كالنجمِ في خفقٍ وفي ومضِ
الشاعر: علي محمود طه · البحر: الكامل
هذه القصيدة من شعر علي محمود طه، من العصر الحديث، وتقع في ٥٦ بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الميم.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
كالنجمِ في خفقٍ وفي ومضِ ... متفرداً بعوالم السُّدُمِ
حيرانَ يتبعُ حيرةَ الأرضِ ... ومصارعَ الأيامِ والأُمَمِ
مستوحشاً في الأفق منفردا ... وكأنَّهــ في سامرِ الشُّهُبِ
هذا الزحامُ حيالَهُ احتشدا ... هوَ عنه ناءٍ جِدُّ مغتربِ
مترنحاً كالعاشقِ الثملِ ... ريّانَ من بَهجٍ ومن حَزَنِ
نشوانَ من ألمٍ ومن أملِ ... مستهزئاً بالكونِ والزَّمَنِ
تلك السماءُ على جوانبه ... بحرُ الحياة الفائرُ الزَّبدِ
كم راحَ يلتمسُ القرارَ به ... هيمانَ بين شواطىء الأبدِ
تهفو على الأمواج صورته ... وشعاعهُ اللمَّاحُ في الغوْرِ
نفَذتْ إلى الأعماقِ نظرتُهُ ... فإذا الحياةُ جليةُ السرِّ
ويمرُّ بالأحداثِ مبتسماً ... كالشمسِ حينَ يلفُّها الغيمُ
زادَتهُ عِلماً بالذي عَلِمَا ... دنيا تناهى عندها الوهمُ
بَلغَ الروائعَ من حقائقها ... فإذا السعادةُ توأمُ الجهلِ
هتف المحدِّقُ في مشارقها ... ذهبَ النهارُ فريسةَ الليلِ
يا قلبُ مثلُ النَّجمِ في قلقِ ... والناسُ حولك لا يُحسُّونا
لولا اختلافُ النورِ والغَسَقِ ... مرُّوا بأفقكَ لا يُطلُّونا
فاصفحْ إذا غمطوك إدراكا ... واذكر قصورَ الأدميينا
أتريدهم يا قلبُ أملاكا ... كلَّا وما هم بالنبيينا
هم عالمٌ في غيِّهـ يمضي ... مُستغرقاً في الحمأةِ الدنيا
نزلوا قرارةَ هذه الأرضِ ... وحللتَ أنتَ القمةَ العليا
عُبَّادُ أوهامٍ وما عبدوا ... إلَّا حقيرَ مُنىً وغاياتِ
ومُناكَ ليس يحدّها الأبدُ ... دنيا وراء اللا نهاياتِ
ولكَ الحياةُ دنىً وأكوانُ ... عزَّتْ معارجُها على الراقي
تحيا بها وتبيدُ أزمانُ ... وشبابُها المتجدِّدُ الباقي
يا قلبُ كم من رائعِ الحلَكِ ... ألقاكَ في بحرٍ من الرُّعبِ
كم عُذْتَ منه بقبَّةِ الفلَكِ ... وصرختَ وحدكَ فيه يا قلبي
ومضيتَ تضربُ في غياهبِه ... وتردُّ عنكَ المائجَ الصَّخِبا
تترقب البرقَ المطيفَ به ... وتسائلُ الأنواءَ والسُّحبا
وخفقتَ تحت دَجاهُ من وَجَلِ ... كالطيرِ تحت الخنجر الصلْتِ
وعرفتَ بين اليأسِ والأملِ ... صحوَ الحياةِ وسكرةَ الموتِ
يا قلبُ عندكَ أيُّ أسرارِ ... ما زِلنَ في نشرٍ وفي طيِّ
يا ثورةً مشبوبةَ النَّارِ ... أقلقت جسم الكائنِ الحيِّ
حَمَّلْتَه العبءَ الذي فَرقَتْ ... منهُ الجبالُ وأشفقتْ رَهَبا
وأثرتَ منه الرُّوحَ فانطلقتْ ... تحسو الحميمَ وتأكلُ اللهبا
وملأت سِفَرَ المجد من عَجَبِ ... وخلقتَ أبطالاً من العَدَمِ
وعلى حديثِك في فمِ الحِقَبِ ... سِمَةُ الخلودِ ونفحة القِدَمِ
كم من عجائبَ فيكَ للبشرِ ... أخذَتهمُو منها الفجاءاتُ
متنبئاً بالغيبِ والقدَرِ ... وعجيبةٌ تلك النبوءاتُ
وعجبتُ منك ومن إبائكَ في ... أسرِ الجمالِ وربقةِ الحبِّ
وتَلفُّتِ المتكبر الصَّلِفِ ... عن ذِلَّةِ المقهور في الحربِ
يا حرُّ كيف قبِلتَ شِرعتَه ... وقنِعتَ منه بزادِ مأسورِ
آثرت في الأغلال طلعتَه ... وأبيتَ منه فكاكَ مهجورِ
فإذا جفاكَ الهاجرُ الناسي ... وقسا عليكَ المشفقُ الحدِبُ
فاضت بدمعك فورةُ الكاسِ ... وهَفَتْ بكفِّكَ وهي تضطربُ
وفزِعتَ للأحلام والذِّكرِ ... تبكي وتنشدُ رجعةَ الأمسِ
وودِدْتَ لو حُكِّمتَ في القَدَرِ ... لتعيدَ سيرتَها من الرَّمْسِ
ووهِمْتَ ناراً ذات إيماضِ ... فبسطتَ كفَّكـ نحوها فزَعا
مَرَّتْ بعينكَ لمحةُ الماضي ... فوثبت تُمْسِكُ بارقاً لَمعا
وصحوتَ من وهْمٍ ومن خَبَلِ ... فإذا جراحُك كُلَّهن دَمُ
لجَّتْ عليك مرارةُ الفشلِ ... ومشى يحزُّ وتينَك الألمُ
والأرضُ ضاق فضاؤها الرحبُ ... وخَلتْ فلا أهلٌ ولا سَكنُ
حالَ الهوى وتفرَّق الصحْبُ ... وبقيتَ وحدكَ أنتَ والزَّمنُ
وصَرختَ حين أجنّك الليلُ ... مُتمَرِّداً تجتاحُكَ النَّارُ
وبدا صراعُك أنت والعقلُ ... ولأنتما بحرٌ وإعصارُ
ما بين سلمِكما وحربِكما ... كونٌ يَبِينُ ويختفي كونُ
وبنيتما الدُّنيا وحسبكما ... دنيا يقيمُ بناءَها الفنُّ
على أيّ بحرٍ نُظمت هذه القصيدة؟
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف الميم، قصائد أخرى على القافية نفسها.
ما معاني ألفاظها الغريبة؟
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الثمل: ثمل: الثُّمْلة والثَّمِيلة: الحَبُّ والسَّويق وَالتَّمْرُ يَكُونُ فِي الوِعاء يَكُونُ نِصْفَه فَمَا دُونَهُ، وَقِيلَ: نِصْفَه فَصَاعِدًا. والثُّمَل: جَمْعُ ثُمْلة. أَبو حَنِيفَةَ: الثَّمِيل الحَبُّ لأَنه يُدَّخر؛ وأَنشد … (لسان العرب)
- الزبد: زبد: الزُّبْدُ: زُبْدُ السمنِ قَبْلَ أَن يُسْلأَ، وَالْقِطْعَةُ مِنْهُ زُبْدَة وَهُوَ مَا خلُص مِنَ اللَّبَنِ إِذا مُخِضَ، وزَبَدُ اللَّبَنِ: رغْوتَه. ابْنُ سِيدَهْ: الزُّبْدُ، بِالضَّمِّ، خُلَاصَةُ اللَّبَنِ، وَاحِدَتُه … (لسان العرب)
- الزحام: زحم: الزَّحْمُ: أَن يَزْحَمَ القومُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنْ كَثْرَةِ الزِّحَامِ إِذا ازْدَحَمُوا. والزَّحْمةُ: الِّزحامُ. وزَحَمَ القومُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا يَزْحَمُونَهُمْ زَحْماً وزِحاماً: ضَايَقُوهُمْ. وازْدَحَمُوا وَت … (لسان العرب)
- السدم: سدم: السَّدَمُ، بِالتَّحْرِيكِ: النَّدَمُ والحُزْنُ. والسَّدَمُ: الهَمُّ، وَقِيلَ: هَمٌّ مَعَ نَدَمٍ، وَقِيلَ: غَيْظٌ مَعَ حُزْنٍ، وَقَدْ سَدِمَ، بِالْكَسْرِ، فَهُوَ سادِمٌ وسَدْمان. تَقُولُ: رأَيته سادِماً نادِماً، ورأَ … (لسان العرب)
- الفائر: أير: إِيْرٌ ولغةٌ أُخرى أَيْرٌ، مَفْتُوحَةُ الأَلف، وأَيِّرٌ، كُلُّ ذَلِكَ: مِنْ أَسماء الصَّبا، وَقِيلَ: الشَّمال، وَقِيلَ: الَّتِي بَيْنَ الصِّبَا وَالشِّمَالِ، وَهِيَ أَخبث النُّكْبِ. الْفَرَّاءُ: الأَصمعي فِي بابِ فِ … (لسان العرب)
- القرار: قرر: القُرُّ: البَرْدُ عَامَّةً، بِالضَّمِّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: القُرُّ فِي الشِّتَاءِ وَالْبَرْدُ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، يُقَالُ: هَذَا يومٌ ذُو قُرٍّ أَي ذُو بَرْدٍ. والقِرَّةُ: مَا أَصاب الإِنسانَ وَغَيْرَهُ مِن … (لسان العرب)
- بالكون: كون: الكَوْنُ: الحَدَثُ، وَقَدْ كَانَ كَوْناً وكَيْنُونة؛ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ وَكُرَاعٍ، والكَيْنونة فِي مَصْدَرِ كانَ يكونُ أَحسنُ. قَالَ الْفَرَّاءُ: الْعَرَبُ تَقُولُ فِي ذَوَاتِ الْيَاءِ مِمَّا يُشْبِهُ زِغْتُ وسِرْ … (لسان العرب)
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.