الفرق بين الغزل العذري والغزل الصريح

بقلم عبدالله الزيدي · آخر تحديث ٢٤ سبتمبر ٢٠٢٦

الغزل من أقدم أغراض الشعر العربي وأوسعها، عرفه الجاهليون في مقدمات قصائدهم، ثم استقلّ في العصر الأموي غرضًا قائمًا بذاته، وتمايز إلى مدرستين واضحتين: غزلٌ عذري عفيف نشأ في البادية، وغزلٌ صريح حسّي نشأ في حواضر الحجاز.

ما الفرق بين الغزل العذري والغزل الصريح؟

الغزل العذري حبٌّ عفيف يتعلّق فيه الشاعر بامرأةٍ واحدة طوال عمره، ويشكو الحرمان والفراق، ويصف أثر الحب في نفسه أكثر مما يصف محبوبته. أما الغزل الصريح فيصف مفاتن المرأة ومغامرات اللقاء وصفًا حسّيًا مكشوفًا، ويتنقّل فيه الشاعر بين محبوباتٍ كثيرات.

ويظهر الفرق في أربعة أمور. الأول المحبوبة: فهي عند العذري واحدةٌ يقترن اسمها باسمه، وعند الصريح متعددة. والثاني موقع الشاعر: فالعذري طالبٌ شاكٍ، والصريح مطلوبٌ في الغالب، يصوّر النساء يتحدثن عنه ويتشوّقن إليه. والثالث البيئة: فالعذري ابن البادية، والصريح ابن مكة والمدينة وما فيهما من ترف. والرابع النبرة: فالعذري حزينٌ قلق، والصريح لاهٍ رشيق يميل إلى القصة والحوار.

لماذا سُمّي الغزل العذري بهذا الاسم؟

سُمّي الغزل العذري نسبةً إلى بني عُذرة، قبيلةٍ من قضاعة كانت منازلها في وادي القرى شمال الحجاز، واشتهر شعراؤها بالحب العفيف الذي يبلغ بصاحبه حدّ المرض والموت. ثم عمّت التسمية كل غزلٍ عفيف على هذا النمط، وإن لم يكن صاحبه من بني عذرة.

وتروي كتب الأدب أن رجلًا من بني عذرة سُئل: ممن أنت؟ فقال: من قومٍ إذا عشقوا ماتوا، فقالت جاريةٌ سمعته: عُذريٌّ وربِّ الكعبة. ومن أعلام هذا الغزل من غير عذرة قيس بن الملوح من بني عامر، وكثيّر من خزاعة، فالمدرسة مدرسة أسلوبٍ قبل أن تكون نسبًا.

وقد أفرد أبو الفرج الأصفهاني في «الأغاني» لأخبار هؤلاء العشاق تراجم طويلة، فحُفظت قصصهم مع أشعارهم، وصارت ثنائيات «قيس وليلى» و«جميل وبثينة» و«كثيّر وعزة» من أشهر قصص الحب في التراث العربي، تتناقلها الأجيال حتى اليوم.

من أشهر شعراء الغزل العذري؟

أشهر شعراء الغزل العذري أربعةٌ اقترن اسم كلٍّ منهم باسم محبوبته: قيس بن الملوح «مجنون ليلى»، وجميل بن معمر «جميل بثينة»، وكثيّر «كثيّر عزة»، وعروة بن حزام صاحب عفراء. ويلحق بهم قيس بن ذريح صاحب لبنى، وتوبة بن الحميّر صاحب ليلى الأخيلية.

فأما قيس بن الملوح فنُسجت حوله أخبارٌ كثيرة حتى شكّ بعض الرواة القدماء في وجوده أصلًا، ورأوا أن كثيرًا من الشعر المنسوب إليه قاله غيره وحُمل عليه. وتُنسب إليه القصيدة المعروفة بالمؤنسة: «تذكّرتُ ليلى والسنينَ الخواليا».

وأما جميل فعذريٌّ نسبًا ومذهبًا، أحبّ بثينة ومُنع منها، ومن داليته التي مطلعها «ألا ليت ريعان الشباب جديدُ» قوله: «يقولون جاهد يا جميلُ بغزوةٍ، وأيّ جهادٍ غيرهنّ أريدُ». وأما كثيّر فكان راوية جميل، وله في عزة تائيته المشهورة، وقد جمع إلى الغزل مديح الخلفاء الأمويين. وعروة بن حزام من أقدم العذريين، وتذكر الروايات أنه مات كمدًا على عفراء.

