من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار القحيف ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
القحيف بن حميّر، أحد بني قشير بن مالك بن خفاجة بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.
شاعر مقلّ من شعراء الإسلام.
وكان يشبّب بخرقاء التي كان ذو الرّمّة يشبّب بها.
فأخبرني محمّد بن خلف بن وكيع، وعمّي، قالا: حدّثنا هارون بن محمد بن عبد الملك، عن العدويّ، عن أبي الحسن المدائنيّ، عن الصّباح بن الحجّاج عن أبيه، قال: مررت بخرقاء وهي بفلج فقالت: أقضيت حجّك وأتممته؟ فقلت: نعم، فقالت: لم تفعل شيئا، فقلت: ولم؟ فقالت: لأنّك لم تلمم بي ولا سلّمت عليّ، أو ما سمعت قول ذي الرّمّة:
تمام الحجّ أن تقف المطاياعلى خرقاء واضعة اللثّام
فقال: هيهات يا خرقاء، ذهب ذاك منك، فقالت: لا تقل ذاك، أما سمعت قول القحيف عمّك:
وخرقاء لا تزداد إلّا ملاحةولو عمّرت تعمير نوح وجلّت
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال: حدّثنا الزبير بن بكّار قال: حدّثنا عبد اللّه بن إبراهيم الجمحيّ قال: حدّثني أبو الشّبل المعدّيّ قال: نسب ذو الرّمّة بخرقاء البكّائيّة، وكانت أصبح من القبس، وبقيت بقاء طويلا، فنسب بها القحيف العقيليّ فقال:
وخرقاء لا تزداد إلّا ملاحةولو عمّرت تعمير نوح وجلّت
أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ قال: حدّثنا عمر بن شبّة قال: حدّثني أبو غسّان دماذ قال: كبرت خرقاء حتى جاوزت تسعين سنة، وأحبّت أن تنفّق ابنتها وتخطب، فأرسلت إلى القحيف العقيليّ، وسألته أن يشبّب بها، فقال:
لقد أرسلت خرقاء نحوي جريّهالتجعلني خرقاء ممّن أضلّت
وخرقاء لا تزداد إلّا ملاحةولو عمّرت تعمير نوح وجلّت
وقال عمرو بن أبي عمرو الشيبانيّ: كان القحيف العقيليّ يتحدث إلى امرأة من عبس، وقد جاورهم وأقام عندهم شهرا وهام بها عشقا، وكان يخبرها أن له نعما ومالا، وهويته العبسيّة، وكان من أجمل الرجال وأشطّهم، فلمّا طال عليها واستحيا من كذبه إيّاها في ماله ارتحل عنهم، وقال:
تقول لي أخت عبس: ما أرى إبلاوأنت تزعم من والاك صنديد
فقلت: يكفي مكان اللّوم مطّردفيه القتير بسمر القين مشدود
وشكّة صاغها وفراء كاملةوصارم من سيوف الهند مقدود
إنّي ليرعى رجال لي سوامهملي العقائل منها والمقاحيد
وقال أبو عمرو: كان الوليد بن يزيد بن عبد الملك ولّى عليّ بن المهاجر بن عبد اللّه الكلابيّ اليمامة. فلمّا قتل الوليد بن يزيد جاءه المهير بن سلمى الحنفيّ فقال له: إن الوليد قد قتل، وإنّ لك عليّ حقا، وكان أبوك لي مكرما، وقد قتل صاحبك، فاختر خصلة من ثلاث: إن شئت أن تقيم فينا وتكون كأحدنا فافعل، وإن شئت أن تتحوّل عنّا إلى دار عمّك، فتنزلها أنت ومن معك إلى أن يرد أمر الخليفة المولّى فتعمل بما يأمر به، فافعل. وإن شئت فخذ من المال المجتمع ما شئت والحق بدار قومك… فأنف عليّ بن المهاجر من ذلك ولم يقبله، وقال للمهير: أنت تعزلني يا بن اللّخناء؟ فخرج المهير مغضبا، والتفّ معه أهل اليمامة، وكان مع عليّ ستّمائة رجل من أهل الشام ومثلهم من قومه وزوّاره، فدعاهم المهير وذكر لهم رأيه، فأبوا عليه وقاتلوه، وجاء سهم عائر فوقع في كبد صانع من أهل اليمامة، فقال المهير: احملوا عليهم، فحملوا عليهم فانهزموا، وقتل منهم نفر، ودخلوا القصر وأغلقوا الباب وكان من جذوع، فدعا المهير بالسّعف فأحرقه، ودخل أصحابه فأخذوا ما في القصر، وقام عبد اللّه بن النّعمان القيسيّ في نقر من قومه فحموا بيت المال ومنعوا منه، فلم يقدر عليه المهير، وجمع المهير جيشا يريد أن يغزو بهم بني عقيل وبني كلاب، وسائر بطون بني عامر، فقال القحيف بن حمّير لمّا بلغه ذلك:
