النّاس بعده، فاتّخذوها.

وفي صفة الأعكان يقول يزيد بن معاوية:

لها عكنٌ بيضٌ كأنّ غضونهاإذا شفّ عنها السّابري فداح

وقال أبو الطّيّب المتنبّي:

يضمّها المسك ضمّ المستهام بهاحتّى يصير على الأعكان أعكانا

وقال آخر:

غرّاء واضحة أقراب خرعبةطوع العناق فلا بكرٌ ولا نصف

وقال النّابغة الذّبياني:

والبطن ذو عكنٍ لطيفٍ طيّه،والنّحر ينفجه بثدي معقّد
محطوطة المتنين غير مفاضةٍريّا الرّوادف بضّة المتجرّد
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أمن آل مية رائح أو مغتد»
وإذا لمست، لمست أجثم جاثماًمتحيّزاً بمكانه ملء اليد
وإذا نزعت، نزعت عن مستحصفٍنزع الحزوّر بالرّشاء المخضد
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أمن آل مية رائح أو مغتد»

وأنشد لأعرابيٍّ آخر:

لمّا رأيت أنّ الرّحيل قد حانقامت تهادى في رقيق الكتّان
بواضح الوجه قليل الخيلانوعكن مثل متون الغزلان

وقال الفرزدق:

إذا بطحت فوق الأثافي رفعتهابثديين في صدرٍ عريضٍ وكعثب

فزعم أنّها إذا بطحت على وجهها لم تمسّ الأرض بشيءٍ من سائر جسدها إلاّّ نهود ثدييها وعظم ركبها فصارت لبدنها كأثافي القدر.

وقال عبد بني الحسحاس:

من كلّ بيضاءٍ لها كعثبمثل سنام البكرة المائل
للشاعر سحيم، اقرأ القصيدة

وحلف ابن مطيع اللّيثي الشّاعر أنّ جاريته خردانة كانت تستلقي على ظهرها فتشخص كتفاها ومنكباها حتّى لقد كان يتدحرج الرّمّان

والأترج من تحت خصريها.

قالوا: كانت الزّبّاء بنت عبد الله تصبّ جرّة الماء على رأسها فلا يصيب فخذيها للبد عجيزتها.

وقال الشّاعر:

نفج الجفينة لا ترى لكعوبهاحجماً وليس لساقها ظنبوب
عظمت روادفها وسهّل وجههاوالوالدان نجيبةٌ ونجيب

ومن مليح ما قيل في هذا، قول الأعرابي:

أبت الرّوادف والثّديّ لقمصهامسّ البطون وإن تمسّ ظهورا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أبت الروادف والثدي لقمصها»
وإذا الرّياح مع العشيّ تناوحتنبّهن حاسدةً وهجن غيورا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أبت الروادف والثدي لقمصها»

والعرب تمدح الملوك بسعة العيون كما يصفون ذلك النّساء ويستحسنونه.

قال ذو الرّمّة:

ومختلقٌ للملك أبيض قد غمزأشمّ ألجّ العين كالقمر البدر

لمّا أنشد بشّار بن برد قول الشّاعر:

ألا إنّما ليلى عصا خيزرانةٍإذا لمسوها بالأكفّ تلين
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا يا حمامات الحمى عدن عودة»

ضحك بشّار من قوله عصا خيزرانةٍ وقال: لو زعم أنّها عصا رندٍ أو عصا ندّ لهجّنها وكان ذلك خطأً بعد أن جعلها عصاً. فهلاّ قال كما قلت:

إذا قامت لسبحتها تثنّتكأنّ عظامها من خيزران

وكانت ميمونة عند هشام بن عبد الملك، خلف عليها بعد العزيز قال: لو أنّ رجلاً ابتلع ميمونة ما اعترض في حلقه منها شيءٌ للينها. وقال بشّار:

إذا مشت نحو بيت جارتهاخلت من الرّمل خلفها حقف
يرتجّ من مرطها مؤزّرهاوفوقه غصن بانةٍ قصف

وقد قيل في الضّخمة:

قليلة لحم النّاظرين يزيّنهاشبابٌ ومخفوضٌ من العيش بارد
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «قليلة لحم الناظرين يزينها»
أرادت لتنتاش الرّواق فلم تقمإليه ولكنّ طأطأته الولائد
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «قليلة لحم الناظرين يزينها»

وقال آخر أيضاً:

ضوء برقٍ بدا لعينيك أم شبّتبذي الأثل من سلافة نار
أوقدتها بالمسك والعنبر اللّدنفتاةً يضيق عنها الإزار

وأنشد أيضاً:

وتبدي على المتن من شعرهاعناقيد كرمٍ تدلّين سودا
ويجري السّواك على باردٍلذيذٍ من الدّرّ يبدي نضيدا
وما زانها العقد لكنّهاتزيّن بالنّحر منها العقودا
كشمس الضّحى بين أترابهاموافين يوماً ليشهدن عيدا
فكم من قتيلٍ بتلك العيونوكم من قتيلٍ تولّى عميدا
فإن يك عنّي قسا قلبهافلم يجعل الله قلبي حديدا
أعيذك بالله أن تشتميبنا واشياً أو تطيعي حسودا

وقال جران العود، وقد تزوّج فلقي منها برحاً، وكانت حسنة الشّعر فقال:

ألا لا يغرّنّ امرؤٌ نوفليّةًعلى الرّأس منها أو ترائب وضّح
ولا فاحمٌ يشفي الدّهان كأنّهأساود يزهاها بعينيك أفطح

وأنشد لآخر:

لا تنه قلبك أن يتوق إلى الحماإنّ القلوب إلى سعاد تتوق
فرعاء تسحب من قيامٍ شعرهاوتغيب فيه وهو جثل مونق
للشاعر أبو دؤاد الإيادي، اقرأ القصيدة
فكأنّه ليلٌ عليها مغدفٌوكأنّها فيه نهارٌ مشرق
للشاعر أبو دؤاد الإيادي، اقرأ القصيدة

وأنشد لآخر:

مقدورةٌ ما أن لها مثللي عندها العبرات والخبل
فلشعرها من شعرها زجلولعينها من عينها كحل
إن شئت قلت، إذا هي انصرفت،بين الرّوادف والحشا نصل

وأنشد لآخر وذكر طول العنق:

وأعجبتني فيها غداة لقيتهاتبلبل أردافٍ لها ومحاجر
وجيدٍ كأملود الرّخامى رعايةًبمنهلّةٍ صبّت عليه الغدائر

قال بعضهم:

ومقبّلٌ عذب المذاق كأنّهبردٌ تحدّر من غمام ماطر
هنّ الدّواء لدائنا، وشفاؤنامن كلّ داءٍ باطنٌ أو ظاهر

وقال ذو الرّمّة:

لمياء في شفتيها حوةٌ لعسٍوفي اللّثاة وفي أنيابها شنب
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ما بال عينك منها الماء ينسكب»

والعرب يزعمون أنّ أطيب الأفواه أفواه الظّباء؛ كما أنّ أبعارها أطيب رائحةً من سائر الأباعر. ويزعمون أنّ ليس في السّباع أطيب أفواهاً من الكلاب. وفي النّاس أطيب أفواهاً من الزّنج. ويزعمون أنّ علّة ذلك كثرة الرّيق، لأنّ علّة الخلوف، جفوف الرّيق، والبخر يحدثه الكبر وقد اعترى إشرافاً من النّاس.

قال: سارر أبو الأسود الدؤولي عبيد الله بن زياد، فلمّا أدنى فاه من أنف عبيد الله خمر أنفه عبيد الله فجذب أبو الأسود يده فنحّاها، وقال: إنّك والله لن تسود حتّى تصير لسرار الشّيخ البخر. فعجب النّاس من جلده ومراسه. والأفواه الموصوفة بالنّتن أفواه الأسود وأفواه الصّقور.

والشّعوبيّة وغيرهم ينهون عن السّواك. وقالوا: إنّما يعتري الخلوف من يستاك، والمره من يكتحل والشّعث من يدّهن. وزعموا السّواك يقلّل الأسنان ويأكل ما عليها من اللّحم، أعني اللثّة، ويذهب العمور التي بينها ويرخيها.

