من «الاختيارين» للأخفش الأصغر (ت ٣١٥هـ)
٥٦ وقال جابر بن حني التغلبي
ألا يا لقومٍ، للشباب، [المصرم]وللحلم، بعد الزلة، المتوهم
وللمرء، يعتاد الصبابة، بعدماأتى دونها ما فرط حولٍ مجرمِ
فيا دار سلمى بالصريمة فاسلميإلى مدفع القيقاء، فالمتثلمِ
"الصريمة": كل ما انقطع، من معظم الرمل، فاسترق، فهو صريمةٌ، و"القيقاء": المكان الغليظ، المنقاد، غير المشرف.
ظللت على عرفانها ضيف قفرةٍلأقضى، منها حاجة المتلومِ
"
ضيف قفرة": يقول: لا أزال بقفرة "متلوماً" متلبثاً. يعني: نفسه.
أقامت بها بالصيف، ثم تذكرتمصايرها، بين الجواء، فعيهم
تعوج رهنى، في الزمام، وتنثنيإلى مهذبات، في وشيجٍ مقومِ
أنافت وزافت في الزمام كأنماإلى غرضها أجلاد هر مؤوم
"مؤوم": قبيح الخلقة، عظيم الهامة.
إذا زال رعنٌ، عن يديها، ونحرهابدا رأس رعنٍ واردٍ متقدم
"الرعن": أنف الجبل. و"الوارد": ما ورد، فتقدم ومثله:
إذا قطعن علماً بدا علم
وصدت عن الماء الرواء لجوفهادوي كدف القينة المتهزم
يقول: رجعت عن الماء، للمضي، والنجاء. وقوله: "لجوفها دوي" أي: حنين إلى بلادها. وفيه قول آخر، أي: يسمع لجوفها، من العطش، دوي، كما قال الراعي:
فسقوا صوادي، يسمعون عشيةللماء، في أجوافهن، صليلا
تصاعد في بطحاء عرقٍ كانماترقى إلى أعلى أريكٍ بسلم
يقول: ترفع بالسير، إلى "أريك". وهو جبل ذو أراك.
لتغلب أبكي، إذ أثارت رماحهاغوائل شر، بينها، متثلم
قوله "غوائل" أي: تغول حلومها، وتهلكها.
وكانوا هم البانين قبل اختلافهمومن لا يشد بنيانه يتهدم
بحي ككوثل السفينة أمرهاإلى سلفٍ عادٍ، إذا احتل مرزم
"كوثل السفينة": ذنبها. فيقول: يقيمون أمور الناس، ككوثل السفينة، الذي هو قوامها. و"السلف": القوم يتقدمون، فينفضون الأرض. يقول: فأمرهم يسند إلى هذا السلف. "إذا احتل": إذا نزل، فلم يقلعه شيء، لأنه يخاف. "مرزم": لازق.
إذا نزلوا الثغر المخوف تواضعتمخارمه واحتله ذو المقدمِ
واحد "المخارم" مخرم. وهو الطريق في الغلظ، وأنف الجبل. يقول: تخشع لهم المخارم، لكثرتهم. وقوله "ذو المقدم" يريد: المتقدم.
أنفت لهم من عقل قيس ومرثدإذا وردوا ماء ورمح بن هرثم
ويوماً لدى الحشار من يلو حقهيبزبز وينزع ثوبه ويظلم
قال: "يبزبز" ينزع بزه، ويؤخذ و"الحشار": صاحب الحشر. وقوله "يلو" يريد: يمطل ويمنع. وقال بعضهم: "يبزبز": يتعتع.
وفي كل أسواق العراق إتاوةٌوفي كل ما باع امرؤٌ مكس درهم
"الإتاوة": الخرج. و"المكاس": العشار. يقول: ففي كل ذا مكس، لا بد أن يؤخذ منه درهم.
ألا تستحي منا ملوك وتتقيمحارمنا، لا يبوِ الدم، بالدم
يقال: باء فلان بفلان، إذا قتل به، فكان له كفواً. يقول: لا يكافأ الدم بالدم. وترك الهمز في "يبو".
نعاطي الملوك السلم، ما قصدوا لهوليس، علينا، قتلهم بمحرمِ
قال: أخبرنا بعض الرواة، عن أبي عمرو بن العلاء، قال: أنشدت الفرزدق "نعاطي الملوك السلم، ما قصدوا لنا" فقال: "قصدوا بنا" أي:
ما ركبوا بنا قصداً. وإن جاروا فإن قتلهم لنا حلال.
وكائن أرينا الموت، من ذي تحيةٍإذا ما ازدرانا، أو أصر لمأثم!
وقد زعمت بهراء أن رماحنارماح يهودٍ، لا تخوض إلى الدم
فيوم الكلاب، قد أزالت رماحناشرحبيل، إذ آلى ألية مقسم
"شرحبيل": ابن الحارث بن عمرو بن حجر.
لينتزعن أدراعنا، فأزالهأبو حنشٍ عن ظهر شقاء صلدم
"شقاء": طويلة. و"الصلدم": الصلبة.
تناوله بالرمح ثم اتنى لهفخر صريعاً لليدين وللفمِ
وكان معادينا تهر كلابهمخافة جيشٍ ذي زهاء عرمرمِ
"تهر كلابه" كأنه يقول: يهر معادينا، لا كلابه. أي: يفرقنا. وإنما ضربه مثلاً.
يرى الناس منا جلد أسود سالخٍوفروة ضرغامٍ من الأسد ضيغم
"الضيغم": الشديد المضغ. يريد: يرون، منا، أمراً كريهاً. و"الفروة": أعلى الرأس. وهو الموضع الذي يقشعر من يافوخه.
وعمرو بن همام، صعقنا جبينهبشنعاء، تشفي صورة المتظلم
"صعقنا" مثل، يريد: رميناه بداهيةٍ شنعاء، فضربنا بها جبينه. يريد: لقيناه بما يكره. وأصل الصقع: الضرب على كل يابسٍ. و"الصورة": الميل، يميل بها رأسه.
النص من طبعة دار الفكر المعاصر (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع