قصة «لامية العرب»: الشنفرى وشعر الصعاليك

بقلم عبدالله الزيدي · آخر تحديث ٢٤ سبتمبر ٢٠٢٦

لامية العرب قصيدةٌ جاهلية على بحر الطويل، رويّها اللام، تُنسب إلى الشنفرى الأزدي، أحد الشعراء الصعاليك. وهي من أشهر قصائد العربية وأغربها لغةً، يرسم فيها صاحبها صورة الرجل الذي خرج على قومه واكتفى بالصحراء ووحوشها، فصارت بيانًا لأخلاق الأنفة والصبر والاستغناء.

من هو الشنفرى؟

الشنفرى شاعرٌ جاهلي من الأزد، من أشهر الشعراء الصعاليك، عاش خليعًا عن قومه يغزو وحده أو مع رفاقٍ قلائل، واشتهر بسرعة العدْو حتى ضُرب به المثل فقيل: «أعدى من الشنفرى». واختُلف في اسمه، فقيل إن الشنفرى اسمه، وقيل هو لقبٌ معناه العظيم الشفتين.

وتروي الأخبار أنه نشأ في غير قومه، فلما عرف ذلك غضب على من نشأ فيهم وأقسم ليقتلنّ منهم مئة رجل، وتزعم الروايات أنه قتل تسعةً وتسعين ثم قُتل، فرفس رجلٌ منهم جمجمته فأصابته شظيةٌ منها فمات، فتمّت به المئة. وهي حكايةٌ أقرب إلى الأسطورة، لكنها تكشف كيف رأى العرب هذا الشاعر: رجلًا لا يموت ثأره بموته. وكان من رفاقه في الغزو تأبط شرًّا.

الشنفرى، تأبط شراً

من هم الشعراء الصعاليك؟

الشعراء الصعاليك جماعةٌ من شعراء الجاهلية خلعتهم قبائلهم لجناياتهم، أو خرجوا عليها لفقرهم أو لهوان منزلتهم فيها، فعاشوا في الصحراء يغيرون على الأغنياء ويقتسمون الغنيمة مع الفقراء. والصعلوك في اللغة الفقير الذي لا مال له، ثم صار اسمًا لهذه الطائفة من الشعراء.

ومن أعلامهم عروة بن الورد الذي لُقّب «أبا الصعاليك» لأنه كان يجمع الفقراء ويغزو بهم ويعولهم، وتأبط شرًّا، والسليك بن السلكة، والشنفرى. ويشترك شعرهم في الفخر بالقوة الفردية وسرعة العدو والصبر على الجوع، وفي ذمّ البخل والقعود، ويخلو في الغالب من المقدمة الطللية، فيدخل الشاعر إلى غرضه مباشرة.

عروة بن الورد، السليك بن السلكة

لماذا سُمّيت لامية العرب؟

سُمّيت «لامية» لأن رويّها حرف اللام، على عادة العرب في تسمية القصائد بحروف رويّها، وأُضيفت إلى «العرب» لأنها عُدّت صورةً جامعة لأخلاق العربي في الصحراء: الأنفة والكرم والصبر والاعتداد بالنفس. ثم ثبّت هذه التسمية ظهورُ «لامية العجم» للطغرائي في مقابلها.

ومطلعها: «أقيموا بني أمي صدورَ مطيّكم، فإني إلى قومٍ سواكم لأميَلُ»، يخاطب فيه قومه أن يمضوا لشأنهم، فقد عزم على فراقهم ووجد له أهلًا غيرهم.

ماذا تقول لامية العرب؟

تقول لامية العرب إن الكريم لا يقيم على الذل، وإن الأرض واسعة لمن ضاق به قومه. فيبدأ الشنفرى بإعلان الرحيل، ثم يعدّد أهله الجدد من وحوش الصحراء، ثم يفاخر بصبره على الجوع والبرد والسهر، ويصف غاراته ليلًا ومراقبته من رؤوس الجبال.

