تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

ذكر نسب القطامي وأخباره

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

القطاميّ لقب غلب عليه، واسمه عمير بن شييم، وكان نصرانيّا، وهو شاعر إسلاميّ مقلّ مجيد.

أخبرني عمّي قال: حدّثنا الكرانيّ قال: حدّثنا العمريّ، عن الهيثم بن عديّ، عن عبد اللّه بن عياش، عن مجالد، عن الشّعبيّ قال: قال عبد الملك بن مروان، وأنا حاضر، للأخطل: يا أخطل، أتحبّ أنّ لك بشعرك شعر شاعر من العرب؟ قال: اللهمّ لا، إلا شاعرا منّا مغدف القناع، خامل الذّكر، حديث السّنّ، إن يكن في أحد خير فسيكون فيه، ولوددت أنّي سبقته إلى قوله:

يقتلننا بحديث ليس يعلمهمن يتّقين ولا مكنونه بادي
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
فهنّ ينبذن من قول يصبن بهمواقع الماء من ذي الغلّة الصّادي
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

أخبرني أبو الحسن الأسديّ، قال: حدّثنا محمد بن صالح بن النّطّاح قال: القطاميّ أوّل من لقّب «صريع الغواني» بقوله:

صريع غوان راقهنّ ورقنهلدن شبّ حتى شاب سود الذّوائب
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

قال أبو عمرو الشيبانيّ: نزل القطاميّ في بعض أسفاره بامرأة من محارب قيس، فنسبها، فقالت: أنا من قوم يشتوون القدّ من الجوع، قال: ومن هؤلاء ويحك؟ قالت: محارب، ولم تقره، فبات عندها بأسوأ ليلة، فقال فيها قصيدة أوّلها:

نأتك بليلى نيّة لم تقاربوما حبّ ليلى من فؤادي بذاهب
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

يقول فيها:

ولا بدّ أنّ الضيف يخبر ما رأىمخبّر أهل أو مخبّر صاحب
سأخبرك الأنباء عن أمّ منزلتضيّفتها بين العذيب فراسب
تلّفعت في طلّ وريح تلفّنيوفي طرمساء غير ذات كواكب
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
إلى حيزبون توقد النار بعد ماتلفّعت الظّلماء من كلّ جانب
تصلّى بها برد العشاء ولم تكنتخال وميض النّار يبدو لراكب
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
فما راعها إلا بغام مطيّةتريح بمحسور من الصوّت لاغب
تقول وقد قربت كوري وناقتيإليك فلا تذعر عليّ ركائبي
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
فلمّا تنازعنا الحديث سألتها:من الحيّ؟ قالت: معشر من محارب
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
من المشتوين القدّ ممّا تراهمجياعا وريف الناس ليس بعازب
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
فلمّا بدا حرمانها الضّيف لم يكنعليّ مناخ السّوء ضربة لازب
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

قال أبو عمرو بن العلاء: أول ما حرّك من القطاميّ ورفع من ذكره أنه قدم في خلافة الوليد بن عبد الملك دمشق ليمدحه، فقيل له: إنّه بخيل لا يعطي الشّعراء. وقيل: بل قدمها في خلافة عمر بن عبد العزيز، فقيل له: إن الشعر لا ينفق عند هذا ولا يعطي عليه شيئا، وهذا عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك فامتدحه، فمدحه، بقصيدته التي أوّلها:

إنّا محيّوك فاسلم أيها الطّللوإن بليت وإن طالت بك الطّيل
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

فقال له: كم أمّلت من أمير المؤمنين؟ قال: أمّلت أن يعطيني ثلاثين ناقة. فقال: قد أمرت لك بخمسين ناقة موقرة برّا وتمرا وثيابا، ثم أمر بدفع ذلك إليه.

وفي أوّل هذه القصيدة غناء نسبته:

صوت

إنّا محيّوك فاسلم أيّها الطّللوإن بليت وإن طالت بك الطّيل
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
يمشين رهوا فلا الأعجاز خاذلةولا الصّدور على الأعجاز تتّكل
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

الغناء لسليم، هزج بالبنصر. وقيل: إنه لغيره.

أخبرني ابن عمّار قال: حدّثنا محمد بن عبّاد قال: قال أبو عمرو الشّيبانيّ: لو قال القطاميّ بيته:

يمشين رهوا فلا الأعجاز خاذلةولا الصدور على الأعجاز تتّكل
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

في صفة النساء لكان أشعر الناس.

ولو قال كثيّر:

فقلت لها: يا عزّ كلّ مصيبةإذا وطّنت يوما لها النفس ذلّت
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «خليلي هذا ربع عزة فاعقلا»

في مرثية أو صفة حرب لكان أشعر النّاس.

وأخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال: حدّثني ميمون بن هارون قال: حدّثني رجل كان يديم الأسفار، قال: سافرت مرّة إلى الشّام على طريق البرّ، فجعلت أتمثّل بقول القطاميّ:

قد يدرك المتأنّي بعض حاجتهوقد يكون مع المستعجل الزّلل
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

ومعي أعرابيّ قد استأجرت منه مركبي، فقال: ما زاد قائل هذا الشعر على أن ثبّط النّاس عن الجزم، فهلّا قال بعد بيته هذا:

وربّما ضرّ بعض الناس بطؤهموكان خيرا لهم لو أنّهم عجلوا

وكان السبب في أسر القطاميّ، على ما حكاه من ذكرنا، وذكر ابن الكلبيّ عن عرام بن حازم بن عطيّة الكلبيّ قال: أغار زفر بن الحارث على أهل المصيّخ، وبه جماعة من الحاجّ وغيرهم، وقد أصاب أول النّهار أهل ماء يقال له: حصف، وفيه سيّد بني الجلاح مصاد بن المغيرة بن أبي جبلة، فأسره، فأتى به قرقيسيا، ثم منّ عليه، وقتل عفيف بن حسّان بن حصين من بني الجلاح، ثم مضى زفر إلى المصيّخ فاجتمع من بها إلى عمير بن حسّان بن عمر بن جبلة فامتنعوا، فقال لهم زفر: إني لا أريد دماءكم، فأعطوا بأيديكم. فأبوا وقاتلوا فقتل منهم جماعة كثيرة، وقتل معهم رجلان من تغلب، يقال لأحدهما: جسّاس، والآخر غنيّ، وهو أبو جسّاس. وقد قالت له امرأته: يا أبا جسّاس، هؤلاء قومك فأتهم حين اجتمعوا وامتنعوا، فقال: اليوم نزاريّ وأمس كلبيّ! ما أنا بمفارقهم، فقاتل حتّى قتل، فكانت القتلى يوم المصيّخ من كلب ثمانية عشر رجلا والتّغلبيّين، وبقي الماء ليس فيه إلا النّساء. فلمّا انصرف عنهم زفر أراد النساء أن يجررن القتلى إلى بئر يقال لها: كوكب. فلما أردن أن يجررن رجلا قالت وليّته من النّساء: لا يكون فلان تحت رجالكنّ كلّهم، فأتت أمّ عمير بن حسّان، وهي كيّسة بنت أبيّ، فأعلقت في رجله رداءها، ثم قالت: اجسر عمير فإنّ أباك كان جسورا، ثم ألقت عليه التّراب والحطب ليكون بينه وبين أصحابه شيء. ثم جعلن كلما ألقين رجلا ألقين عليه التّراب والحطب حتى وارتهم القليب. ولمّا بلغ حميد بن حريث بن بحدل ما لقي قومه أقبل حتى أتى تدمر ليجمع أصحابه، وليغير على قيس. فلما وقعت الدّماء نهض بنو نمير، وهم يومئذ ببطن الجبل، وهو على مياه لهم، إلى حميد بن حريث بن بحدل، حتى قدم وراءه يتهيّأ للغارة، واجتمعت إليه كلب، وقالوا له: إن كنت تبرئنا ببراءتنا، وتعرف جوارنا أقمنا، وإن كنت تتخوّف علينا من قومك شيئا لحقنا بقومنا، فقال: أتريدون أن تكونوا أدلّاءهم حتى تنجلي هذه الفتنة؟ فاحتبسهم فيها، وخليفته في تدمر رجل من كلب يقال له: مطر بن عوص، وكان فاتكا، فأراد حميدا على قتلهم، فأبى وكره الدّماء، فلمّا سار حميد، وقد عاد زفر أيضا مغيرا، ليردّه عمّا يريده، فنزل قرية له، وبلغه مسير زفر فاغتاظ وأخذ في التّعبئة، فأتاه مطر وكان خرج معه مشيّعا له انتهازا لدماء الّذين في يده من النّميريّين، فقال: ما أصنع بهؤلاء الأسارى الّذين في يدي وقد قتل أهل مصبح؟ فقال وهو لا يعقل من الوجد: اذهب فاقتلهم. فخرج مطر يركض إلى تدمر، تخوّف ألّا يبدوا له، فلمّا أتى تدمر قتلهم، وانتبه حميد بعد ذلك بساعة فقال: أين مطر حتى أوصيه؟ قالوا: انصرف، قال: أدركوا عدوّ اللّه، فإنّي أخاف على من بيده من النّميريّين.

وبعث فارسا يركض يمنع مطرا عن قتلهم، فأتاه وقد قتل كلّ من كان في يده من الأسرى إلّا رجلين - وكانوا ستّين رجلا - فلما بلّغه الرّسول رسالة حميد قال النّميريّان الباقيان: خلّ عنا فقد أمرت بتخلية سبيلنا، فقال: أبعد أهل المصيّخ! لا واللّه لا تخبّران عنهم، ثم قتلهما. فلمّا بلغ زفر قتل النّميريّين بسط يده على كلّ من أدرك من كلب، واستحلّ الدّماء، وأخذ في واد يقال له وادي الجيوش، وقد انتشرت به كلب للصّيد، فلم يدرك به أحدا إلّا قتله، فقتل أكثر من خمسمائة، ولم يلقه حميد. ثم انصرف إلى قرقيسياء.

وذكر بعض بني نمير أن زفر أغار على كلب يوم حفير ويوم المصيّخ ويوم الفرس، فقتل منهم أكثر من ألف رجل، قال: وأغار عليهم زفر في يوم الإكليل فقتل منهم مقتلة عظيمة، واستاق نعما كثيرة.

وذكر عرّام قال: قتل زفر يوم الإكليل جبير بن ثعلبة من بني الجلاح، وحسّان بن حصين من بني الجلاح، ومحمّد بن طفيل بن مطير بن أبي جبلة، وعمرو بن حسّان بن عوف من بني الجلاح، ومحمد بن جبلة بن عوف، أخوان لأمّ. وقالت امرأة من بني كلب ترثيهم:

أبعد من دلّيت في كوكبيا نفس ترجين ثواء الرّجال؟

قال لقيط: أخبرني بعض بني نمير قال: أغار عمير بن الحباب على كلب فأصابهم يوم الغوير ويوم الهبل ويوم كآبة.

فأمّا يوم الغوير فإنّه أرسل رجلا من بني نمير يقال له كليب بن سلمة عينا له، ليعلم له علم ابن بحدل، وكانت أمّ النميريّ كلبيّة، فكانت تتكلّم بكلامهم، فكان الحسام بن سالم طريدا فيهم فنذروا به فقتلوه وأخذوا فرسه، فلقي كليب بن سلمة رجلا من بني كلب فعرفه، فقال: من أين جئت؟ فقال: من عند الأمير حميد ابن حريث، قال: وأين تركته؟ قال: بمكان كذا وكذا، قال كليب: كذبت! أنا أحدث به عهدا منك، قال: فأين تركته أنت؟ قال بغوير الضبع، قال: لكنّي فارقته أمس، فخرج النميريّ يسوق الكلبيّ إلى أصحابه - قال: فو اللّه إنّي لو أشاء أن أقتله لقتلته، أو آخذه لأخذته - فخرج يسوقه، حتّى إذا نظر إلى القوم أنكرهم، فقال: واللّه ما أرى هؤلاء أصحابنا. قال: ويستدبره النّميريّ فيطعنه عند ناغض كتفه اليمنى، حتى أخرج السّنان من حلمة الثّدي، وأخطأ المقتل، وحرّك الكلبيّ فرسه مولّيا، فاتّبعته الخيل حتى يدفع إلى ابن بحدل فانهزم، فقتلوا من كلب مقتلة عظيمة، واتّبع عمير بن بحدل فجعل يقول لفرسه:

أقدم صدام إنّه ابن بحدللا تدرك الخيل وأنت تدأل
ألّا تمرّ مثل مرّ الأجدل

قال: فمضى حميد حتى يدفع إلى الغوير، وقد كاد الرّمح يناله، فانطلق يريد الباب، فطعن عمير الباب وكسر رمحه فيه، فلم يفلت من تلك الخيل غير حميد وشبل بن الخيتار. فلمّا بلغ ذلك بشر بن مروان قال لخالد بن يزيد بن معاوية: كيف ترى خالي طرد خالك؟.

وقال عمير:

وأفلتنا ركضا حميد بن بحدلعلى سابح غوج الّلبان مثابر
ونحن جلبنا الخيل قبّا شوازبادقاق الهوادي داميات الدّوابر
إذا انتقصت من شأوه الخيل خلفهترامى به فوق الرماح الشواجر
تسائل عن حيّي رفيدة بعد ماقضت وطرا من عبد ودّ وعامر

وقال شبل بن الخيتار:

نجّى الحساميّة الكبداء مبتركمن جريها وحثيث الشدّ مذعور
للشاعر شُبَيْل بن الِجنِبَّار، اقرأ القصيدة
من بعد ما التثق السّربال طعنتهكأنّه بنجيع الورس ممكور
ولّى حميد ولم ينظر فوارسهقبل التّقرّة والمغرور مغرور
للشاعر شُبَيْل بن الِجنِبَّار، اقرأ القصيدة
فقد جزعت غداة الروع إذ لقحتأبطال قيس عليها البيض مشجور
للشاعر شُبَيْل بن الِجنِبَّار، اقرأ القصيدة
يهدي أوائلها سمح خلائقهماضي العنان على الأعداء منصور
للشاعر شُبَيْل بن الِجنِبَّار، اقرأ القصيدة
يخرجن من برض الإكليل طالعةكأنّهن جراد الحرّة الزّور

وذكر زياد بن يزيد بن عمير بن الحباب، عن أشياخ قومه، قال: أغار عمير بن الحباب على كلب، فلقي جمعا لهم بالإكليل في ستمائة أو سبعمائة، فقتل منهم فأكثر، فقالت هند الجلاحيّة تحرّض كلبا:

ألا هل ثائر بدماء قومأصابهم عمير بن الحباب!
للشاعر هِنْد الجُلاحِيّة، اقرأ القصيدة
وهل في عامر يوما نكيروحيّي عبد ودّ أو جناب!
للشاعر هِنْد الجُلاحِيّة، اقرأ القصيدة
فإن لم يثأروا من قد أصابوافكانوا أعبدا لبني كلاب
أبعد بني الجلاح ومن تركتمبجانب كوكب تحت التراب
للشاعر هِنْد الجُلاحِيّة، اقرأ القصيدة
تطيب لغائر منكم حياةألا لا عيش للحيّ المصاب
للشاعر هِنْد الجُلاحِيّة، اقرأ القصيدة

فاجتمعوا فقاتلهم عمير، وأصاب فيهم، ثم أغار فلقي جمعا منهم بالجوف فقتلهم، ثم أغار عليهم بالسّماوة فقتل منهم مقتلة عظيمة، فقال عمير:

ألا يا هند هند بني الجلاحسقيت الغيث من قلل السّحاب
ألمّا تخبري عنّا بأنّانردّ الكبش أعضب في تباب
ألا يا هند لو عاينت يومالقومك لامتنعت من الشّراب
غداة ندوسهم بالخيل حتّىأباد القتل حيّ بني جناب
ولو عطفت مواساة حميدالغودر شلوه جزر الذّئاب

وذكر زياد بن يزيد بن عمير بن الحباب، عن أشياخ قومه، قال: خرج عمير فأغار على قومه أيضا يوم الغوير، فلمّا دنا من الغوير وصار بين حميد ودمشق دعا رجلا من بني نمير، وقال له: سر الآن حتى تأتي حميد بن بحدل، فقل له: أجب، فإن قال: من؟ فقل: صاحب عقد خرج قبل ذلك بيومين من دمشق، فإن جاء معك فلا تهجه حتى تأتيني به، فنكون نحن الذين نلي منه ما نريد أن نلي، فإنّه إن ركب الحساميّة لم يدرك. فأتاه النميريّ فقال: أجب، فقال: ومن؟ قال: فلان بن فلان صاحب العقد. قال: فركب ابن بحدل الحسامية. ثم خرج يسير في أثر النّميريّ، حتى طلع النميريّ على عمير، فقال النميريّ في نفسه: أقتله أنا أحبّ إليّ من أن يقتله عمير لقتله الحسام بن سالم، فعطف عليه، وولّى حميد، وأتّبعه عمير وأصحابه، وترك العسكر، وأمرهم عمير أن يميلوا إلى القوم، فذلك حيث يقول لفرسه:

أقدم صدام إنّه ابن بحدل

فاستباح عسكر ابن بحدل وانصرف.

ثم أغار عليهم يوم دهمان كما ذكر عون بن حارثة بن عديّ بن جبلة أحد بني زهير عن أبيه: قال: أغار عمير على كلب، فأخذ الأموال، وقتل الرّجال، وبلغ ابن بحدل مخرجه من الجزيرة، فجمع له، ثم خرج يعارضه، حتى إذا دنا منهم بعث العين يأخذ لهم أثر القوم، فأتاه العين فأخبره أنّ عميرا قد أتى دهمان فاستباح فيهم، ثم خلّف عسكره وخرج هو في طلب قوم قد سمع بهم، فقال حميد لأصحابه: تهيئوا للبيات، وليكن شعاركم: «نحن عباد اللّه حقّا حقّا». فبيّتهم فقتل فيهم فأوجع. وانقلب عمير حين أصبح، إلى عسكره، حتى إذا أشرف على عسكره رأى ما أنكره من كثرة السّواد، فقال لأصحابه: إني أرى شيئا ما أعرفه، وما هو بالذي خلفنا، فلما رآهم ابن بحدل قال لأصحابه: احملوا عليهم، فقتل من الفريقين جميعا، فقال ابن مخلاة:

لقد طار في الآفاق أنّ ابن بحدلحميدا شفى كلبا فقرّت عيونها
للشاعر عمرو بن مخلاة الكلبي، اقرأ القصيدة

وقال منذر بن حسّان:

وبادية الجواعر من نميرتنادي وهي سافر النّقاب
للشاعر المُنْذِر بن حَسَّان، اقرأ القصيدة
تنادي بالجزيرة: يا لقيسوقيس بئس فتيان الضّراب
قتلنا منهم مائتين صبراوألفا بالتّلاع وبالرّوابي
وأفلتنا هجين بني سليميفدّي المهر من حبّ الإياب
للشاعر المُنْذِر بن حَسَّان، اقرأ القصيدة
فلو لا اللّه والمهر المفدّىلغودر وهو غربال الإهاب

ثم سار عمير، وجمع لهم أكثر ممّا كان تجمّع، فأغار عليهم، فقتل منهم مقتلة، واستاق الغنائم وسبى. فلمّا سمعت كلب بإيقاعه تحمّلت من منازلها هاربة منه، فلم يبق منهم أحد في موضع يقدر عمير على الغارة عليه إلّا أن يخوض إليهم غيرهم من الأحياء، ويخلّف مدائن الشّام خلف ظهره، وصاروا جميعا إلى الغوير، فقال عمير في ذلك:

بشّر بني القين بطعن شرجيشبع أولاد الضّباع العرج
ما زال إمراري لهم ونسجيوعقبتي للكور بعد السّرج
حتّى اتّقونى بالظّهور الفلجهل أجزين يوما بيوم المرج
ويوم دهمان ويوم هرج

وقال رجل من نمير:

أخذت نساء عبد اللّه قهراوما أعفيت نسوة آل كلب
صبحناهم بخيل مقرباتوطعن لاكفاء له وضرب
يبكّين ابن عمرو وهو تسفيعليه الرّيح تربا بعد ترب
وسعد قد دنا منه حمامبأسمر من رماح الخطّ صلب
وقد قالت أمامة إذ رأتني:بليت وما لقيت لقاء صحب
وقد فقدت معانقتي زماناوشدّ المعصمين فويق حقب
لقد بدّلت بعدي وجه سوءوآثارا بجلدك يا بن كعب
فقلت لها كذلك من يلاقيعتاق الخيل تحمل كل صعب

وقال المجير بن أسلم القشيريّ:

أصبحت أمّ معمر عذلتنيفي ركوبي إلى منادي الصّباح
فدعيني أفيد قومك مجداتندبيني به لدى الأنواح
كلّ حيّ أذقت نعمي وبؤسىببني عامر الطّوال الرّماح
وصدمنا كلبا فبين قتيلأو سليب مشرّد من جراح
وأتونا بكلّ أجرد صافورجال معدّة وسلاح

وقال أيضا:

أبلغ عامرا عنّي رسولاوأبلغ إن عرضت بني جناب
هلمّ إلى جياد مضمراتوبيض لا تفلّ من الضّراب
وسمر في المهزّة ذات ليننقيم بهنّ من صعر الرّقاب
إذا حشدت سليم حول بيتيوعامرها المركّب في النّصاب
فمن هذا يقارب فخر قوميومن هذا الذي يرجوا اغتصابي؟

وقال زفر بن الحارث:

يا كلب قد كلب الزّمان عليكموأصابكم منّي عذاب مرسل
للشاعر زفر بن الحارث الكلابي، اقرأ القصيدة
أيهولنا يا كلب أصدق شدّةيوم اللّقاء أم الهويل الأوّل
للشاعر زفر بن الحارث الكلابي، اقرأ القصيدة
إنّ السّماوة لا سماوة فالحقيبالغور فالأفحاص بئس الموئل
للشاعر زفر بن الحارث الكلابي، اقرأ القصيدة
فجنوب عكّا فالسّواحل إنّهاأرض تذوب بها الّلقاح وتهزل
للشاعر زفر بن الحارث الكلابي، اقرأ القصيدة
أرض المذلّة حيث عقّت أمّكموأبوكم أو حيث مزّع بحدل
للشاعر زفر بن الحارث الكلابي، اقرأ القصيدة

وقال عمير بن الحباب:

وردن على الغوير غوير كلبكأنّ عيونها قلب انتزاح
أقرّ العين مصرع عبد ودّوما لاقت سراة بني الجلاح
وقائمة تنادي يا لكلبوكلب بئس فتيان الصبّاح

وقال عمير أيضا:

وكلب تركنا جمعهم بين هاربحذار المنايا أو قتيل مجدّل
وأفلتنا لمّا التقينا بعاقدعلى سابح عند الجراء ابن بحدل
وأقسم لو لاقيته لعلوتهبأبيض قطّاع الضّريبة مقصل

وقال عمير أيضا:

وكلبا تركناهم فلو لا أذلّةأدرنا عليهم مثل راغية البكر

وقال جهم القشيريّ:

يا كلب مهلا عن بني عامرفليس فيها الجدّ بالعاثر
ولّى حميد وهو في كربةعلى طويل متنه ضامر
بالأمّ يفديها وقد شمّرتكالّلبوة الممطولة الكاسر
هلّا صبرتم للقنا ساعةولم تكن بالماجد الصابر؟

وقال عمير:

وأفلتنا ركضا حميد بن بحدلعلى سابح غوج اللّبان مثابر
إذا انتقصت من شأوه الخيل خلفهترامى به فوق الرّماح الشّواجر
لدن غدوة حتى نزلنا عشيّةيمرّ كمرّيخ الغلام المخاطر

وقال عمير:

يا كلب لم تترك لكم أرماحنابلوى السّماوة فالغوير مرادا
يا كلب أحرمنا السماوة فانظريغير السّماوة في البلاد بلادا
ولقد صككنا بالفوارس جمعكموعديدكم يا كلب حتى بادا
ولقد سبقت بوقعة تركتكميا كلب بالحرب العوان بعادا

وقال زفر بن الحارث:

جرى اللّه خيرا كلّما ذرّ شارقسعيدا ولاقته التحيّة والرّحب
وحلحلة المغوار للّه جدّهفلو لم ينله القتل بادت إذن كلب
للشاعر زفر بن الحارث الكلابي، اقرأ القصيدة
بني عبد ودّ لا نطالب ثأرنامن الناس بالسّلطان إن شبّت الحرب
للشاعر زفر بن الحارث الكلابي، اقرأ القصيدة
ولكنّ بيض الهند تسعر نارناإذا ما خبت نار الأعادى فما تخبو
للشاعر زفر بن الحارث الكلابي، اقرأ القصيدة
أبادتكم فرسان قيس فما لكمعديد إذا عدّ الحصى لا ولا عقب
للشاعر زفر بن الحارث الكلابي، اقرأ القصيدة
بأيديهم بيض رقاق كأنّهاإذا ما انتضوها في أكفّهم الشّهب
للشاعر زفر بن الحارث الكلابي، اقرأ القصيدة
فسبّوهم إن أنتم لم تطالبوابثأركم قد ينفع الطالب السّبّ
للشاعر زفر بن الحارث الكلابي، اقرأ القصيدة
وما امتنع الأقوام عنّا بنأيهمسواء علينا النأي في الحرب والقرب
للشاعر زفر بن الحارث الكلابي، اقرأ القصيدة

وقال عمير:

شفيت الغليل من قضاعة عنوةفظلّ لها يوم أغرّ محجّل
جزيناهم بالمرج يوما مشهّرافلاقوا صباحا ذا وبال وفتّلوا
فلم يبق إلا هارب من سيوفناوإلّا قتيل في مكرّ مجدّل

وقال ابن الصّفّار المحاربيّ:

عظمت مصيبة تغلب ابنة وائلحتى رأت كلب مصيبتها سوى
شمتوا وكان اللّه قد أخزاهموتريد كلب أن يكون لها أسا
وبكم بدأنا يال كلب قتلهمولعلّنا يوما نعود لكم عسى
أخنت على كلب صدور رماحناما بين أقبلة الغوير إلى سوا
وعركن بهراء بن عمرو عركةشفت الغليل ومسّهم منّا أذى

وقال الرّاعي:

متى نفترش يوما عليما بغارةيكونوا كعوص أو أذلّ وأضرعا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «ضعيف العصا بادي العروق ترى له»
وحيّ الجلاح قد تركنا بدارهمسواعد ملقاة وهاما مصرّعا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «ضعيف العصا بادي العروق ترى له»
ونحن جدعنا أنف كلب ولم ندعلبهراء في ذكر من النّاس مسمعا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «ضعيف العصا بادي العروق ترى له»
قتلنا لو أنّ القتل يشفي صدورنابتدمر ألفا من قضاعة أقرعا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «ضعيفُ العصا بادي العروقِ ترى لهُ»

وقال زفر بن الحارث - وذكر أبو عبيدة أنها لعقيل بن علّفة:

أقرّ العيون أنّ رهط ابن بحدلأذيقوا هوانا بالذي كان قدّما
للشاعر زفر بن الحارث الكلابي، اقرأ القصيدة
صبحناهم البيض الرّقاق ظباتهابجانب خبث والوشيج المقوّما
للشاعر زفر بن الحارث الكلابي، اقرأ القصيدة
وجرداء ملّتها الغزاة فكلّهاترى قلقا تحت الرّحالة أهضما
للشاعر زفر بن الحارث الكلابي، اقرأ القصيدة
بكلّ فتى لم تأبر النّخل أمّهولم يدع يوما للغرائر معكما
للشاعر زفر بن الحارث الكلابي، اقرأ القصيدة

وهذه الحروب التي جرت: ببنات قين. فلما ألحّ عمير بالغارات على كلب رحلت حتى نزلت غوريّ الشام، فلما صارت كلب بالموضع الذي صارت قيس، انصرفت قيس في بعض ما كانت تنصرف من غزو كلب، وهم مع عمير، فنزلوا بثني من أثناء الفرات بين منازل بني تغلب، وفي بني تغلب امرأة من تميم يقال لها: أم دويل ناكحة في بني مالك بن جشم بن بكر، وكان دويل من فرسان بني تغلب، وكانت لها أعنز بمجنبة، فأخذوا من أعنزها، أخذها غلام من بني الحريش، فشكوا ذلك إلى عمير فلم يشكهم، وقال: معرّة الجند. فلمّا رأى أصحابه أنه لم يقدعهم وثبوا على بقيّة أعنزها فأخذوها وأكلوها، فلمّا أتاها دويل أخبرته بما لقيت، فجمع جمعا ثم سار فأغار على بني الحريش، فلقي جماعة منهم فقاتلوه، فخرج رجل من بني الحريش - زعمت تغلب أنّه مات بعد ذلك - وأخذ ذودا لامرأة من بني الحريش يقال لها: أمّ الهيثم، فبلغ الأخطل الوقعة، فلم يدر ما هي، وقال وهو براذان:

أتاني ودوني الزّابيان كلاهماودجلة أنباء أمرّ من الصّبر
للشاعر الأخطل، من قصيدة «أتاني ودوني الزابيان كلاهما»
أتاني بأن ابني نزار تهادياوتغلب أولى بالوفاء وبالغدر

فلما تبين الخبر قال:

وجاءوا بجمع ناصري أمّ هيثمفما رجعوا من ذودها ببعير

فلمّا بلغ ذلك قيسا أغارت على بني تغلب بإزاء الخابور، فقتلوا منهم ثلاثة نفر، واستاقوا خمسة وثلاثين بعيرا، فخرجت جماعة من تغلب، فأتوا زفر بن الحارث وذكروا له القرابة والجهوار، وهم بقرقيسيا، وقالوا: ائتنا برحالنا وردّ علينا نعمنا، فقال: أما النّعم فنردّها عليكم، أو ما قدرنا لكم عليه، ونكمل لكم نعمكم من نعمنا إن لم نصبها كلّها، وندي لكم القتلى، قالوا له: فدع لنا قريات الخابور، ورحّل قيسا عنها، فإنّ هذه الحروب لن تطفأ ما داموا مجاورينا، فأبى ذلك زفر، وأبواهم أن يرضوا إلّا بذلك، فناشدهم اللّه وألحّ عليهم، فقال له رجل من النّمر كان معهم: واللّه ما يسرّني أنّه وقاني حرب قيس كلب أبقع تركته في غنمي اليوم، وألحّ عليهم زفر يطلب إليهم ويناشدهم، فأبوا فقال عمير: لا عليك، لا تكثر، فو اللّه إنّي لأرى عيون قوم ما يريدون إلا محاربنك، فانصرفوا من عنده، ثم جمعوا جمعا، وأغاروا على ما قرب من قرقيسيا من قرى القيسيّة، فلقيهم عمير بن الحباب، فكان النّميريّ الذي تكلّم عند زفر أول قتيل، وهزم التغلبيّين، فأعظم ذلك الحيّان جميعا قيس وتغلب، وكرهوا الحرب وشماتة العدوّ.

فذكر سليمان بن عبد اللّه بن الأصمّ: أنّ إياس بن الخرّاز، أحد بني عتيبة بن سعد بن زهير، وكان شريفا من عيون تغلب، دخل قرقيسيا لينظر ويناظر زفر فيما كان بينهم، فشدّ عليه يزيد بن بحزن القرشيّ فقتله، فتذمّم زفر من ذلك، وكان كريما مجمّعا لا يحب الفرقة، فأرسل إلى الأمير ابن قرشة بن عمرو بن ربعيّ بن زفر بن عتيبة بن بعج بن عتيبة بن سعد بن زهير بن جشم بن الأرقم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب، فقال له: هل لك أن تسود بني نزار فتقبل مني الدّية عن ابن عمّك؟ فأجابه إلى ذلك. وكان قرشة من أشراف بني تغلب، فتلافى زفر ما بين الحيّين، وأصلح بينهم، وفي الصدور ما فيها، فوفد عمير على المصعب بن الزبير، فأعلمه أنه قد أولج قضاعة بمدائن الشام، وأنه لم يبق إلا حيّ من ربيعة أكثرهم نصارى، فسأله أن يولّيه عليهم، فقال: اكتب إلى زفر، فإن هو أراد ذلك وإلّا ولّاك، فلمّا قدم على زفر ذكر له ذلك فشقّ عليه ذلك، وكره أن يليهم عمير فيحيف بهم ويكون ذلك داعية إلى منافرته، فوجّه إليهم قوما، وأمرهم أن يرفقوا بهم، فأتوا أخلاطا من بني تغلب من مشارق الخابور فأعلموهم الذي وجّهوا به، فأبوا عليهم، فانصرفوا إلى زفر، فردّهم وأعلمهم أنّ المصعب كتب إليه بذلك، ولا يجد بدّا من أخذ ذلك منهم أو محاربتهم، فقتلوا بعض الرسل.

وذكر ابن الأصمّ: أنّ زفر لمّا أتاه ذلك اشتدّ عليه، وكره استفساد بني تغلب، فصار إليهم عمير بن الحباب فلقيهم قريبا من ماكسين على شاطىء الخابور، بينه وبين قرقيسيا مسيرة يوم، فأعظم فيها القتل.

وذكر زياد بن يزيد بن عمير بن الحباب: أن القتل استحرّ ببني عتّاب بن سعد، والنّمر، وفيهم أخلاط تغلب، ولكنّ هؤلاء معظم الناس، فقتلوهم بها قتلا شديدا، وكان زفر بن يزيد أخو الحارث بن جشم له عشرون ذكرا لصلبه، وأصيب يومئذ أكثرهم، وأسر القطاميّ الشاعر وأخذت إبله، فأصاب عمير وأصحابه شيئا كثيرا من النّعم، ورئيس تغلب يومئذ عبد اللّه بن شريح بن مرّة بن عبد اللّه بن عمرو بن كلثوم بن مالك بن عتّاب بن سعد بن زهير بن جشم، فقتل، وقتل أخوه، وقتل مجاشع بن الأجلح، وعمرو بن معاوية من بني خالد بن كعب بن زهير، وعبد الحارث بن عبد المسيح الأوسيّ، وسعدان بن عبد يسوع بن حرب، وسعد ودّ بن أوس من بني جشم بن زهير، وجعل عمير يصيح بهم: «ويلكم لا تستبقوا أحدا» ونادى رجل من بني قشير يقال له النّدّار: «أنا جار لكلّ حامل أتتني، فهي آمنة»، فأتته الحبالى، فبلغني أنّ المرأة كانت تشدّ على بطنها الجفنة من تحت ثوبها تشبيها بالحبلى بما جعل لهنّ. فلمّا اجتمعن له بقر بطونهنّ فأفظع ذلك زفر وأصحابه، ولام زفر عميرا فيمن بقر من النّساء، فقال ما فعلته ولا أمرت به، فقال في ذلك الصفّار المحاربيّ:

بقرنا منكم ألفي بقيرفلم نترك لحاملة جنينا

وقال الأخطل يذكر ذلك:

فليت الخيل قد وطئت قشيراسنابكها وقد سطع الغبار
فنجزيهم ببغيهم علينابني لبنى بما فعل الغدار

وقال الصّفّار:

تمنّيت بالخابور قيسا فصادفتمنايا لأسباب وفاق على قدر

وقال جرير:

نبّئت أنّك بالخابور ممتنعثم انفرجت انفراجا بعد إقرار

فقال زفر بن الحارث يعاتب عميرا بما كان منه في الخابور:

ألا من مبلغ عنّي عميرارسالة عاتب وعليك زاري
أتترك حيّ ذي كلع وكلبوتجعل حدّ نابك في نزار
كمعتمد على إحدى يديهفخانته بوهي وانكسار

ولمّا أسر القطاميّ أتى زفر بقرقيسيا فخلّى سبيله، ورد عليه مائة ناقة، كما ذكر أدهم بن عمران العبديّ، فقال القطاميّ يمدحه:

قفى قبل التفرّق يا ضباعاولا يك موقف منك الوداعا
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
قفي فادي أسيرك إنّ قوميوقومك لا أرى لهم اجتماعا
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
ألم يحزنك أنّ حبال قيسوتغلب قد تباينت انقطاعا
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
فصارا ما تغبّهما أمورتزيد سنا حريقتها ارتفاعا
كما العظم الكسير يهاض حتىيبتّ وإنّما بدأ انصداعا
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
فأصبح سبل ذلك قد ترقىإلى من كان منزله يفاعا
فلا تبعد دماء ابني نزارولا تقرر عيونك يا قضاعا
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
ومن يكن استلام إلى ثويّفقد أحسنت يا زفر المتاعا
أكفرا بعد ردّ الموت عنّيوبعد عطائك المائة الرّتاعا
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
فلو بيدي سواك غداة زلّتبي القدمان لم أرج اطّلاعا
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
إذن لهلكت لو كانت صغارمن الأخلاق تبتدع ابتداعا
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
فلم أر منعمين أقلّ منّاوأكرم عند ما اصطنعوا اصطناعا
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
من البيض الوجوه بني نفيلأبت أخلاقهم إلّا اتّساعا
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
بني القرم الذي علمت معدّتفضّل قومها سعة وباعا
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

وقال أيضا:

يا زفر بن الحارث بن الأكرمقد كنت في الحرب قديم المقدم
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
إذ أحجم القوم ولمّا تحجمإنّك وابنيك حفظتم محرمي
وحقن اللّه بكفّيك دميمن بعد ما جفّ لساني وفمي
أنقذتني من بطل معمّموالخيل تحت العارض المسوّم
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
وتغلب يدعون: يا للأرقم

وقال أيضا:

يا ناق خبّي خببا زورّاوقلّبي منسمك المغبرا
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
وعارضي اللّيل إذا ما اخضرّاسوف تلاقين جوادا حرّا
سيّد قيس زفر الأغرّاذاك الذي بايع ثمّ برّا
ونقض الأقوام واستمّراقد نفع اللّه به وضرّا
وكان في الحرب شهابا مرّا

وقال أيضا:

كأنّ في المركب حين راحابدرا يزيد البصر انفضاحا
ذا بلج ساواك أنّي امتاحاوقرّ عينا ورجا الرّباحا
ألا ترى ما غشي الأركاحاوغشي الخابور والأملاحا
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
يصفّقون بالأكفّ الرّاحا

وقال فيه أيضا هذه القصيدة التي فيها الغناء المذكور بذكر أخبار القطاميّ:

ما اعتاد حبّ سليمى حين معتادولا تقضّى بواقي دينها الطادي
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
بيضاء محطوطة المتنين بهكنةريّا الرّوادف لم تمغل بأولاد
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
ما للكواعب ودّعن الحياة كماودّعننى واتّخذن الشّيب ميعادي
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
أبصارهنّ إلى الشّبّان مائلةوقد أراهنّ عنّي غير صدّاد
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
إذ باطلي لم تقشّع جاهليّتهعنّي ولم يترك الخلّان تقوادي
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
كنّية الحيّ من ذي القيضة احتملوامستحقبين فؤادا ما له فادي
بانوا وكانوا حياتي في اجتماعهموفي تفرّقهم قتلي وإقصادي
يقتلننا بحديث ليس يعلمهمن يتّقين ولا مكنونه بادي
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
فهنّ ينبذن من قول يصبن بهمواقع الماء من ذي الغلّة الصّادي
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

يقول فيها في مدح زفر بن الحارث:

من مبلغ زفر القيسيّ مدحتهمن القطاميّ قولا غير إفناد
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
إنّي وإن كان قومي ليس بينهموبين قومك إلّا ضربة الهادي
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
مثن عليك بما استبقيت معرفتيوقد تعرّض منّي مقتل بادي
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
فلن أثيبك بالنّعماء مشتمةولن أبدّل إحسانا بإفساد
فإن هجوتك ما تمّت مكارمتيوإن مدحت فقد أحسنت إصفادي
وما نسيت مقام الورد تحبسهبيني وبين حفيف الغابة الغادي
لو لا كتائب من عمرو تصول بهاأرديت يا خير من يندو له النّادي
إذ لا ترى العين إلا كلّ سلهبةوسابح مثل سيد الرّدهة العادي
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
إذ الفوارس من قيس بشكّتهمحولي شهود وما قومي بشهّادي
إذ يعتريك رجال يسألون دميولو أطعتهم أبكيت عوّادي
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
فقد عصيتهم والحرب مقبلةلا بل قدحت زنادا غير صلّاد
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
والصّيد آل نفيل خير قومهمعند الشتاء إذا ما ضنّ بالزّاد
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
المانعون غداة الرّوع جارهمبالمشرفيّة من ماض ومنآد
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
أيّام قومي مكاني منصب لهمولا يظنّون إلّا أنّني رادي
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
فانتاشني لك من غمّاء مظلمةحبل تضمّن إصداري وإيرادي
ولا كردّك مالي بعد ما كربتتبدي الشماتة أعدائي وحسّادي
فإن قدرت على خير جزيت بهواللّه يجعل أقواما بمرصاد

قال ابن سّلام: فلما سمع زفر هذا قال: لا أقدرك اللّه على ذلك.

وقال أيضا:

ألا من مبلغ زفر بن عمرووخير القول ما نطق الحكيم
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
أبيّ ما يقاد الدّهر قسراولا لهوى المصرّف يستقيم
أنوف حين يغضب مستعزّجنوح يستبدّ به العزيم
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
فما آل الحباب إلى نفيلإذا عدّ الممهّل والقديم
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
كأنّ أبا الحباب إلى نفيلحمار عضّه فرس عذوم
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
بنى لك عامر وبنو كلابأروما ما يوازيه أروم
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

أخبرني أحمد بن جعفر جحظة، قال: حدّثني علي بن يحيى المنجّم، قال: سمعت من لا أحصي من الرّواة يقولون: أحسن الناس ابتداء قصيد في الجاهليّة امرؤ القيس، حيث يقول: ألا عم صباحا أيها الطّلل البالي…

وحيث يقول: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل…

وفي الإسلاميين القطاميّ، حيث يقول:

إنا محيّوك فاسلم أيها الطّلل

وفي المحدثين بشار، حيث يقول:

أبى طلل بالجزع أن يتكلّماوماذا عليه لو أجاب متيّما؟
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يطوف العفاة بأبوابه»
وبالفرع آثار لهند وباللّوىملاعب ما يعرفن إلّا توهّمّا

نسخت من كتاب أحمد بن الحارث الخرّاز - ولم أسمعه من أحد، وهو خبر فيه طول اقتصرت منه على ما فيه من خبر القطاميّ - قال أحمد بن الحارث الخرّاز: حدّثني المدائنيّ، عن عبد الملك بن مسلم، قال: قال عبد الملك بن مروان للأخطل، وعنده عامر الشّعبي: أتحبّ أن لك قياضا بشعرك شعر أحد من العرب أم تحبّ أنك قلته؟ قال: لا واللّه يا أمير المؤمنين، إلا أنّي وددت أني كنت قلت أبياتا قالها رجل منّا مغذف القناع، قليل السّماع، قصير الذّراع، قال: وما قال؟ فأنشد قول القطاميّ:

إنّا محيّوك فاسلم أيّها الطّللوإن بليت وإن طالت بك الطّيل
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
ليس الجديد به تبقى بشاشتهإلا قليلا ولا ذو خلّة يصل
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
والعيش لا عيش إلا ما تقرّ بهعين ولا حال إلا سوف تنتقل
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
إن ترجعي من أبي عثمان منجحةفقد يهون على المستنجح العمل
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
والناس من يلق خيرا قائلون لهما يشتهي ولأمّ المخطىء الهبل
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
قد يدرك المتأنّي بعض حاجتهوقد يكون مع المستعجل الزّلل
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

حتى أتى على آخرها.

قال الشّعبيّ: فقلت له: قد قال القطاميّ أفضل من هذا، قال: وما قال؟ قلت: قال:

طرقت جنوب رجالنا من مطرقما كنت أحسبها قريب المعتق
قطعت إليك بمثل حيد جدايةحسن معلّق تومتيه مطوّق
ومصرّعين من الكلال كأنّمابكروا الغبوق من الرّحيق المعتق
متوسّدين ذراع كلّ شملّةومفرّج عرق المقذّ منوّق
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
وجثت على ركب تهدّ بها الصّفاوعلى كلاكل كالنّقيل المطرق
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
وإذا سمعن إلى هماهم رفقةومن النّجوم غوابر لم تخفق
جعلت تميل خدودها آذانهاطربا بهنّ إلى حداء السّوّق
كالمنصتات إلى الزّمير سمعنهمن رائع لقلوبهنّ مشوّق
فإذا نظرن إلى الطّريق رأينهلهقا كشاكلة الحصان الأبلق
وإذا تخلّف بعدهنّ لحاجةحاد يشسّع نعله لم يلحق
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
وإذا يصيبك - والحوادث جمّة -حدث حداك إلى أخيك الأوثق
ليت الهموم عن الفؤاد تفرّجتوخلا التّكلّم للّسان المطلق

قال: فقال عبد الملك بن مروان: ثكلت القطاميّ أمّه، هذا واللّه الشّعر، قال: فالتفت إليّ الأخطل فقال لي: يا شعبيّ، إن لك فنونا في الأحاديث، وإنما لنا فنّ واحد، فإن رأيت ألّا تحملني على أكتاف قومك فأدعهم حربي فقلت: وكرامة، لا أعرض لك في شعر أبدا، فأقلني هذه المرّة.

ثم التفتّ إلى عبد الملك بن مروان، فقلت: يا أمير المؤمنين: أسألك أن تستغفر لي الأخطل، فإني لا أعاود ما يكره، فضحك عبد الملك بن مروان وقال: يا أخطل إن الشّعبيّ في جواري، فقال: يا أمير المؤمنين: قد بدأته بالتحذير، وإذا ترك ما نكره لم نعرض له إلا بما يحب. فقال عبد الملك بن مروان للأخطل: فعليّ ألّا يعرض لك إلا بما تحبّ أبدا، فقال له الأخطل: أنت تتكفّل بذلك يا أمير المؤمنين؟ قال عبد الملك بن مروان: أنا أكفل به، إن شاء اللّه تعالى.

صوت

يا بن الذين سما كسرى لجمعهمفجلّلوا وجهه قارا بذي قار
للشاعر أبو نجدة العجلي، اقرأ القصيدة
دوّخ خراسان بالجرد العتاق وبالبيض الرّقاق بأيدي كلّ مسعار
للشاعر أبو نجدة العجلي، اقرأ القصيدة

الشّعر لأبي نجدة - واسمه لجيم بن سعد - شاعر من بني عجل.

أخبرني بذلك جماعة من أهله وكان أبو نجدة هذا مع أحمد بن عبد العزيز بن دلف بن أبي دلف، منقطعا إليه.

والغناء لكنيز دبّة، ولحنه فيه خفيف بالبنصر، ابتداؤه نشيد.

وكان سبب قوله هذا الشعر أنّ قائدا من قوّاد أحمد بن عبد العزيز التجأ إلى عمرو بن اللّيث، وهو يومئذ بخراسان، فغمّ ذلك أحمد وأقلقه، فدخل عليه أبو نجدة، فأنشده هذين البيتين، وبعدهما:

يا من تيمّم عمرا يستجير بهأما سمعت ببيت فيه سيّار
للشاعر أبو نجدة العجلي، اقرأ القصيدة
المستجير بعمرو عند كربتهكالمستجير من الرّمضاء بالنّار
للشاعر ابن الدجاجية، اقرأ القصيدة

فسرّ أحمد بذلك، وسرّي عنه، وأمر لأبي نجدة بجائزة، وخلع عليه وحمله، وغنّى فيه كنيز لحنه هذا، وهو لحن حسن مشهور في عصرنا هذا، فأمر لكنيز أيضا بجائزة، وخلع عليه وحمله.

سمعت أبا عليّ محمد بن المرزبان يحدّث أبي - رحمه اللّه - بهذا على سبيل المذاكرة، وكانت بيننا وبين آل المرزبان مودّة قديمة وصهر.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»