صوت
أمن أهل الأراك عفت ربوعنعم سقيا لهم لو تستطيع
زيارتهم، ولكن أحضرتناهموم ما يزال لها مشيع
غنّى في هذين البيتين إبراهيم، فيما ذكره هو في كتابه، ولم يذكر طريقته:
كأنّ البين جرّعني زعافامن الحيّات مطعمه فظيع
وماء قد وردت على جباهحمام حائم وقطا وقوع
وممّا يغنّى فيه من هذه القصيدة:
صوت
جعلت عمامتي صلة لدلويإليه حين لم ترد النّسوع
لأسقي فتية ومنقّباتأضرّ بنقيها سفر وجيع
قال أبو الفرج: غنّى في هذين البيتين سليم، خفيف رمل بالوسطى، ذكر ذلك حبش:
لقد جمع المهير لنا فقلنا:أتحسبنا تروّعنا الجموع؟
سترهبنا حنيفة إن رأتناوفي أيماننا البيض اللّموع
عقيل تغتزي وبنو قشيرتوارى عن سواعدها الدّروع
وجعدة والحريش ليوث غابلهم في كلّ معركة صريع
فنعم القوم في اللّزبات قوميبنو كعب إذا جحد الرّبيع
كهول معقل الطّرداء فيهموفيتان غطارفة فروع
فمهلا يا مهير فأنت عبدلكعب سامع لهم مطيع
قال: وبعث المهير رجلا من بني حنيفة يقال له: المندلف بن إدريس الحنفيّ، إلى الفلج، وهو منزل لبني جعدة، وأمره أن يأخذ صدقات بني كعب جميعا، فلمّا بلغهم خبره أرسلوا في أطرافهم يستصرخون عليه، فأتاهم أبو لطيفة بن مسلمة العقيليّ في عالم من عقيل، فقتلوا المندلف وصلبوه، فقال القحيف في ذلك:
أتانا بالعقيق صريخ كعبفحنّ النّبع والأسل النّهال
وحالفنا السّيوف ومضمراتسواء هنّ فينا والعيال
تعادى شزّبا مثل السّعاليومن زبر الحديد لها نعال
وقال أيضا، ويروى لنجدة الخفاجيّ:
لقد منع الفرائض عن عقيلبطعن تحت ألوية وضرب
ترى منه المصدّق يوم وافىأطلّ على معاشره بصلب
ونظر بعض فقهاء أهل مكّة إلى القحيف، وهو يحدّ النظر إلى امرأة، فنهاه عن ذلك، وقال له: أما تتّقي اللّه؟ تنظر هذا النّظر إلى غير حرمة لك وأنت محرم؟ فقال القحيف:
أقسمت لا أنسى وإن شطّت النّوىعرانينهنّ الشّمّ والأعين النّجلا
ولا المسك من أعطافهنّ ولا البرىضممن وقد لوّينها قضبا خدلا
يقول لي المفتي وهنّ عشيّةبمكة يلمحن المهدّبة السّحلا:
تق اللّه لا تنظر إليهنّ يا فتىوما خلتني في الحجّ ملتمسا وصلا
وإنّ صبا ابن الأربعين لسبّةفكيف مع اللائي مثلن بنا مثلا
عواكف بالبيت الحرام وربّمارأيت عيون القوم من نحوها نجلا
صوت
كففنا عن بني ذهلوقلنا: القوم إخوان
عسى الأيام أن يرجعن قوما كالّذي كانوا
فلمّا صرّح الشرّوأمسى وهو عريان
ولم يبق سوى العدوان دنّاهم كما دانوا
الشعر: للفند الزّمّانيّ، والغناء: لعبد اللّه بن دحمان، خفيف رمل بالبنصر، عن بذل والهشاميّ وابن المكيّ.
وتمام هذا الشعر:
شددنا شدّة اللّيثغدا واللّيث غضبان
بضرب فيه تفجيعوتأييم وإرنان
وطعن كفم الزّقّغذا والزّقّ ملآن
وفي العدوان للعدوان توهين وإقران
وبعض الحلم عند الجهل للذلّة إذعان
وفي الشّرّ نجاة حين لا ينجيك إحسان
قوله: دنّاهم كما دانوا، أي جزيناهم.
ومثله قول الآخر:
إنّا كذاك ندين الناس بالدّين
والتأييم: ترك النساء أيامي. والإرنان والرّنّة: البكاء والعويل.
والإقران: الطّاقة للشّيء، قال اللّه عز وجل: (وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ)
أي مطيقين.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع