تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

خبر وقعة ذي قار التي فخر بها في هذا الشعر

فيه ٨٥ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

أخبرنا بخبرها عليّ بن سليمان الأخفش، عن السّكريّ، عن محمد بن حبيب، عن ابن الكلبيّ، عن خراش ابن إسماعيل. وأضفت إلى ذلك رواية الأثرم عن أبي عبيدة، وعن هشام أيضا، عن أبيه، قالوا: كان من حديث ذي قار أنّ كسرى أبرويز بن هرمز لمّا غضب على النّعمان بن المنذر أتى النّعمان هانىء بن مسعود بن عامر بن عمرو بين ربيعة بن ذهل بن شيبان، فاستودعه ماله وأهله وولده، وألف شكّة، ويقال: أربعة آلاف شكّة - قال ابن الأعرابيّ: والشّكّة: السّلاح كلّه - ووضع وضائع عند أحياء من العرب، ثم هرب وأتى طيّئا لصهره فيهم.

وكانت عنده فرعة بنت سعيد بن حارثة بن لأم، وزينب بنت أوس بن حارثة، فأبوا أن يدخلوه جبلهم، وأتته بنو رواحة بن ربيعة بن عبس، فقالوا له: «أبيت اللّعن، أقم عندنا، فإنّا مانعوك ممّا نمنع منه أنفسنا»، فقال: ما أحبّ أن تهلكوا بسببي، فجزيتم خيرا.

ثم خرج حتى وضع يده في يد كسرى، فحبسه بساباط، ويقال بخانقين - وقد مضى خبره مشروحا في أخبار عديّ بن زيد - قالوا: فلمّا هلك النعمان جعلت بكر بن وائل تغير على السّواد، فوفد قيس بن مسعود بن قيس بن خالد ذي الجدّين، بن عبد اللّه بن عمرو إلى كسرى، فسأله أن يجعل له أكلا وطعمة، على أن يضمن له على بكر بن وائل ألّا يدخلوا السّواد ولا يفسدوا فيه، فأقطعه الأبلّة وما والاها.

وقال: هل، تكفيك وتكفي أعراب قومك؟… وكانت له حجرة فيها مائة من الإبل للأضياف، إذا نحرت ناقة ردّت مكانها ناقة أخرى وإيّاه عنى الشّماخ بقوله:

فادفع بألبانها عنكم كما دفعتعنهم لقاح بني قيس بن مسعود
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «طال الثواء على رسم بيمئود»

قال: فكان يأتيه من أتاه منهم فيعطيه جلّة تمر وكرباسة، حتى قدم الحارث بن وعلة بن مجالد بن يثربيّ بن الدّيّان بن الحارث بن مالك بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة، والمكسّر بن حنظلة بن حييّ بن ثعلبة بن سيار بن حييّ بن حاطبة بن الأسعد بن جذيمة بن سعد بن عجل بن لجيم، فأعطاهما جلتي تمر وكرباستين، فغضبا وأبيا أن يقبلا ذلك منه، فخرجا واستغويا ناسا من بكر بن وائل، ثم أغارا على السّواد، فأغار الحارث على أسافل رودميسان وهي من جرد، وأغار المكسّر على الأنبار، فلقيه رجل من العباديّين من أهل الحيرة، قد نتجت بعض نوقهم، فحملوا الحوار على ناقة، وصرّوا، الإبل.

فقال العباديّ: لقد صبّح الأنبار شرّ، جمل يحمل جملا، وجمل برته عود، فجعلوا يضحكون من جهله بالإبل.

قال: وأغار بجير بن عائذ بن سويد العجليّ، ومعه مفروق بن عمرو الشّيبانيّ على القادسيّة وطير ناباذ وما والاهما، وكلّهم ملأ يديه غنيمة. فأما مفروق وأصحابه فوقع فيهم الطاعون فموّت منهم خمسة نفر مع من موّت من أصحابهم، فدفنوا بالدّجيل، وهو رحلة من العذيب يسيرة، فقال مفروق:

أتاني بأنباط السّواد يسوقهمإليّ وأودت رجلتي وفوارسي
للشاعر مفروق بن عمرو الأصم، اقرأ القصيدة