وقال حسين بن مطير:

بمرتجّة الأرداف هيفٌ خصورهاعذابٌ ثناياها عجافٌ قيودها
للشاعر الحسين بن مطير الأسدي، اقرأ القصيدة

يريد أنّها صلابٌ عجافٌ غير وارمةٍ ولا مسترخيةٍ والسّواك يوهنها ويزيلها عن أماكنها.

وزعموا أنّ السّواك يجلب ماء الوجه فيغني على الأيّام نضرة اللون وحمرة الوجنات، كما يصنع رضاع الطّفل في لبة المرأة وفي لون وجهها فإذا تحلب الماء المستكن في الغلاصم والأفواه أعقب ذلك في الأفواه جفوفاً، فإذا جفّت لعد الرّيق أدرثها خلوفاً.

فقال من ردّ على هؤلاء: قد علمنا أنّ من أعظم الأمم التي عليها مدار الأمور في العقل والعلم والرّضا قد اجتمعوا على السّواك والخضاب فلو كان السّواك يورث البخر لم تكن هاتان الأمّتان مع ما فيهما من بعد الغور وشدّة الغزل بالنّساء والتّقرّب إلى قلوبهنّ والاستهتار بهنّ ليجهل هذا القدر من العيب الفاحش. فمن أحبّ أن يعرف إفراط العرب في الغزل والصبابة بالنّساء فليقرأ أشعارهم وأحاديثهم الإسلاميّة، وليقرأ كتب الهند في الباه، ولو تتبّعت أشعارهم في استعمال النّساء للسّواك لطال به الكتاب.

وعن عمر بن دينار، قال: سمعت الحسن بن علي، ﵉ يقول لذريح بن سنّة: حل لك أن فرّقت بين قيسٍ ولبنى! أما إنّي سمعت عمر بن الخطّاب، ﵁، يقول: ما أبالي مشيت إلى الرّجل بالسّيف أو فرّقت بينه وبين امرأته!.

قال الزّبير بن بكار: دخلت عزّة على أمّ البنين بنت عبد العزيز فقالت: أقسمت عليك بأيّ شيءٍ وعدت كثيراً حيث يقول:

قضى كلّ دينٍ فوفّى غريمهوعزّة ممطولٌ معنّى غريمها
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «عفت غيقة من أهلها فحريمها»

قالت لها: وعدته فمطلته سنةً، فلمّا ألحّ في التّقاضي هجرته، فضمّني وإيّاه طريقٌ بعد حينٍ فاستحييت منه فقلت: حيّاك الله يا جمل، ولم أحيّه، فقال:

حيّتك عزّة بعد الهجر وانصرفتفحيّ ويحك من حيّاك يا جمل
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «حيتك عزة بعد الهجر وانصرفت»
ليت التّحيّة كانت لي فأجعلهامكان: يا جملٌ؛ حيّاك يا رجل

وهو على تقاضيه إلى اليوم. قالت: أقسمت عليك، ألاّ قضيته إيّاه وإثمه في عنقي؟.

أبو عبيدة قال: كان بأرض الحجاز رجلٌ له ابنةٌ جميلةٌ فهويها ابن عمٍّ لها فبذل لها أربعة آلاف درهمٍ، فأبى أبوها أن يزوّجها منه، وأجدبت البادية، فدخل ابن عمّها على عمّه ذات يومٍ فشكا إليه ما يلقى. فقال له: قد كنت بذلت لنا أربعة آلاف درهمٍ، فأعطنا إيّاها، فأنت أحبّ إلينا لقرابتك. قال له: أجّلني شهراً. فأجّله، ولم يكن مع الفتى إلاّّ ناقةً، فركبها ومضى إلى عبد الملك بن مروان فطلب الإذن فلم يؤذن له. فقال: إنّي رسول فلانٍ عامل أمير المؤمنين على الحجاز. فأدخل عليه من ساعته. قال: معك كتابٌ من فلان؟ قال: لا، قال فرسالةٌ؟ فأنشأ يقول:

