قصة قصيدة «بانت سعاد»: كعب بن زهير والبردة النبوية
بقلم عبدالله الزيدي · آخر تحديث ٢٤ سبتمبر ٢٠٢٦
«بانت سعاد» لاميةٌ لكعب بن زهير بن أبي سلمى، أنشدها بين يدي النبي ﷺ معتذرًا بعد أن أُهدر دمه، فكانت سبب عفوه عنه. وهي أشهر قصيدةٍ في مدح النبي ﷺ قيلت في حياته، وأصلُ سلسلةٍ طويلة من المدائح النبوية امتدّت قرونًا. وفي هذا الدليل قصة القصيدة كما ترويها كتب السيرة والأدب، وخبر البردة، وبناء القصيدة، وأثرها فيمن جاء بعد كعب من شعراء المديح.
من هو كعب بن زهير؟
كعب بن زهير شاعرٌ مخضرم من قبيلة مزينة، أدرك الجاهلية والإسلام، وهو ابن زهير بن أبي سلمى صاحب المعلقة. نشأ في بيتٍ توارث الشعر، فأخوه بجير شاعر أيضًا، وجعله ابن سلّام في الطبقة الثانية من فحول الجاهليين مع أوس بن حجر وبشر بن أبي خازم والحطيئة.
وتذكر كتب الأدب أن زهيرًا كان يمنعه من قول الشعر وهو صغير، حتى امتحنه ورأى أن طبعه قد استحكم فأذن له. وكان الحطيئة راوية زهير، وله مع كعب أخبارٌ في الشعر تدلّ على منزلة هذا البيت عند الشعراء في زمانه.
ما قصة قصيدة بانت سعاد؟
قصة بانت سعاد أن كعب بن زهير، وهو ابن صاحب المعلقة، هجا النبي ﷺ والمسلمين فأُهدر دمه، فلما ضاقت به الأرض قدم المدينة متنكرًا، وجاء النبيَّ ﷺ تائبًا مسلمًا، ثم أنشده لاميته التي مطلعها «بانَت سُعادُ فقلبي اليومَ متبولُ»، فعفا عنه وقبل إسلامه.
وأصل الخبر كما يرويه ابن إسحاق في السيرة أن أخاه بُجَيرًا أسلم قبله، فبعث إليه كعبٌ بأبياتٍ يلومه فيها على ترك دين آبائه، وفيها تعريضٌ بالنبي ﷺ، أولها «ألا أبلغا عني بُجيرًا رسالةً»، فبلغت النبيَّ فأهدر دمه. فلما انصرف النبي ﷺ من الطائف كتب بجيرٌ إلى أخيه يخبره، وأشار عليه أن يأتي النبيَّ تائبًا، فإنه لا يقتل من جاءه مسلمًا.
فقدم كعبٌ المدينة ونزل على رجلٍ من جهينة كانت بينهما معرفة، ثم غدا به إلى النبي ﷺ حين صلّى الصبح. فجلس إليه ووضع يده في يده، والنبي لا يعرفه، وسأله: إن كعب بن زهير قد جاء يستأمنك تائبًا مسلمًا، فهل أنت قابلٌ منه إن جئتك به؟ فلما قال نعم، كشف عن نفسه وقال: أنا كعب بن زهير. فوثب رجلٌ من الأنصار يريد قتله، فكفّه النبي ﷺ وقال إنه جاء تائبًا. ثم أنشد كعبٌ قصيدته.
كعب بن زهير، بجير بن زهير المزني
لماذا سُمّيت بانت سعاد «البردة»؟
سُمّيت بانت سعاد «البردة» لما تذكره الروايات من أن النبي ﷺ لما سمعها خلع على كعبٍ بردته إكرامًا له. ولم يرد هذا الخبر في رواية ابن إسحاق للقصة، وإنما جاء في مصادر أخرى تكلّم المحدّثون في أسانيدها، لكنه اشتهر حتى غلب اسم البردة على القصيدة.
