ما هي بحور الشعر العربي؟
بقلم عبدالله الزيدي · آخر تحديث ٢٤ سبتمبر ٢٠٢٦
البحر في الشعر العربي هو النظام الإيقاعي الذي تُبنى عليه القصيدة: تتابُعٌ محدد من المقاطع الصوتية (الأسباب والأوتاد) يتكرر في كل بيت، فيمنح القصيدة وزنها الموسيقي الثابت. وقيل في سبب التسمية إنه يُغترف منه ما لا يتناهى من الأبيات كما يُغترف من البحر.
واضع هذا العلم هو الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت ١٧٠هـ)، الذي استقرأ أشعار العرب فحصرها في خمسة عشر بحرًا، ثم زاد الأخفش الأوسط بحر «المتدارك» فاكتمل العدد ستة عشر بحرًا.
من وضع علم العروض؟
وضع علم العروض الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت ١٧٠هـ)، إمام اللغة في البصرة وصاحب معجم «العين». استقرأ ما رواه العلماء من أشعار العرب، فاستخرج منها خمسة عشر وزنًا سمّاها بحورًا، ووضع لها الأسماء والتفعيلات والقواعد التي ما زال الدارسون يتعلمونها إلى اليوم.
ويُروى أنه اهتدى إلى فكرته وهو يسمع إيقاع المطارق في سوق الصفّارين، وهو خبر متداول لا يُقطع بصحته. وأما تسمية العلم «عروضًا» فقيل لأن الشعر يُعرض عليه فيُعرف مستقيمه من مكسوره، وقيل نسبةً إلى مكة، ومن أسمائها «العَروض».
ثم جاء الأخفش الأوسط (سعيد بن مسعدة)، تلميذ سيبويه، فزاد بحرًا سادس عشر هو «المتدارك»، وقيل سُمّي بذلك لأنه تدارك به ما فات الخليل. ويسمى هذا البحر أيضًا «الخبب» و«المحدث».
كم عدد بحور الشعر العربي؟
عدد بحور الشعر العربي ستة عشر بحرًا: خمسة عشر وضعها الخليل، وواحد زاده الأخفش هو المتدارك. وهي: الطويل، المديد، البسيط، الوافر، الكامل، الهزج، الرجز، الرمل، السريع، المنسرح، الخفيف، المضارع، المقتضب، المجتث، المتقارب، المتدارك. ولكل بحر منها تفعيلات ثابتة ومفتاح يحفظه الدارسون.
وليست هذه البحور متساوية الحظ من الاستعمال. ففي إحصاء ميزان العرب لنحو ٢٤٣ ألف قصيدة في الموسوعة جاء الطويل أولًا، ثم الكامل، ثم البسيط، ثم الوافر، وعليها نُظم كثير من عيون الشعر القديم كالمعلقات وقصائد المتنبي. أما المضارع والمقتضب فنادران، حتى أنكر بعض العروضيين أن يكون للعرب فيهما شعر يُعتدّ به.
ومن البحور ما يأتي تامًّا، ومنها ما يأتي مجزوءًا حُذفت من كل شطر منه تفعيلته الأخيرة، ومنها ما يأتي مشطورًا ذهب نصفه، أو منهوكًا ذهب ثلثاه، كما يقع في الرجز.
دليل البحور كاملًا مع التفعيلات والمفاتيح
ما الأسباب والأوتاد والتفعيلات؟
تتكون البحور من تفعيلات، وتتكون التفعيلات من وحدات صوتية أصغر هي الأسباب والأوتاد. فالسبب الخفيف متحرك فساكن مثل «لَمْ»، والسبب الثقيل متحركان مثل «لَكَ»، والوتد المجموع متحركان فساكن مثل «عَلَى»، والوتد المفروق متحرك فساكن فمتحرك مثل «قامَ». ومن تجاورها تتألف التفعيلة.
وقد جمعها العروضيون في عبارة يسهل حفظها: «لَمْ أَرَ عَلَى ظَهْرِ جَبَلٍ سَمَكَةً»، ففيها السبب الخفيف والسبب الثقيل والوتد المجموع والوتد المفروق، ثم الفاصلتان الصغرى والكبرى.
ومن تركيب هذه الوحدات تنشأ التفعيلات، وهي عشر في اصطلاح العروضيين، أشهرها: فعولن، فاعلن، مفاعيلن، مستفعلن، فاعلاتن، مفاعلتن، متفاعلن، مفعولاتُ. فالطويل مثلًا يقوم على «فعولن مفاعيلن» مكررتين في كل شطر، والكامل على «متفاعلن» ثلاث مرات، والرجز على «مستفعلن» ثلاث مرات.
ولاحظ الخليل أن بعض البحور يتولد من بعض إذا بُدئ بتقطيعها من موضع مختلف، فجمعها في خمس دوائر عروضية: دائرة المختلف (الطويل والمديد والبسيط)، ودائرة المؤتلف (الوافر والكامل)، ودائرة المجتلب (الهزج والرجز والرمل)، ودائرة المشتبه (السريع والمنسرح والخفيف والمضارع والمقتضب والمجتث)، ودائرة المتفق (المتقارب والمتدارك).
هل يلتزم الشاعر التفعيلات بحروفها؟
لا يلتزم الشاعر صورة التفعيلة الأصلية في كل موضع، فالعروض يجيز تغييرات محددة تسمى الزحافات والعلل. فالزحاف تغيير يلحق ثواني الأسباب ولا يلزم، والعلة تغيير يلحق العروض والضرب، وإذا وقعت في أول القصيدة لزمت في سائر أبياتها في الغالب، ولا تجوز مخالفتها.
ومن أشهر الزحافات «القبض»، وهو حذف الخامس الساكن، فتصير «مفاعيلن» «مفاعلن»، وهو في عروض الطويل لازم لا يكاد يتخلف. وبهذه الرخص يتسع البحر الواحد لإيقاعات متقاربة دون أن يخرج عن وزنه، ولذلك يبدو الشعر الجيد طليقًا غير متكلف.
كيف أعرف بحر قصيدة؟
تعرف بحر القصيدة بالتقطيع العروضي: تكتب البيت كما يُنطق لا كما يُكتب، ثم ترمز لكل حرف متحرك ولكل حرف ساكن، وتقسّم الناتج إلى تفعيلات تقارنها بتفعيلات البحور المعروفة. ويحتاج ذلك إلى تشكيل صحيح للبيت أولًا، لأن حركة واحدة قد تغيّر الوزن كله.
وللكتابة العروضية قواعد يسيرة: يُكتب التنوين نونًا ساكنة، والحرف المشدد حرفين أولهما ساكن، وتسقط همزة الوصل واللام الشمسية إذا لم تُنطقا، وتُشبع حركة آخر البيت فيتولد منها حرف مد.
ويستعين المبتدئون بمفاتيح البحور المنسوبة إلى صفي الدين الحلي، وهي أبيات يجمع كل منها اسم البحر وتفعيلاته، كقوله في الطويل: «طويلٌ له دون البحور فضائلُ … فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلُ».
في ميزان العرب يمكنك تجربة ذلك فورًا باستخدام أداة التحليل العروضي لأي نص تكتبه، كما تجد البحر مذكورًا في صفحات قصائد الموسوعة.
هل خرج الشعر العربي عن البحور الستة عشر؟
بقيت البحور الستة عشر إطار القصيدة العمودية قرونًا، لكن الشعراء طوّعوها: فابتكر أهل الأندلس الموشحات بتنويع الأوزان والقوافي داخل القصيدة، وظهر في القرن العشرين شعر التفعيلة الذي يكرر تفعيلة بحر واحد بعدد يختلف من سطر إلى سطر، دون التزام شطرين متساويين.
ومع ذلك ظلّ شعر التفعيلة قائمًا في الأغلب على البحور التي تتكرر فيها تفعيلة واحدة، كالكامل والرجز والرمل والمتقارب والمتدارك، فهو امتداد لعروض الخليل لا قطيعة معه.
أدلة أخرى
أنواع القافية في الشعر العربي · عصور الشعر العربي: من الجاهلية إلى الحديث · الصدر والعجز والشطر: مكوّنات البيت الشعري · ما هي المعلقات؟ · شاعرات العرب عبر العصور · فحول الشعراء: من هم أعظم شعراء العربية؟ · قصة قصيدة «بانت سعاد»: كعب بن زهير والبردة النبوية · قصة قصيدة «واحرّ قلباه»: عتاب المتنبي لسيف الدولة · قصة «نهج البردة»: شوقي يعارض البوصيري · قصة «أراكَ عصيَّ الدمع»: روميّات أبي فراس الحمداني · قصة «لا تعذليه»: عينية ابن زريق البغدادي · قصة «لامية العرب»: الشنفرى وشعر الصعاليك · الفرق بين الغزل العذري والغزل الصريح