هناءٌ كأزْهارِ الرُبَى مُتحمَّلُ
الشاعر: ابن فُركون · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة دينية
هذه القصيدة من شعر ابن فُركون، من المغرب والأندلس، وتقع في 52 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف اللام، وغرضها قصيدة دينية.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
هناءٌ كأزْهارِ الرُبَى مُتحمَّلُ ... وبُشْرَى كأنْوارِ الضّحى تتهلّلُ
هُوَ الصُّنعُ صُنعُ اللهِ معْنَى وجودِهِ ... سَبيلٌ لما شاءَتْ عُلاكَ مُوصَّلُ
ولا كالذي رامَ العِنادَ سَفاهَةً ... يَرى الدّهْرَ عنهُ مُعْرضاً وهْوَ مُقْبِلُ
وأمّــــلَ مــــثوَى العِزِّ لا دَرَّ درُّهُ ... وليسَ له عن مرْتَعِ الذّلِّ مَرْحَلُ
ألمْ يدْرِ أن النّاصرَ المَلكَ الرِّضَى ... إذا قالَ فالمِقْدارُ ما شاءَ يفْعَلُ
لهُ شيمٌ في الحِلْمِ والعِلْمِ والندَى ... يَفوقُ بها كلَّ المُلوكِ ويَفْضُلُ
فحزْمٌ كلَيْثِ الغابِ يحمِي ذِمارَهُ ... وعزْمٌ كما قد هُزّ في الرّوْعِ مُنصُلُ
وجودٌ كما جادَتْ لدَى المَحْلِ ديمةٌ ... وبِشرٌ كما حيّا الضّحى المُتهلِّلُ
تواضَعَ فاسْتعْلَى بصِدْقِ يَقينِه ... وعزّ فذلّ الماكِرُ المُتحيِّلُ
أتَى وثيابُ الهونِ تعْلو قُيودَهُ ... فيرْسُفُ طوْعَ الذُلِّ فيها ويرْفُلُ
وجاءَ وقدْ حفّتْ بهِ الشيعَة التي ... لها من ذَميم الغَدْرِ ما ليْسَ يُجْهَلُ
تحامَى طريقَ الرُشْدِ من قَبْلُ فاغْتَدى ... تُـــــــزلِّلُهُ آراؤهُـــــــمْ وتُــــــضــــــلّلُ
ولوْ أمّل المَوْلَى الخليفَةَ يوسُفاً ... لما راعَهُ خَطْبٌ من الدّهْرِ مُعْضِلُ
ولوْ أمّ للباب الكريمِ لأصبحَتْ ... وُجوهُ الأماني نحْوَهُ تتهلّلُ
ولكــــنّهُ مــــا جــــدّ إلا لأنْ يُــــرَى ... كما شاءَهُ المِقْدارُ وهْوَ مجَدِّلُ
وقد عزّ من ولّيْتهُ المُلْكَ مُنْعِماً ... وأضْحى الذي ناواكَ وهْوَ مُذَلَّلُ
حُلا المُلْكِ حَلْيٌ منهُ هذا مُطوّقٌ ... كما شاءَتِ النعْمَى وذاك مُعطَّلُ
صنائِعُ جَلتْ أن يُحيطَ بوصْفِها ... نِظامٌ بليغٌ أو نثارٌ مُفَصَّلُ
وقد كان فيها الحزْمُ ضُيِّعَ بُرهةً ... ونالَ العِدى ما أمّلوا حينَ أُغْفِلوا
وأُمِّنـــ فيها خائِنٌ ومُخادعٌ ... وصُدّقَ فيها مُلحِدٌ ومُعَطّلُ
بحيثُ جميعُ الغادِرين تفرّقوا ... وفرّوا عنِ النّهْجِ القَويمِ وأجْفَلوا
لقد كفَروا نُعْماكَ بَغياً وطالَما ... وهَبْتَ وأنتَ المنعِمُ المتَطوِّلُ
تحامَوْا جَناباً عندَهُ العِزُّ والعُلى ... لهُمْ منهُ كهْفٌ في الخُطوبِ وموْئِلُ
أينعَمُ فيه الغادِرونَ تخيُّلاً ... وقد كفَروا النعْمَى التي فيهِ خُوِّلوا
وقد عادَ للقَصْدِ الذي كان آمِلاً ... وليــــسَ لهُ إلا عــــليْــــكَ مُــــعَــــوَّلُ
وحُكِّمَ سيفُ النّصْرِ فيهم وإنّهُ ... لَحُكْمٌ بما شاءَتْ علاكَ مُسَجَّلُ
بحيثُ الوَغى تُبْدي ظُباها جَداوِلاً ... علَيْها منَ الخَطّيّ دوْحٌ مُهدَّلُ
وبُشْراكَ يا مَولَى المُلوكِ براحَةٍ ... تُتمِّمُ ما شاء الهُدى وتكمِّلُ
فلوْ أنصفَ الخدّامُ أضحَتْ نفوسُهُمْ ... وأرواحُهُمْ طوْعَ البَشائِرِ تُبْذَلُ
ومنْ قَبْلُ هنّأْنا عُلاكَ بوافِدٍ ... مَخائِلُهُ يقْضي بها المتأمِّلُ
مُحيّاه وضّاحُ الأسِرَّة نَيّرٌ ... ترَى الشهْبَ تسْتَهدي سَناه وتسألُ
تَلا صِنْوَهُ الأرْضَى وإنّ كِلَيْهِما ... لَهــــادٍ رَشيدٌ مُهْتَدٍ متوكِّلُ
فهذا إلى بذْلِ المكارِمِ يُرْتَجى ... وذاكَ لنــــيْلِ المعْلُواتِ يُؤَمَّلُ
لذلكَ أزْهارُ الفتوحاتِ تُجْتَلَى ... وروضُ المُنى أدْواحُها تتهدّلُ
وإنّ عــــدوَّ الدّينِ سوفَ تخالُهُ ... لديْكَ وقد وافاهُ حتْفٌ معجّلُ
وأوطــــانُهُ تُــــمْسي وكلُّ موحِّدٍ ... يُــــكَــــبِّرُ في أرْجائِها ويُهَلِّلُ
فَيا راكِبَ الوجْناءِ يَطوي بِها الفَلا ... إلى طِيّةٍ آثارُها ليْسَ تُجْهَلُ
إلى معهَدِ الأنسِ الذي في بطاحِهِ ... تُفسَّرُ أوصافُ الجمالِ وتُجمَلُ
إلى منزِلِ العِزِّ الذي كُل آمِلٍ ... يُجِدُّ له السيْرَ الحثيثَ ويُعْمِلُ
أرِحْها فقدْ حَلَّتْ بمثوى خليفَةٍ ... لهُ السّبْقُ وهوَ الوادِعُ المُتمهّلُ
إمـــــامٌ له حِـــــلْمٌ وعــــلمٌ ونــــائلٌ ... وحــــزْمٌ وإقــــدامٌ ومجْدٌ مؤثّلُ
إذا أعْمَلَ القصّادُ نحْوَ جنابِه ... ركائِبَهُمْ أعْمالُهُمْ تُتَقبَّلُ
يجودُ غمامُ الجودِ من أفْقِ كفّه ... فيفْضَحُ صوبَ الغادِياتِ ويُخْجِلُ
إذا ما حَللْنا تحتْ ظلّ جَنابِه ... فما ضرّ أن ينْأى حَبيبٌ ومنزِلُ
أُعيذُ العُلَى من أن تخيبَ عِصابةٌ ... بحُبّ المقامِ اليوسُفيّ توسّلُوا
فمِثْليَ مَن رَقّيْتَ يا ملِكَ الهُدَى ... ومثلُكَ من يولِي الجَميلَ ويُجْزِلُ
وهَبْتَ وقد أمّنْتَ ممّا أخافُهُ ... فلمْ يبْقَ ما يُخْشى ولا ما يُؤَمَّلُ
وأوْليْتَني النّعْمى التي كنتُ آمِلاً ... فخِلْتُ حُلاها فوقَ ما يُتخيَّلُ
وألْبَسْتَني ما شِئْتَ من خِلَعِ الرّضى ... فأصبَحْتُ في أثْوابِها أتسَربَلُ