ماذا يقول أمير المؤمنين لمنأدلى إليك بلا قربى ولا سبب
مدلّهٌ، عقله من حبّ جاريةٍموصوفةٍ بكمال الحسن والأدب
خطبتها إذ رأيت النّاس قد لهجوابذكرها، والهوى يدعو إلى العطب
فقلت، لي حسبٌ زاكٍ، ولي شرفٌقالوا: الدّراهم خيرٌ من ذوي الحسب،
إنّا نريد ألوفاً منك أربعةًولست أملك غير الحسّ والقتب
فامنن عليّ، أمير المؤمنين، بها،واجمع بها شمل هذا البائس العرب
فما وراءك، بعد الله، مطّلبٌ،أنت الرّجاء وأقصى غاية الطّلب

فضحك عبد الملك وأمر له بأربعة آلاف درهمٍ، وقال هذا صداق أهلك، وزاده أربعةً أخرى وقال له أولم بهذه، وأنفق عليها منها. فقبضها ومضى. فتزوّج بالجّارية.

وكان إسحاق بن سليمان بن علي شابّاً ظريفاً، محبّاً للشّعر. فخرج ذات يومٍ، وأبوه يلي البصرة، لأبي جعفر المنصور، متنزّهاً إلى ناحية البادية. فلقي أعرابيّاً فصيحاً إلاّّ أنّه شاحب اللون، مصفرّاً، ظاهر النّحول فاستنشده، فمضى عنه، فقال له ما بالك، فوالله، إنّك لفصيحٌ! قال له أما ترى الجبلين؟ قال: قلت بلى. قال: في طلابهما ما شغلني عن إنشادك. قلت: وما ذاك؟ قال: ابنة عمٍّلي قد تيّمتني، وأذهلت عقلي، وتالله أنّه يأتي عليّ لا أدري أفي السّماء أنا أم في الأرض. قال: قلت وما يمنعك منه؟ قال: قلّ ذات يدي!. قلت: وكم مهرها؟ قال خمسون ناقةً. قال: قلت: فيزوّجونك إذا دفعتها؟ قال: نعم. فقلت له أنشد لي ممّا قلت فيها! فأنشدني:

سعى العلم الفرد الذي في طلالهغزالان مكحولان يرتعيان
أرعتهما صيداً فلم أستطعهماوخبلاً ففاتاني وقد خبلاني

قال. فقلت له: يا أعرابي، لقد قتلتني بقتلك، فنفيت من العبّاس

إن لم أقم بأمرك. فرجع إلى البصرة فأخذ جماعةً من أهله وما أحتاج إليه، وحمل معه الأعرابي، وسار إلى الجّارية فخطبها إلى الفتى، فزوّجه، وساق إليه خمسين ناقةً وأقام عندهم ثلاثة أيّامٍ نحر فيها ثلاثين جزوراً، ووهب للأعرابي وللجارية مثل ذلك، وانصرف إلى البصرة.

قال نفطويه: لمّا فرغ المهدي من بناء قصره ركب للنّظر إليه، فدخله فجأةً وأخرج من هناك من النّاس، فبقي رجلان خفيّان عن أبصار الأعوان، فرأى المهدي أحدهما وهو دهش ممّا يفعل فقال له: ممّن أنت؟ قال: أنا أنا قال: ويلك: لا أدري! قال: لك حاجةً؟ قال: لا. قال أخرجوه أخرج الله نفسه فدفع في قفاه، فلمّا أخرج قال لبعض الغلمان: اتبعه من حيث لا يعلم حتّى يصل إلى منزله، فاسأله عن صنعته فإنّي أخاله حائكاً. فخرج الغلام يقفوه ثمّ أتى الآخر فاستنطقه فأجابه بقلبٍ جريءٍ، ولسانٍ طلقٍ، قال له: من أنت؟ قال: رجلٌ من أبناء رجال دعوتك. قال: فما جاء بك إلى ههنا؟ قال: جئت لأنظر إلى هذا البناء الحسن، وأتمتّع بالنّظر إليه، وأكثر الدّعاء لأمير المؤمنين بطول البقاء ودوام العزّ، وهلاك الأعداء. قال: ألك حاجةً؟ قال: نعم، خطبت ابنة عمّي فردّني وقال: لا مال لك. وإنّي لها عاشقٌ، وبها وامقٌ، قال: قد أمرت لك بخمسين ألف درهم قال: جعلني الله فداك، يا أمير المؤمنين، قد وصلت فأجزلت الصّلة، ومننت فأعظمت المنّة. فجعل الله باقي عمرك أكثر من ماضيه، وآخر أيّامك خيراً من أوّلها، وأمتعك بما به أنعم عليك، وأمتع بك رعيّتك. فأمر أن تعجّل صلته ووجّه بغلامٍ آخر

معه قال: سل عن مهنته فإنّي أخاله كاتباً: فرجع الرّسولان جميعاً فقال الرّسول الأول: وجدت الرّجل حائكاً، ولم يرجع إليه قلبه، ولا ثاب إلى نفسه. وقال الآخر: وجدت الرّجل كاتباً. فقال المهدي أنا إبن المنصور لا يخفى عنّي مخاطبة الكاتب والحائك.

قال أحمد بن أبي خثعمة: أخبرتني مولاة، كانت لآل جعفر بن أبي جعفر المنصور، قالت: علق عيسى بن جعفر جاريةً لأمّ ولده فمنعته إيّاها غيرةً عليه، وتبعتها نفسه، فدسّت جاريةً لعيسى يقال لها برير إلى مولاتها في أن تبيعها منها، وأرغبتها، فباعتها منها، فأخذتها برير فصنعتها وكانت لبرير من عيسى ليلةً فوجّه إليها بخلعةٍ وبقدحٍ غاليةٍ تضمخ به شعرها.

فلمّا كانت ليلتها ألبست الجّارية الخلعة وضمخت رأسها ووجّهت بها إليه، فلمّا رآها سألها عن حالها فأخبرته بالخبر. وإنّها آثرت هوى نفسه على هوى نفسها. فسرّ بذلك ودعا ببرير فأعتقها وتزوّج بها ومهرها ضياعاً بالكوفة لها قدر. فقالت برير: إنّ من شكر الله على ما وهب لي من رأي أمير المؤمنين أن أجعل ما أعطاني من هذه الضّياع قربةً لله ﷿، تجري للأمير وليّ أجرها. فأوقفها على أهل بيتٍ من الأنصار منهم ابن معاذٍ فلم يزل ذلك يجري عليهم.

قال إبراهيم بن المهدي: حجبت مع الرّشيد، فلمّا كنّا بالمدينة خرجت إلى العقيق أسير على دابّتي وليس معي غلامٌ، فوقفت على بئر عروة وعليها جاريةٌ سوداء وفي يدها دلوٌ تملأ قربةً لها، فقلت:

يا هذه اسقني. فنظرت إليّ وقالت: أنا مشغولةٌ عنك. فقرعت قربوسي بمقرعتي موقّعاً بها على القربوس، وغنّيت. فلمّا سمعت ذلك منّي ملأت دلوها وبادرت به إليّ وقالت: اشرب يا عمّ فشربت، فقالت: بالله يا عم أين أهلك أحمل إليهم هذه القربة؟ فقلت: بين يدي. فمضت معي حتّى أتت المضرب فلمّا رأت الولدان والخدم ذعرت، فقلت لها: لا بأس عليك. وأخذت الماء وأمرت من وصله، فقال لي الغلمان: قد جاء رسول أمير المؤمنين مراراً فمضيت إليه، فقال لي: أين كنت؟ فأخبرته بخبر الجّارية، فأمر بطلبها، فأتي بها، فأمر بابتياعها من مولاها، وأعتقها، وقال لها: هل من تودّينه يودّك وتحبّينه يحبّك؟ قالت: نعم عبدٌ لآل فلان. فأمر بابتياعه وأعتقه ثمّ زوّجها إيّاه، وأمر لهما بمالٍ.