قيس بن الملوح، جميل بثينة، كثير عزة، عروة بن حزام، قيس بن ذريح

  • تذكرت ليلى والسنين الخواليا، قيس بن الملوح
  • ألا ليت ريعان الشباب جديد، جميل بثينة
  • خليلي هذا ربع عزة فاعقلا، كثير عزة

قارن بين القصيدتين

ما الغزل الصريح ومن إمامه؟

الغزل الصريح، ويسمى الحسّي أو الحضري، وتسمّيه بعض الكتب الحديثة الإباحي، غزلٌ يصف جمال المرأة ومجالس اللقاء وصفًا مكشوفًا، ويحكي مغامرات الشاعر في قالبٍ قصصي. وإمامه بلا منازع عمر بن أبي ربيعة المخزومي القرشي، شاعر مكة في العصر الأموي، ومن أصحابه العرجي والأحوص ووضاح اليمن.

كان عمر من بيت ثراءٍ في قريش، فعاش في مكة منصرفًا إلى الشعر، يتعرّض للنساء في موسم الحج ويصف لقاءاته بهن. وأبرز ما يميزه الحوار: يجعل قصيدته مشهدًا تتكلم فيه المرأة وصاحباتها ويتحدثن عنه، فتبدو القصيدة قصةً قصيرة بلغةٍ سهلة قريبة من لغة الحديث، ولذلك عُدّت قصائده من أخفّ الشعر العربي ظلًّا.

وأشهر شعره رائيته «أمِن آلِ نُعمٍ أنت غادٍ فمبكرُ»، ويُروى أن عبد الله بن عباس سمعها مرةً واحدة فحفظها. وللغزل الصريح سابقةٌ في الجاهلية عند امرئ القيس في معلقته وأخباره مع صواحبه، لكن العصر الأموي هو الذي جعله مدرسةً لها أعلامها.

عمر بن أبي ربيعة، العرجي، الأحوص الأنصاري، وضاح اليمن

  • أمن آل نعم أنت غاد فمبكر، عمر بن أبي ربيعة

لماذا ازدهرت المدرستان في العصر الأموي؟

يرى الدارسون أن الفتوح غيّرت حياة الحجاز: فتدفّقت الأموال على مكة والمدينة، وانصرف كثيرٌ من أبناء قريش والأنصار عن السياسة إلى الترف والغناء، فنشأ الغزل الصريح. وبقيت البادية على حياتها الشحيحة وأعرافها التي تأبى تزويج الفتاة ممن شبّب بها، فنشأ الغزل العذري.

ويرى بعض الدارسين المحدثين أن للإسلام أثرًا في العذرية أيضًا، إذ هذّب النفس فصار الحب المحروم عفةً وشكوى بدل أن يكون مغامرة. وقد امتدّ أثر المدرستين بعد ذلك: فورث العباسيون الغزل الحضري بصورٍ أجرأ عند أبي نواس وأضرابه، وورث المتصوفة من العذريين لغة الوله والفناء في المحبوب، حتى صار «مجنون ليلى» رمزًا في أدبهم.

اقرأ من الغزل

في موسوعتنا آلاف قصائد الغزل من المدرستين، مصنّفةً بالغرض والعصر، ومعها مختاراتٌ من أبيات الغزل السائرة.

وإن أردت أن تلمس الفرق بنفسك فابدأ بمؤنسة مجنون ليلى ثم برائية عمر بن أبي ربيعة، ووازن بين نبرتيهما: شكوى المحروم في الأولى، وحكاية المغامر في الثانية.

قصائد الغزل · أبيات شعر عن الغزل

أدلة أخرى

ما هي بحور الشعر العربي؟ · أنواع القافية في الشعر العربي · عصور الشعر العربي: من الجاهلية إلى الحديث · الصدر والعجز والشطر: مكوّنات البيت الشعري · ما هي المعلقات؟ · شاعرات العرب عبر العصور · فحول الشعراء: من هم أعظم شعراء العربية؟ · قصة قصيدة «بانت سعاد»: كعب بن زهير والبردة النبوية · قصة قصيدة «واحرّ قلباه»: عتاب المتنبي لسيف الدولة · قصة «نهج البردة»: شوقي يعارض البوصيري · قصة «أراكَ عصيَّ الدمع»: روميّات أبي فراس الحمداني · قصة «لا تعذليه»: عينية ابن زريق البغدادي · قصة «لامية العرب»: الشنفرى وشعر الصعاليك