وفيها البيت السائر: «وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى، وفيها لمن خاف القِلى متعزَّلُ». ثم يقول في أهله البديلين: «ولي دونكم أهلون: سِيدٌ عَمَلَّسٌ، وأرقطُ زُهلولٌ وعرفاءُ جيألُ»، يعني الذئب السريع، والنمر الأملس، والضبع ذات العُرف، ويفضّلهم على قومه بأنهم لا يفشون سرًّا ولا يخذلون جانيًا.

ويقول في الصبر على الجوع: «أُديمُ مِطالَ الجوع حتى أُميتَه، وأضربُ عنه الذِّكرَ صفحًا فأذهَلُ». ثم يرسم مشاهد دقيقة من حياة الصحراء: الذئاب الجائعة تعوي حوله، والقطا يسابقه إلى الماء فيسبقها، والليلة الشديدة البرد يخرج فيها إلى الغزو وحده.

هل لامية العرب من شعر الشنفرى حقًّا؟

المشهور أنها للشنفرى، وعلى ذلك أكثر الرواة والشرّاح. وقيل إنها من صنع خلف الأحمر، الراوية البصري في القرن الثاني الهجري، وكان معروفًا بإجادة نظم الشعر على طريقة القدماء ونحله إياهم. ولم يُحسم الخلاف إلى اليوم، والدارسون المحدثون منقسمون بين القولين.

ويحتجّ من ينسبها إلى خلف بما عُرف عنه من الوضع على ألسنة الجاهليين، وتذكر الروايات أنه أقرّ ببعض ذلك في آخر عمره. ويحتجّ من يثبتها للشنفرى بأن لغتها الغريبة وصورها البدوية الدقيقة تنسجم مع ما صحّ من شعر الصعاليك. وأيًّا كان قائلها، فقد تلقّاها العلماء بالقبول، ورووها وشرحوها واستشهدوا بها في اللغة.

ما مكانة لامية العرب وما صلتها بلامية العجم؟

بلغت لامية العرب منزلةً جعلت الناس يتداولون قولًا يُنسب في بعض الكتب إلى عمر بن الخطاب: «علّموا أولادكم لاميةَ العرب فإنها تعلّمهم مكارم الأخلاق». وشرحها العلماء مرارًا، واستشهد بها أهل اللغة والأدب، ومن أشهر شروحها «أعجب العجب في شرح لامية العرب» للزمخشري.

وأما «لامية العجم» فقصيدةٌ للطغرائي، الكاتب والوزير في دولة السلاجقة، مطلعها «أصالةُ الرأي صانتني عن الخطلِ»، يشكو فيها زمانه ويعتدّ بنفسه. وسُمّيت لامية العجم مقابلةً للامية العرب، لأن صاحبها أعجمي الأصل. وهي تلتقي بها في الروي وفي النبرة الأبية، لكنها على بحر البسيط لا على الطويل، فليست معارضةً لها بالمعنى الدقيق. وقد صارتا قرينتين في كتب الأدب، تُحفظان معًا وتُشرحان معًا.

وقد عُني بها المستشرقون أيضًا فترجموها إلى لغاتٍ أوروبية منذ القرن التاسع عشر، فصارت من أعرف القصائد الجاهلية خارج العالم العربي، وما زالت تُقرأ مثالًا على شعر الصحراء في أصفى صوره.

الطغرائي

  • أقيموا بني أمي صدور مطيكم، الشنفرى

قصائد على قافية اللام

أدلة أخرى

ما هي بحور الشعر العربي؟ · أنواع القافية في الشعر العربي · عصور الشعر العربي: من الجاهلية إلى الحديث · الصدر والعجز والشطر: مكوّنات البيت الشعري · ما هي المعلقات؟ · شاعرات العرب عبر العصور · فحول الشعراء: من هم أعظم شعراء العربية؟ · قصة قصيدة «بانت سعاد»: كعب بن زهير والبردة النبوية · قصة قصيدة «واحرّ قلباه»: عتاب المتنبي لسيف الدولة · قصة «نهج البردة»: شوقي يعارض البوصيري · قصة «أراكَ عصيَّ الدمع»: روميّات أبي فراس الحمداني · قصة «لا تعذليه»: عينية ابن زريق البغدادي · الفرق بين الغزل العذري والغزل الصريح