بماذا أوفّي شُكْرَ نعْمَتِكَ التي ... حَديثُ تواليها صحيحٌ مُسَلْسَلُ
فدامَت على الممْلوكِ منها مَلابسٌ ... تَبيدُ اللّيالي وهْيَ لا تتبدّلُ
ودُمْتَ لدين اللهِ أكْرمَ ناصرٍ ... وهَدْيُكَ يُسْتَجْلى وجودُك يُسألُ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف اللام، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، الصحاح:
- الصنع: صنع: صَنَعَه يَصْنَعُه صُنْعاً، فَهُوَ مَصْنوعٌ وصُنْعٌ: عَمِلَه. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ؛ قَالَ أَبو إِسحاق: الْقِرَاءَةُ بِالنَّصْبِ وَيَجُوزُ الرَّفْعُ، فَمَنْ نَصَبَ فَعَلَى … (لسان العرب)
- العناد: عند: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ. قَالَ قَتَادَةُ: العنيدُ المُعْرِضُ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ تَعَالَى: وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ. عَنَدَ الرجلُ يَعْنُد عَنْدا … (لسان العرب)
- الناصر: أصر: أَصَرَ الشيءَ يَأْصِرُه أَصْراً: كَسَرَهُ وعَطَفه. والأَصْرُ والإِصْرُ: مَا عَطَفك عَلَى شَيْءٍ. والآصِرَةُ: مَا عَطَفك عَلَى رَجُلٍ مِنْ رَحِم أَو قَرَابَةٍ أَو صِهْر أَو مَعْرُوفٍ، وَالْجَمْعُ الأَواصِرُ. والآصِرَ … (لسان العرب)
- ذماره: ذمر: الذَّمْرُ: اللَّوْمُ والحَضُّ مَعًا. وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَلا وإِن الشَّيْطَانَ قَدْ ذَمَّرَ حِزْبَه أَي حضهم وشجعهم؛ ذَمَرَه يَذْمُرُه ذَمْراً: لامَهُ وحَضَّهُ وحَثَّهُ. وتَذَمَّرَ هُوَ: لَا … (لسان العرب)
- شاءت: شأت: الشَّئِيتُ مِنَ الْخَيْلِ: العَثُورُ، وَلَيْسَ لَهُ فِعْلٌ يَتَصَرَّفُ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي يَقْصُر حافِرا رِجْلَيْه عَنْ حافِرَيْ يَدَيْه؛ قَالَ عَديُّ بنُ خَرْشَةَ الخَطْميُّ، وَقِيلَ هُوَ لِرَجُلٍ مِنَ الأَنصار … (لسان العرب)
- فحزم: حزم: الحَزْمُ: ضَبْطُ الإِنسان أَمره والأَخذ فِيهِ بالثِّقة. حَزُمَ، بِالضَّمِّ، يَحْزُم حَزْماً وحَزامَةً وحُزُومة، وَلَيْسَتِ الحُزُومةُ بِثَبْتٍ. وَرَجُلٌ حازمٌ وحَزيمٌ مِنْ قَوْمٍ حَزَمة وحُزَماء وحُزَّمٍ وأَحْزامٍ و … (لسان العرب)
- كالذي: ذأى الابل يذآها ويذؤها ذَأواً: طردَها وساقَها. وذَأَى البقل يَذْأَى ذَأْواً: لغة في ذَوى، أي ذبل. عن ابن السكيت. (الصحاح)