وتذكر الروايات أيضًا أن معاوية بن أبي سفيان اشترى البردة من ورثة كعب، وأنها انتقلت بعده إلى الخلفاء يلبسونها في المواسم والأعياد، وفي تفاصيل ذلك اختلافٌ بين المصادر. ومهما يكن من أمر الخبر، فقد صار اسم البردة رمزًا لجائزة المديح النبوي، ثم انتقل إلى قصيدة البوصيري بعد نحو ستة قرون.
ماذا تقول قصيدة بانت سعاد؟
تجري بانت سعاد على نهج القصيدة الجاهلية: تبدأ بالنسيب في «سعاد» التي فارقت الشاعر، ثم تصف الناقة التي تحمله إلى الممدوح وصفًا طويلًا، ثم تنتقل إلى الوشاة وخوف الشاعر، وتنتهي بالاعتذار ومدح النبي ﷺ والمهاجرين. وهي على بحر البسيط، ورويّها اللام المضمومة.
والنسيب في مطلع القصيدة تقليدٌ فني ورثه كعب عن أبيه وعن شعراء الجاهلية، فلا يلزم أن تكون سعاد امرأةً بعينها. ومن أبياتها السائرة في الحكمة: «كلّ ابن أنثى وإن طالت سلامته، يومًا على آلةٍ حدباءَ محمولُ»، ومن أبيات الاعتذار: «أُنبئتُ أن رسول الله أوعدني، والعفوُ عند رسول الله مأمولُ».
وتذكر الروايات أن الأنصار وجدوا على كعب لأنه خصّ المهاجرين بمديحه، فقال بعد ذلك أبياتًا يمدحهم فيها. وقد عُني العلماء بالقصيدة فشرحوها مرارًا، ومن أشهر شروحها شرح ابن هشام الأنصاري النحوي.
ما أثر بانت سعاد في الشعر العربي؟
صارت بانت سعاد أمَّ المدائح النبوية: فهي أول قصيدة مديحٍ كبرى قيلت في النبي ﷺ واقترنت بقصة عفوٍ وجائزة، فاقتدى بها الشعراء قرونًا. وورث البوصيري اسمها «البردة» في ميميته الشهيرة، ثم عارض أحمد شوقي البوصيريَّ بـ«نهج البردة»، فامتدت السلسلة من كعب إلى شوقي ثلاثة عشر قرنًا.
والفرق بين الحلقات دقيق: فبردة البوصيري ميميةٌ على بحر البسيط، لا لاميةٌ كقصيدة كعب، فليست معارضةً لبانت سعاد بالمعنى الفني، وإنما أخذت اسمها من منامٍ رواه البوصيري: أنه رأى النبي ﷺ يلقي عليه بردةً فبرئ من علته. أما شوقي فعارض البوصيري معارضةً تامة في الوزن والروي والغرض. وقد عارض بانت سعاد نفسها شعراء كثيرون على وزنها ورويّها في عصورٍ مختلفة.
وتجد في الموسوعة حلقات السلسلة الثلاث متجاورة، لتقرأها وتوازن بينها:
- بانت سعاد فقلبي اليوم متبول، كعب بن زهير
- أمن تذكر جيران بذي سلم، البوصيري
- ريم على القاع بين البان و العلم، أحمد شوقي
دليل: أنواع القافية · قصة نهج البردة
أدلة أخرى
ما هي بحور الشعر العربي؟ · أنواع القافية في الشعر العربي · عصور الشعر العربي: من الجاهلية إلى الحديث · الصدر والعجز والشطر: مكوّنات البيت الشعري · ما هي المعلقات؟ · شاعرات العرب عبر العصور · فحول الشعراء: من هم أعظم شعراء العربية؟ · قصة قصيدة «واحرّ قلباه»: عتاب المتنبي لسيف الدولة · قصة «نهج البردة»: شوقي يعارض البوصيري · قصة «أراكَ عصيَّ الدمع»: روميّات أبي فراس الحمداني · قصة «لا تعذليه»: عينية ابن زريق البغدادي · قصة «لامية العرب»: الشنفرى وشعر الصعاليك · الفرق بين الغزل العذري والغزل الصريح