قصة «نهج البردة»: شوقي يعارض البوصيري
بقلم عبدالله الزيدي · آخر تحديث ٢٤ سبتمبر ٢٠٢٦
لمن نُظمت «نهج البردة»؟
نظم أمير الشعراء أحمد شوقي «نهج البردة» في مدح النبي محمد ﷺ، معارضًا بها بردة البوصيري على وزنها ورويّها وموضوعها. وسمّاها بهذا الاسم اعترافًا بالأصل الذي سار على نهجه، فهي تحية لقصيدة سبقتها بنحو ستة قرون، ومباراة لها في آن واحد.
مطلعها: «ريمٌ على القاعِ بين البانِ والعلمِ، أحلَّ سفكَ دمي في الأشهرِ الحُرُمِ»، فهو يفتتح بالغزل على سنّة القصيدة العربية القديمة، كما افتتح البوصيري بالحنين إلى «ذي سَلَم»، ثم ينتقل إلى محاسبة النفس، ثم إلى المديح النبوي وسيرة النبي ﷺ ورسالته.
وقد لقيت القصيدة عناية العلماء منذ ظهورها، فشرحها شيخ الأزهر سليم البشري في كتاب سمّاه «وضح النهج». وغنّت أم كلثوم أبياتًا مختارة منها بلحن رياض السنباطي، فبلغت جمهورًا واسعًا خارج دوائر الأدب.
ما قصة بردة البوصيري؟
البردة قصيدة ميمية في مدح النبي ﷺ نظمها شرف الدين محمد بن سعيد البوصيري في العصر المملوكي، وسمّاها «الكواكب الدرية في مدح خير البرية». ويُروى أنه نظمها وقد أصابه الفالج، فرأى النبي ﷺ في المنام يمسح عليه ويلقي عليه بردة، فقام معافى، ومن هنا اسمها.
وهذه الرواية يتناقلها الشرّاح والمحبّون، ولا سبيل إلى تمحيصها، لكنها صنعت للقصيدة هالتها. ومطلعها: «أمِن تذكّرِ جيرانٍ بذي سَلَمٍ، مزجتَ دمعًا جرى من مقلةٍ بدمِ»، ومن أبياتها السائرة: «محمدٌ سيّدُ الكونينِ والثقلينِ، والفريقينِ من عُربٍ ومن عجمِ»، وفيها حكمة شهيرة في تربية النفس: «والنفسُ كالطفلِ إن تُهمِلْه شبَّ على حبِّ الرضاعِ وإن تفطمْه ينفطمِ».
وانتشرت البردة انتشارًا قلّ أن تعرفه قصيدة مديح: حُفظت وأُنشدت في المجالس والمناسبات، وكُتبت أبياتها على جدران المساجد، وكثرت شروحها وتخميساتها وتشطيراتها في أرجاء العالم الإسلامي.
وكان البوصيري شاعرًا مصريًّا يُنسب إلى بلدة بوصير، عمل كاتبًا ونظم في أغراض شتى، وله في المديح النبوي قصائد أخرى أشهرها همزيته. لكن البردة طغت على كل ما كتب، حتى صار اسمه لا يُذكر إلا مقرونًا بها، وصار كثير من الناس يحفظون أبياتها دون أن يعرفوا من صاحبها.
ما صلة البردة بقصيدة كعب بن زهير؟
اسم «البردة» أقدم من البوصيري: فقد اشتهرت لامية كعب بن زهير «بانت سعاد» بالاسم نفسه، إذ تذكر الرواية أن النبي ﷺ خلع على كعب بردته حين أنشده إياها معتذرًا. فصار الاسم يربط القصيدتين، وصارت قصيدة البوصيري حلقة في سلسلة تبدأ من كعب.
والفرق بين المقامين كبير: كعب شاعر مخضرم جاء يطلب الأمان بعد أن أُهدر دمه، فبدأ على عادة القدماء بالغزل ثم اعتذر ومدح. أما البوصيري فكتب بعد أكثر من ستة قرون، شاعرًا متصوفًا يرجو الشفاء والشفاعة، فجعل المديح النبوي غرضًا قائمًا بذاته له بناؤه ومعانيه.
والصلة بين القصيدتين صلة اسم وموضوع أكثر منها صلة وزن وقافية: فكلتاهما من بحر البسيط، لكن رويّ كعب اللام ورويّ البوصيري الميم. أما المعارضة الدقيقة وزنًا ورويًّا فهي التي عقدها شوقي مع البوصيري.