فلمّا بلغ ذلك كسرى اشتدّ حنقه على بكر بن وائل، وبلغه أن حلقة النّعمان وولده وأهله عندهم، فأرسل كسرى إلى قيس بن مسعود، وهو بالأبلّة فقال: غررتني من قومك، وزعمت أنك تكفينيهم، وأمر به فحبس بساباط، وأخذ كسرى في تعبئة الجيوش إليهم، فقال قيس بن مسعود، وهو محبوس، من أبيات:

ألا أبلغ بني ذهل رسولافمن هذا يكون لكم مكاني
أيأكلها ابن وعلة في ظليفويأمن هيثم وابنا سنان؟
ويأمن فيكم الذّهليّ بعديوقد وسموكم سمة البيان
ألا من مبلغ قومي ومن ذايبلّغ عن أسير في الإوان

- يعني الإيوان -

تطاول ليله وأصاب حزناولا يرجو الفكاك مع المنان

يعني بالهيثم، وابني سنان: الهيثم بن جرير بن يساف بن ثعلبة بن سدوس بن ذهل بن ثعلبة، وأبو علباء بن الهيثم.

وقال قيس بن مسعود ينذر قومه:

ألا ليتني أرشو سلاحي وبغلتيلمن يخبر الأنباء بكر بن وائل
ويروي: لمن يعلم الأنباء
فأوصيهم باللّه والصّلح بينهملينصأ معروف ويزجر جاهل
وصاة امرىء لو كان فيكم أعانكمعلى الدّهر، والأيام فيها الغوائل
فايّاكم والطّفّ لا تقربنّهولا البحر إنّ الماء للبحر واصل
ولا أحبسنكم عن بغا الخير إنّنيسقطت على ضرغامة فهو آكل

رواه ابن الأعرابيّ فقال:

إنّ الماء للقود واصل

أي أنه معين لهم، يقود الخيل إليكم.

قال: وقال قيس أيضا ينذرهم:

تعنّاك من ليلى مع اللّيل خائلوذكر لها في القلب ليس يزايل
أحبّك حبّ الخمر ما كان حبّهاإلىّ وكلّ في فؤادي داخل
ألا ليتني أرشو سلاحي وبغلتيفيخبر قومي اليوم ما أنا قائل
فإنّا ثوينا في شعوب وإنّهمغزتهم جنود جمّة وقبائل
وإنّ جنود العجم بيني وبينكمفيا فلجي يا قوم إن لم تقاتلوا

قال: فلمّا وضح لكسرى واستبان أنّ مال النّعمان وحلقته وولده عند ابن مسعود بعث إليه كسرى رجلا يخبره أنّه قال له: إن النعمان إنما كان عاملي، وقد استودعك ماله وأهله والحلقة، فابعث بها إليّ ولا تكلّفني أن أبعث إليك ولا إلى قومك بالجنود، تقتل المقاتلة وتسبي الذّرّيّة. فبعث إليه هانىء: إنّ الذي بلغك باطل، وما عندي قليل ولا كثير، وإن يكن الأمر كما قيل فإنما أنا أحد رجلين، إما رجل استودع أمانة، فهو حقيق أن يردّها على من استودعه أيّاها، ولن يسلّم الحرّ أمانته. أو رجل مكذوب عليه، فليس ينبغي للملك أن يأخذه بقول عدوّ أو حاسد.

قال: وكانت الأعاجم قوما لهم حلم، قد سمعوا ببعض علم العرب، وعرفوا أنّ هذا الأمر كائن فيهم.

فلما ورد عليه كتاب هانىء بهذا حملته الشّفقة أن يكون ذلك قد اقترب، فأقبل حتى قطع الفرات، فنزل غمر بني مقاتل. وقد أحنقه ما صنعت بكر بن وائل في السّواد ومنع هانىء إيّاه ما منعه.

قال: ودعا كسرى إياس بن قبيصة الطائيّ، وكان عامله على عين التّمر وما والاها إلى الحيرة، وكان كسرى قد أطعمه ثلاثين قرية على شاطىء الفرات، فأتاه في صنائعه من العرب الذين كانوا بالحيرة، فاستشاره في الغارة على بكر بن وائل، وقال: ماذا ترى؟ وكم ترى أن نغزيهم من الناس؟ فقال له إياس: إن الملك لا يصلح أن يعصيه أحد من رعيته، وإن تطعني لم تعلم أحدا لأيّ شيء عبرت وقطعت الفرات، فيروا أنّ شيئا من أمر العرب قد كربك، ولكن ترجع وتضرب عنهم، وتبعث عليهم العيون حتى ترى غرّة منهم ثم ترسل حلبة من العجم فيها بعض القبائل التي تليهم، فيوقعون بهم وقعة الدّهر، ويأتونك بطلبتك. فقال له كسرى: أنت رجل من العرب، وبكر بن وائل أخوالك - وكانت أمّ إياس: أمامة بنت مسعود، أخت هانىء بن مسعود - فأنت تتعصّب لهم، ولا تألوهم نصحا. فقال إياس: رأي الملك أفضل فقام إليه عمرو بن عديّ ابن زيد العباديّ - وكان كاتبه وترجمانه بالعربية، في أمور العرب - فقال له: أقم أيّها الملك - وابعث إليهم بالجنود يكفوك. فقام إليه النّعمان بن زرعة بن هرميّ، من ولد السّفّاح التّغلبيّ، فقال: أيّها الملك، إنّ هذا الحيّ من بكر بن وائل إذا قاظوا بذي قار تهافتوا تهافت الجراد في النّار. فعقد للنّعمان بن زرعة على تغلب والنّمر، وعقد لخالد بن يزيد البهرانيّ على قضاعة وإياد، وعقد لإياس بن قبيصة على جميع العرب، ومعه كتيبتاه الشّهباء والدّوسر، فكانت العرب ثلاثة آلاف. وعقد للهامرز على ألف من الأساورة، وعقد لخنابرين على ألف، وبعث معهم بالّلطيمة، وهي عير كانت تخرج من العراق، فيها البزّ والعطر والألطاف، توصل إلى باذام عامله باليمن، وقال: إذا فرغتم من عدوّكم فسيروا بها إلى اليمن، وأمر عمرو بن عديّ أن يسير بها، وكانت العرب تخفرهم وتجيرهم حتى تبلغ الّلطيمة اليمن. وعهد كسرى إليهم إذا شارفوا بلاد بكر بن وائل ودنوا منها أن يبعثوا إليهم النّعمان بن زرعة، فإن أتوكم بالحلقة ومائة غلام منهم يكونون رهنا بما أحدث سفهاؤهم، فاقبلوا منهم، وإلّا فقاتلوهم. وكان كسرى قد أوقع قبل ذلك ببني تميم، يوم الصّفقة فالعرب وجلة خائفة منه. وكانت حرقة بنت حسّان بن النّعمان بن المنذر يومئذ في بني سنان، هكذا في هذه الرّواية.

وقال ابن الكلبيّ: حرقة بنت النّعمان، وهي هند، والحرقة لقب، وهذا هو الصحيح. فقالت تنذرهم:

ألا أبلغ بني بكر رسولافقد جدّ النّفير بعنقفير
للشاعر هند بنت النعمان بن المنذر، اقرأ القصيدة
فليت الجيش كلّهم فداكمونفسي والسّرير وذا السّرير
للشاعر هند بنت النعمان بن المنذر، اقرأ القصيدة
كأنّي حين جدّ بهم إليكممعلّقة الذّوائب بالعبور
فلو أنّي أطقت لذاك دفعاإذن لدفعته بدمي وزيري

فلمّا بلغ بكر بن وائل الخبر سار هانىء بن مسعود حتى انتهى إلى ذي قار، فنزل به، وأقبل النعمان بن زرعة، وكانت أمّه قلطف بنت النّعمان بن معد يكرب التّغلبيّ، وأمّها الشّقيقة بنت الحارث الوصّاف العجليّ، حتى نزل على ابن أخته مرّة بن عمرو بن عبد اللّه بن معاوية بن عبد اللّه بن قيس بن سعد بن عجل، فحمد اللّه النّعمان وأثنى عليه ثم قال: إنّكم أخوالي وأحد طرفيّ، وإنّ الرائد لا يكذب أهله، وقد أتاكم ما لا قبل لكم به من أحرار فارس، وفرسان العرب، والكتيبتان: الشّهباء والدّوسر، وإن في هذا الشّرّ خيارا. ولأن يفتدى بعضكم بعضا خير من أن تصطلموا، فانظروا هذه الحلقة فادفعوها وادفعوا رهنا من أبنائكم إليه بما أحدث سفهاؤكم. فقال له القوم: ننظر في أمرنا. وبعثوا إلى من يليهم من بكر بن وائل، وبرزوا ببطحاء ذي قار بين الجلهتين.