حجّ الرّشبد سنة إحدى عشرة من خلافته، فلمّا نزل بالكوفة، بعد قفوله من الحج، دعا إسماعيل بن صبيح فقال: إنّي أردت الليلة أن أطوف في محال الكوفة وقبائلها فتأهبّ لذلك، قلت: نعم. فلمّا مضى ثلث الليل قام وقمت معه، وركب حماراً وركبت أنا آخر، ومعي خادمٌ ومعه خادمٌ من خاصّة خدمه. فلم نزل نطوف المحال والقبائل حتّى انتهينا إلى النّخع فسمعنا كلاماً. فقال الرّشيد لأحد الخادمين: أدن من الباب وتعرّف ما هذا الكلام؟ فتطلّع من موضعٍ في الباب فرأى نسوةً يغزلن حول مصباحٍ وجاريةٍ منهنّ تنشد شعراً وتردّد أبياته وتتبّع كلّ بيتٍ برنةٍ وأنّةٍ، وتبدي زفرةً: وتفيض عبرةً، والنّسوان اللواتي معها يبكين لبكائها فحفظ الخادم من شعرها هذه الأبيات:

هل أرى وجه حبيبٍ شفني،بعد فقدانيه، أفراط الجزع؛

قد برى شوقي إليه أعظمي، وبلى قلبي هواه وفزع.

ليت دهراً مرّ، والقلب بهجذلٌ، والعيش حلوٌ قد رجع؛
وعفت آثاره منه فيا،ليت شعري، ما به الدّهر صنع؟
قد تمسّكت على وجدي بهبجميل الصّبر، لو كان نفع

فقال للخادمين: أعرفا الموضع إلى غد. ورجعنا إلى البصرة، فلمّا طلع الفجر وفرغ من صلاته وتسبيحه، قال للخادمين: أمضيا إلى الدّار فإن كان فيها رجلٌ من وجوه الحيّ فجيئا به حتّى أسأله عمّا أريده. فسار الخادمان إلى الدّار فلم يجدا فيها رجلاً، فدخلا إلى مسجد الحيّ فقالا لأهله: أمير المؤمنين يقرأ عليكم السّلام ويقول لكم: أحببت أن يجيئني منكم أربعةً أسألهم عن أمرٍ. قالوا: سمعاً وطاعةً. وقاموا معهما فدخلوا على الرّشيد، فقرّبهم وأدناهم، وقال لهم: طفت البارحة في بلدكم تفقّداً لأحوالكم، فسمعت في دارٍ من دياركم امرأةً تنشد شعراً وتبكي. وقد خفت أتكون مغيبةً، وأنّ نزاع النّفس أهون من نزاع الشّوق، وقطع الأوصال أهون من قطع الوصال، وقد أحببت أن أعرف خبرها منكم.

قالوا: يا أمير المؤمنين، هذه البارعة بنت عوف بن سهم كان أبوها زوّجها ابن عمٍّ لها يقال له سليمان بن همام على عشرة آلاف درهمٍ، فهلك أبواهما من قبل أن يجتمعا، فاكتتب زوجها مع عاملك إلى اليمن لقلّة ذات يده، وخرج منذ خمس سنين، فحزنت عليه، وطال شوقها إليه، فهي تنشد الأشعار فيه وتستريح إلى ذكره. فأمر الرّشيد من ساعته أن يكتب إلى عامله باليمن في حمل سليمان بن همام على البريد إلى حضرته إلى بغداد.

فما مضت أيّامٌ بعد وصول الرّشيد

حتّى دخل عليه إسماعيل بن صبيح، فقال: يا أمير المؤمنين قد وصل النّخعي الذي أمرت بحمله إليك. فأمر بإدخاله عليه، فنظر إلى رجلٍ معتدل القامة، ظاهر الوسامة، ذرب اللسان، حسن البيان، فقال: أنت سليمان بن همام؟ قال: نعم، يا أمير المؤمنين. قال له: أقصص عليّ خبرك! فقصّ عليه الخبر فوجده مطابقاً لمّا خبّره به الأربعة النّفر، فأمر له بعشرين ألف درهمٍ، فأخذ ذلك من يومه ورحل إلى الكوفة فدخل بأهله وكان الرّشيد يتعاهده ببرّه.

تمّ الكتاب بعون الله وتوفيقه

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أخبار النساء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.