ما المعارضة الشعرية؟
المعارضة أن ينظم الشاعر قصيدة على وزن قصيدة مشهورة ورويّها وموضوعها، مباراةً لصاحبها لا سرقةً منه. وهي من أعرق تقاليد الشعر العربي، وسلسلة البردة أشهر أمثلتها: من كعب بن زهير إلى البوصيري إلى أحمد شوقي، ومن بعدهم شعراء كثيرون ساروا على الطريق نفسه.
والمعارِض لا يخفي أصله، بل يعلنه ويستدعيه: يأخذ الوزن والقافية ليقول للقارئ إنه يعرف القصيدة الأولى ويقف أمامها، ثم يحاول أن يأتي بمعانٍ جديدة أو بصياغة تضاهيها. ولهذا كان شوقي صريحًا حين سمّى قصيدته «نهج البردة»، أي الطريق الذي رسمته البردة.
وكانت المعارضة عند شوقي منهجًا لا مصادفة، فقد عارض كبار القدماء في غير قصيدة: عارض سينية البحتري «صنتُ نفسي عمّا يدنّس نفسي» بسينيته الأندلسية «اختلاف النهار والليل يُنسي»، وعارض نونية ابن زيدون «أضحى التنائي بديلًا من تدانينا» بنونيته «يا نائح الطلح أشباه عوادينا». وكان ذلك جزءًا من مشروع مدرسة الإحياء التي أرادت أن تصل الشعر الحديث بذروة الشعر القديم.
- صنت نفسي عما يدنس نفسي، البحتري
- اختلاف النهار والليل ينسي، أحمد شوقي
- أضحى التنائي بديلا من تدانينا، ابن زيدون
- يا نائح الطلح أشباه عوادينا، أحمد شوقي
كيف عارض شوقي البوصيري؟
التزم شوقي بحر البسيط ورويّ الميم المكسورة كما في البردة، وسار على بنائها العام: غزلٌ في المطلع، ثم محاسبة النفس، ثم المديح النبوي والسيرة. لكنه أدخل هموم عصره، فتحدّث عن رسالة الإسلام في مواجهة الحاضر وما آل إليه حال المسلمين، وختم بالدعاء لهم.
فالبوصيري يكتب بروح المتصوف الذي يطلب الشفاعة لنفسه، وشوقي يكتب بروح الشاعر الذي يرى أمة بأكملها في محنة، فيستدعي السيرة النبوية ليستنهض بها حاضره. ومن هنا جاءت نهج البردة أكثر اتصالًا بالتاريخ والسياسة، وجاءت البردة أكثر اتصالًا بالوجدان والرجاء.
ولم تكن نهج البردة قصيدته النبوية الوحيدة، فله أيضًا همزيته الشهيرة «ولد الهدى فالكائنات ضياء». وبهذه القصائد صار شوقي حلقة حديثة في سلسلة المديح النبوي، ودليلًا على أن المعارضة لم تنقطع بانقضاء العصور القديمة.
واليوم تُقرأ القصيدتان معًا: البردة بما لها من سبق وهالة، ونهج البردة بما فيها من صنعة وجزالة، ويستطيع القارئ أن يوازن بينهما بيتًا ببيت.
- أمن تذكر جيران بذي سلم، البوصيري
- ريم على القاع بين البان و العلم، أحمد شوقي
- بانت سعاد فقلبي اليوم متبول، كعب بن زهير
- ولد الهدى فالكائنات ضياء، أحمد شوقي
أدلة أخرى
ما هي بحور الشعر العربي؟ · أنواع القافية في الشعر العربي · عصور الشعر العربي: من الجاهلية إلى الحديث · الصدر والعجز والشطر: مكوّنات البيت الشعري · ما هي المعلقات؟ · شاعرات العرب عبر العصور · فحول الشعراء: من هم أعظم شعراء العربية؟ · قصة قصيدة «بانت سعاد»: كعب بن زهير والبردة النبوية · قصة قصيدة «واحرّ قلباه»: عتاب المتنبي لسيف الدولة · قصة «أراكَ عصيَّ الدمع»: روميّات أبي فراس الحمداني · قصة «لا تعذليه»: عينية ابن زريق البغدادي · قصة «لامية العرب»: الشنفرى وشعر الصعاليك · الفرق بين الغزل العذري والغزل الصريح