قال الأثرم: جلهة الوادي: ما استقبلك منه واتّسع لك. وقال ابن الأعرابيّ: جلهة الوادي: مقدّمه، مثل جلهة الرأس إذا ذهب شعره، يقال: رأس أجله.

قال: وكان مرداس بن أبي عامر السّلميّ مجاورا فيهم يومئذ، فلمّا رأى الجيوش قد أقبلت إليهم حمل عياله فخرج عنهم، وأنشأ يقول يحرّضهم بقوله:

أبلغ سراة بني بكر مغلغلةإنّي أخاف عليهم سربة الدّار
إنّي أرى الملك الهامرز منصلتايزجي جيادا وركبا غير أبرار
لا تلقط البعر الحوليّ نسوتهمللجائزين على أعطان ذي قار
فإن أبيتم فإنّي رافع ظعنيومنشب في جبال اللّوب أظفاري
وجاعل بيننا وردا غواربهترمى إذا ما ربا الوادي بتيّار

ربا: ارتفع وطال، وقوله: وردا غواربه: أراد البحر.

قال علي بن الحسين الأصفهانيّ: هذه الحكاية عندي في أمر مرداس بن أبي عامر خطأ، لأن وقعة ذي قار كانت بعد هجرة النبيّ - صلّى اللّه عليه وسلم وآله - وكانت بين بدر وأحد ومرداس بن أبي عامر، وحرب بن أميّة أبو أبي سفيان ماتا في وقت واحد، كانا مرّا بالقريّة، وهي غيضة ملتفّة الشّجر، فأحرقا شجرها ليتّخذاها مزرعة، فكانت تخرج من الغيضة حيّات بيض فتطير حتى تغيب، ومات حرب ومرداس بعقب ذلك، فتحدّث قومهما أنّ الجنّ قتلتهما لإحراقهما منازلهم من الغيضة، وذلك قبل مبعث النبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - بحين. ثم كانت بين أبي سفيان وبين العبّاس بن مرداس منازعة في هذه القرية، ولهما في ذلك خبر ليس هذا موضعه. وأظنّ أنّ هذه الأبيات للعبّاس بن مرداس بن أبي عامر.

رجع الحديث إلى سياقته في حديث ذي قار.

قال: وجعلت بكر بن وائل حين بعثوا إلى من حولهم من قبائل بكر لا ترفع لهم جماعة إلّا قالوا: سيدنا في هذه. فرفعت لهم جماعة، فقالوا: سيّدنا في هذه، فلمّا دنوا إذا هم بعبد عمرو بن بشر بن مرثد، فقالوا: لا، ثم رفعت لهم أخرى، فقالوا: في هذه سيّدنا، فإذا هو جبلة بن باعث بن صريم اليشكريّ، فقالوا: لا، فرفعت أخرى، فقالوا: في هذه سيّدنا، فإذا هو الحارث بن وعلة بن مجالد الذّهليّ فقالوا: لا، ثم رفعت لهم أخرى، فقالوا: في هذه سيّدنا، فإذا فيها الحارث بن ربيعة بن عثمان التيميّ، من تيم اللّه، فقالوا: لا ثم رفعت لهم أخرى أكبر ممّا كان يجيء، فقالوا: لقد جاء سيّدنا، فإذا رجل أصلع الشعر، عظيم البطن، مشرب حمرة، فإذا هو حنظلة بن ثعلبة بن سيّار بن حييّ بن حاطبة بن الأسعد بن جذيمة بن سعد بن عجل، فقالوا: يا أبا معدان، قد طال انتظارنا، وقد كرهنا أن نقطع أمرا دونك، وهذا ابن أختك النعمان بن زرعة قد جاءنا، والرائد لا يكذب أهله، قال: فما الّذي أجمع عليه رأيكم، واتّفق عليه ملؤكم؟ قالوا: قال: إن اللّخي أهون من الوهي وإنّ في الشرّ خيارا، ولأن يفتدي بعضكم بعضا خير من أن تصطلموا جميعا.

قال حنظلة: فقبّح اللّه هذا رأيا، لا تجرّ أحرار فارس غرلها ببطحاء ذي قار وأنا أسمع الصوت. ثم أمر بقبّته فضربت بوادي ذي قار، ثم نزل ونزل الناس فأطافو به، ثم قال لهانىء بن مسعود: يا أبا أمامة، إن ذمّتكم ذمّتنا عامّة، وإنّه لن يوصل إليك حتى تفنى أرواحنا، فأخرج هذه الحلقة ففرّقها بين قومك، فإن تظفر فستردّ عليك، وإن تهلك فأهون مفقود.

فأمر بها فأخرجت، ففرقها بينهم، ثم قال حنظلة للنعمان: لو لا أنّك رسول لما أبت إلى قومك سالما. فرجع النعمان إلى أصحابه فأخبرهم بما ردّ عليه القوم، فباتوا ليلتهم مستعدّين للقتال، وباتت بكر بن وائل يتأهّبون للحرب.

فلمّا أصبحوا أقبلت الأعاجم نحوهم، وأمر حنظلة بالظعن جميعا فوقفها خلف النّاس، ثم قال: يا معشر بكر بن وائل، قاتلوا عن ظعنكم أو دعوا، فأقبلت الأعاجم يسيرون على تعبئة، فلمّا رأتهم بنو قيس ابن ثعلبة انصرفوا فلحقوا بالحيّ فاستخفوا فيه، فسمّي: «حيّ بني قيس بن ثعلبة» قال: وهو على موضع خفيّ فلم يشهدوا ذلك اليوم.

وكان ربيعة بن غزالة السّكونيّ، ثم التّجيبيّ، يومئذ هو، وقومه نزولا في بني شيبان، فقال: يا بني شيبان، أما لو أنّي، كنت منكم لأشرت عليكم برأي مثل عروة العكم، فقالوا: فأنت واللّه من أوسطنا، فأشر علينا، فقال: لا تستهدفوا لهذه الأعاجم فتهلككم بنشّابها، ولكن تكردسوا لهم كراديس، فيشدّ عليهم كردوس، فإذا أقبلوا عليه شدّ الآخر، فقالوا: فإنّك قد رأيت رأيا، ففعلوا.

فلمّا التقى الزحفان، وتقارب القوم قام حنظلة بن ثعلبة فقال: يا معشر بكر بن وائل، إنّ النّشّاب الذي مع الأعاجم يعرفكم، فإذا أرسلوه لم يخطئكم، فعاجلوهم بالّلقاء، وابدءوهم بالشّدّة.

ثم قام هانىء بن مسعود فقال: يا قوم، مهلك معذور خير من نجاء معرور وإن الحذر لا يدفع القدر، وإن الصّبر من أسباب الظّفر، المنيّة ولا الدّنيّة، واستقبال الموت خير من استدباره، والطّعن في الثّغر خير وأكرم من الطعن في الدّبر، يا قوم، جدّوا فما من الموت بدّ، فتح لو كان له رجال، أسمع صوتا ولا أرى قوما، يا آل بكر، شدّوا واستعدّوا، وإلّا تشدّوا تردّوا.

ثمّ قام شريك بن عمرو بن شراحيل بن مرّة بن همّام فقال: يا قوم، إنما تهابونهم أنكم ترونهم عند الحفاظ أكثر منكم، وكذلك أنتم في أعينهم، فعليكم بالصبر، فإنّ الأسنّة تردي الأعنّة، يا آل بكر قدما قدما.

ثم قام عمرو بن جبلة بن باعث بن صريم اليشكريّ فقال:

يا قوم لا تغرركم هذي الخرقولا وميض البيض في الشّمس برق
من لم يقاتل منكم هذي العنقفجنّبوه الرّاح واسقوه المرق

ثم قام حنظلة بن ثعلبة إلى وضين راحلة امرأته فقطعه، ثم تتبّع الظّعن يقطع وضنهنّ لئلا يفرّ عنهن الرجال، فسمّي يومئذ: «مقطّع الوضين».

والوضين: بطان الناقة.

قالوا: وكانت بنو عجل في الميمنة بإزاء خنابرين، وكانت بنو شيبان في الميسرة بإزاء كتيبة الهامرز، وكانت أفناء بكر بن وائل في القلب، فخرج أسوار من الأعاجم مسوّر، في أذنيه درّتان، من كتيبة الهامرز يتحدّى الناس للبراز، فنادى في بني شيبان فلم يبرز له أحد حتى إذا دنا من بني يشكر برز له يزيد بن حارثة أخو بني ثعلبة بن عمرو فشدّ عليه بالرّمح، فطعنه فدقّ صلبه، وأخذ حليته وسلاحه، فذلك قول سويد بن أبي كاهل يفتخر:

ومنّا يزيد إذ تحدّى جموعكمفلم تقربوه، المرزبان المشّهر
وبارزه منّا غلام بصارمحسام إذا لاقى الضّريبة يبتر

ثم إن القوم اقتتلوا صدر نهارهم أشدّ قتال رآه الناس، إلى أن زالت الشمس، فشدّ الحوفزان واسمه الحارث بن شريك - على الهامزر فقتله، وقتلت بنو عجل خنابرين، وضرب اللّه وجوه الفرس فانهزموا، وتبعتهم بكر بن وائل، فلحق مرثد بن الحارث بن ثور بن حرملة بن علقمة بن عمرو بن سدوس، النعمان بن زرعة، فأهوى له طعنا، فسبقه النّعمان بصدر فرسه فأفلته، فقال مرثد في ذلك:

وخيل تبارى للطّعان شهدتهافأغرقت فيها الرّمح والجمع محجم
وأفلتني النّعمان قاب رماحناوفوق قطاة المهر أزرق لهذم

قال: ولحق أسود بن بجير بن عائذ بن شريك العجليّ النعمان بن زرعة، فقال له: يا نعمان، هلمّ إليّ، فأنا خير آسر لك، وخير لك من العطش.

قال: ومن أنت؟ قال: الأسود بن بجير، فوضع يده في يده، فجزّ ناصيته، وخلّي سبيله، وحمله الأسود على فرس له، وقال له: انج على هذه، فإنها أجود من فرسك، وجاء الأسود بن بجير على فرس النّعمان ابن زرعة وقتل خالد بن يزيد البهرانيّ، قتله الأسود بن شريك بن عمرو، وقتل يومئذ عمرو بن عديّ بن زيد العباديّ الشاعر، فقال أمّه ترثيه:

ويح عمرو بن عديّ من رجلحان يوما بعد ما قيل كمل
للشاعر أم عمرو بن عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
كان لا يعقل حتى ما إذاجاء يوم يأكل الناس عقل
للشاعر أم عمرو بن عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
أيّهم دلّاك عمرو للرّدىوقديما حيّن المرء الأجل
للشاعر أم عمرو بن عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
ليت نعمان علينا ملكوبنيّ لي حيّ لم يزل
للشاعر أم عمرو بن عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
قد تنظّرنا لغاد أوبةكان لو أغنى عن المرء الأمل
للشاعر أم عمرو بن عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
بان منه عضد عن ساعدبؤس للدّهر وبؤسى للرجل
للشاعر أم عمرو بن عدي بن زيد، اقرأ القصيدة

قال: وأفلت إياس بن قبيصة على فرس له، كانت عند رجل من بني تيم اللّه، يقال له: أبو ثور»، فلما أراد أياس أن يغزوهم أرسل إليه أبو ثور بها، فنهاه أصحابه أن يفعل، فقال: وللّه ما في فرس إياس ما يعزّ رجلا ولا يذلّه، وما كنت لا قطع رحمه فيها، فقال إياس:

غذاها أبو ثور فلما رأيتهادخيس دواء لا أضيع غذاؤها
فأعددتها كفأ ليوم كريهةإذا أقبلت بكر تجرّ رشاؤها

قال: وأتبعتهم بكر بن وائل يقتلونهم بقيّة يومهم وليلتهم، حتى أصبحوا من الغد، وقد شارفوا السّواد ودخلوه، فذكروا أنّ مائة من بكر بن وائل، وسبعين من عجل، وثلاثين من أفناء بكر بن وائل، أصبحوا وقد دخلوا السّواد في طلب القوم، فلم يفلت منهم كبير أحد وأقبلت بكر بن وائل على الغنائم فقسّموها بينهم، وقسّموا تلك اللّطائم بين نسائهم، فذلك قول الدّيان، بن جندل:

إن كنت ساقية يوما على كرمفاسقي فوارس من ذهل بن شيبانا
واسقي فوارس حاموا عن ديارهمواعلي مفارقهم مسكا وريحانا

قال: فكان أوّل من انصرف إلى كسرى بالهزيمة إياس بن قبيصة وكان لا يأتيه أحد بهزيمة جيش إلّا نزع كتفيه، فلمّا أتاه أياس سأله عن الخبر، فقال: هزمنا بكر بن وائل، فأتيناك بنسائهم، فأعجب ذلك كسرى وأمر له بكسوة، وإنّ إياسا استأذنه عند ذلك، فقال: إنّ أخي مريض بعين التّمر، فأردت أن آتيه، وإنّما أراد أن يتنحّى عنه، فأذن له كسرى، فترك فرسه «الحمامة» وهي التي كانت عند أبي ثور بالحيرة، وركب نجيبة فلحق بأخيه، ثم أتى كسرى رجل من أهل الحيرة وهو بالخورنق، فسأل: هل دخل على الملك أحد؟ فقالوا: نعم، إياس، فقال: ثكلت إياسا أمّه! وظنّ أنه قد حدّثه بالخبر، فدخل عليه فحدّثه بهزيمة القوم وقتلهم، فأمر به فنزعت كتفاه.

قال: وكانت وقعة ذي قار بعد وقعة بدر بأشهر، ورسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - بالمدينة، فلمّا بلغه ذلك قال: هذا يوم انتصفت فيه العرب من العجم، وبي نصروا».

قال ابن الكلبيّ: وأخبرني أبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، قال: ذكرت وقعة ذي قار عند النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - فقال: «ذلك يوم انتصفت فيه العرب من العجم وبي نصروا».

وروي أن النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - مثّلت له الوقعة وهو بالمدينة، فرفع يديه فدعا لبني شيبان، أو لجماعة ربيعة بالنّصر، ولم يزل يدعو لهم حتى أري هزيمة الفرس.

وروي أنّه قال: «إيها بني ربيعة، اللهمّ انصر بني ربيعة» فهم إلى الآن إذا حاربوا دعوا بشعار النبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - ودعوته لهم، وقال قائلهم: «يا رسول اللّه وعدك»، فإذا دعوا بذلك نصروا.

وقال أبو كلبّة التّيميّ يفخر بيوم ذي قار:

لو لا فوارس لا ميل ولا عزلمن اللّهازم ما قظتم بذي قار
ما زلت مفترسا أجساد أفتيةتثير أعطافها منها بآثار
للشاعر أبو كلبة التيمي، اقرأ القصيدة
إنّ الفوارس من عجل هم أنفوامن أن يخلّوا لكسرى عرصة الدّار
للشاعر أبو كلبة التيمي، اقرأ القصيدة
لاقوا فوارس من عجل بشكّتهاليسوا إذا قلّصت حرب بأغمار
للشاعر أبو كلبة التيمي، اقرأ القصيدة
قد أحسنت ذهل شيبان وما عدلتفي يوم ذي قار فرسان ابن سيّار
للشاعر أبو كلبة التيمي، اقرأ القصيدة
هم الذين أتوهم عن شمائلهمكما تلبّس وراد بصدّار
للشاعر أبو كلبة التيمي، اقرأ القصيدة

فأجابه الأعشى فقال:

أبلغ أبا كلبة التّيميّ مألكةفأنت من معشر - واللّه - أشرار
شيبان تدفع عنك الحرب آونةوأنت تنبح نبح الكلب في الغار

وقال بكير الأصمّ:

إن كنت ساقية المدامة أهلهافاسقي على كرم بني همّام
للشاعر بكير الأصم، اقرأ القصيدة
وأبا ربيعة كلّها ومحلّماسبقوا بأنجد غاية الأيّام
للشاعر بكير الأصم، اقرأ القصيدة
زحفوا بجمع لا ترى أقطارهلقحت به حرب لغير تمام
للشاعر بكير الأصم، اقرأ القصيدة
عرب ثلاثة آلف وكتيبةألفان عجم من بني الفدّام
للشاعر بكير الأصم، اقرأ القصيدة
ضربوا بني الأحرار يوم لقوهمبالمشرفيّ على شئون الهام
للشاعر بكير الأصم، اقرأ القصيدة
وغدا ابن مسعود فأوقع وقعةذهبت لهم في معرق وشآم
للشاعر بكير الأصم، اقرأ القصيدة

وقال الأعشى:

فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتيوراكبها يوم اللّقاء وقلّت
للشاعر الأعشى، من قصيدة «فِدًى لَبنى ذُهلِ بنِ شَيبانَ ناقَتي»
هم ضربوا بالحنو جنو قراقرمقدّمة الهامرز حتى تولّت

وقال بعض شعراء ربيعة في يوم ذي قار:

ألا من لليل لا تغور كواكبهوهمّ سري بين الجوانح جانبه
ألا هل أتاها أنّ جيشا عرمرمابأسفل ذي قار أبيدت كتائبه
فما حلقة النّعمان يوم طلبتهابأقرب من نجم السماء تراقبه

وقال الأعشى:

حلفت بالملح والرّماد وبالعزّى وبالّلات تسلم الحلقه
حتّى يظلّ الهمام منجدلاويقرع النّبل طرّة الدّرقه

وقال ابن قرد الخنزير التّيميّ:

ألا أبلغ بني ذهل رسولافلا شتما أردت ولا فسادا
للشاعر ابن قرد التيمي، اقرأ القصيدة
هزرت الحاملين لكي يعودواإذا يوم من الحدثان عادا
للشاعر ابن قرد التيمي، اقرأ القصيدة
وجدت الرّفد رفد بني لجيمإذا ما قلّت الأرفاد زادا
للشاعر ابن قرد التيمي، اقرأ القصيدة
هم ضربوا الكتائب يوم كسرىأمام الناس إد كرهوا الجلادا
للشاعر ابن قرد التيمي، اقرأ القصيدة
وهم ضربوا القباب ببطن فلجوذادوا عن محارمنا ذيادا
للشاعر ابن قرد التيمي، اقرأ القصيدة

وقال الأعشى في ذلك:

لو أنّ كلّ معدّ كان شاركنافي يوم ذي قار ما أخطاهم الشّرف
للشاعر الأعشى، من قصيدة «كانت وصاة وحاجات لنا كفف»
لمّا أتونا كأنّ الليل يقدمهممطبّق الأرض تغشاها لهم سدف
للشاعر الأعشى، من قصيدة «كانت وصاة وحاجات لنا كفف»
بطارق وبنو ملك مرازبةمن الأعاجم في آذانها النّطف
من كلّ مرجانة في البحر أحرزهاتيّارها ووقاها طينها الصّدف
وظعننا خلفنا تجري مدامعهاأكبادها وجلا ممّا ترى تجف
يحسرن عن أوجه قد عاينت عبراولاحها غبرة ألوانها كسف
ما في الخدود صدود عن وجوههمولا عن الطّعن في اللبّات منحرف
عودا على بدئهم ما إن يلبّثهمكرّ الصّقور بنات الماء تختطف
لمّا أمالوا إلى النّشّاب أيديهمملنا ببيض فظلّ الهام يقتطف
وخيل بكر فما تنفكّ تطحنهمحتى تولّوا وكاد اليوم ينتصف
للشاعر الأعشى، من قصيدة «كانت وصاة وحاجات لنا كفف»

وقال حريم بن الحارث التّيميّ:

وإنّ لجيما أهل عزّ وثروةوأهل أياد لا ينال قديمها
هم منعوا في يوم قار نساءناكما منع الشّول الهجان قرومها
إذا قيل يوما أقدموا يتقدّمواوهل يمنع المخزاة إلا صميمها

قال: ولم يزل قيس بن مسعود في سجن كسرى بساباط، حتى مات فيه.

صوت

خليليّ ما صبري على الزّفراتوما طاقتي بالهمّ والعبرات
تساقط نفسي كلّ يوم وليلةعلى إثر ما قد فاتها حسرات
للشاعر جميل صدقي الزهاوي، اقرأ القصيدة

الشعر: للقحيف العقيليّ. والغناء: لإبراهيم الموصليّ، رمل بالوسطى، عن عمرو بن بانة، وذكر الهشاميّ أن الرّمل لعلوية، وأن لحن إبراهيم من الثّقيل الأوّل بالوسطى.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»