من «الاختيارين» للأخفش الأصغر (ت ٣١٥هـ)
٥٩ وقال عتيبة بن مرداس
أحد بني كعب بن عمرو بن تميم:
قعدت لبرق، آخر الليل، ضوءهيضيء حبي المنجد، المتغورِ
يسور، ويرقى في رواءٍ غمامهركامٍ، تصداه الجنوب وتمتري
"تمتري": تستدره. يقال: ناقة مريٌّ، أي: [درور] على المسح عند الحلب.
إذا سنحت نجديةٌ برحت لهاصباً، فأدرت ودق أوطف، ممطرِ
"الوطف": كثرة شعر الحاجبين. وهو في السحاب مثلٌ. جعل السحاب ذا هدب. ويقال: رجل أوطف الحاجبين والأشفار.
كأن به بلقاء، تحمي فلوهاشميط الذنابى، ذات لون مشهرِ
أراد أنها تركض عن فلوها الخيل، وتحميه منها. فإذا فعلت ذلك تكشفت أقرابها، فبدا بلقها. فشبه ذلك بالبرق، إذا انكشف.
شموساً، أذيلت في الرباط، وحاذرتروائد خيلٍ، عن فلوٍّ، وأيصرِ
"شموس": تنزو عند الإسراج، والمس باليد، و"الأيصر": كساء فيه حشيش. يقال: جاء بأيصر يجره، إذا جاء بكساء فيه حشيش.
إذا ما استمرت في الوثاق تكشفتبلونين: من جونٍ، وريطٍ منشرِ
ألا، طرقت رحلي رقاش، ودونهاعدابٌ، وطود ذو أراكٍ، وعرعر
"العداب": مسترق الرملة.
وما هي، إن طافت بنا بعد هدأةٍ،بكاذبةٍ، للسائل، المتخبر
وما اقتربت ليلاً لنارٍ، تحسهامن القر، إلا تصلى بمجمر
أتيت ابن عباسٍ، أرجي نوالهفلم يرج معروفي، ولم يخشَ منكري
وقال لبوابيه: لا تدخلنهوسدوا خصاص البيت، من كل منظرِ
كل منفرج بين شيئين فهو "خصاص". وقوله "لا تدخلنه"، وقد ذكر اثنين، مثل قوله:
إن تزجراني، يابن عفان، أنزجر
وتسمع أصوات الخصوم، وراءه،كصوت الحمام، في القليب، المغور
فلو كنت من زهران لم تقص حاجتيولكنني مولى جميل بن معمر
أراد أنه من مضر. قال: وكان ابن عباس تزوج امرأة من زهران، يقال لها شميلة.
وما أنا، إن زاحمت مصراع بابه،بذي ضؤلةٍ، فانٍ، ولا بحزورِ
فليت قلوصي عريت، أو رحلتهاإلى حسنٍ في داره، وابن جعفرِ
إلى معشرٍ، لا يخصفون نعالهمولا يلبسون السبت، ما لم يخصر
"
السبت": جلود البقر، المدبوغة بالقرظ.
وما زلت في التسيار حتى أنختهاإلى ابن رسول الأمة، المتخير
إذا هي همت، بالخروج، يصدهاعن القصر مصراعا منيفٍٍ، مجير
تطالع أهل السوق، والباب دونهابمستفلك الذفرى، أسيل المذمر
"تطالع أهل السوق" يقول: تشرف من فوق الباب، لطول عنقها. وقوله "بمستفلك الذفرى" أي: برأس ذفراه مثل الفلكة، ليست بالغليظة. و"المذمر": ملتقى اللحيين. والتذمير: أن يدخل إنسان يده في رحم الناقة، فيعرف: أذكر هو أن أنثى، عند ولادها؟ يعني جنينها. والمذمر: الذي يفعل ذلك.
فباتت على خوفٍ، كأن بغامهاأجيج ابن ماء، في يراعٍ، مفجر
"البغام": صوت [تختلسه ولا تتمه]. و"ابن ماء": كركي. وإنما أراد رقة صوتها وذاك أعتق لها. و"اليراعة": الأجمة كلها. فأراد أن صوتها كصوت كركي، في أجمة.
فقامت تصدى في العقال، فواجهتمن الصبح ورداًن كالرداء، المحبر
فما قمت، حتى راعني ثؤباؤهاوصوت منادٍ، بالصلاة، مكبرِ
فلما عرفت اليأس منهم، وقد بدت،أيادي سبا، الحاجات، للمتذكر
"أيادي سبا": الحاجت المتفرقات. ويروى: "فلما قضيت الحاج منهم". وهي الرواية.
فزعت إلى حرف، أضر بنيهاسرى، ورواح، رحلة المتهجر
صهابية العثنون، أسأر لحمهاخداجان في عامين، بعد التعقر
أي: في عثنونها صهبة. وهو من العتق. "أسأر لحمها" أي: أبقى لحمها. "خداجان" أي: أن خدجت فلم يمخرها ولدها بأن يتم. وأبقى لحمها، ما قبل ذلك أيضاً، أن كانت عاقراً.
ترى فخذيها، تحفزان محالةًضناك البضيع، كالرتاج، المضبر
قوله "تحفزان": تستعجلان محالتها. و"المحالة": الفقرة. و"الضناك": الغليظة. و"البضيع" جمع [بضعٍ، وهو كل] فدرةٍ من لحم. فأخرجها على مثل: معن ومعين، وكلب وكليب.
وأصهب ريان العسيب، تشذرتبه خطران الفحل من كل مخطر
"أصهب": ذنب فيه صهبة. وقوله "تشذرت به" أي: رفعته ونصبته.
إذا حركته مال جئلاً، كأنهقوادم ريشٍ، من ثلاثة أنسر
تذب به، عن حالبيها، وتارةًتذب به، خلف الزميل، المؤخر
وصلباً، كسفود الحديد، حبت لهضولعٌ، كأقواس اليماني، المؤطرِ
ويروى: "حنت له". شبه الصلب، لصلابته، بسفود حديد. "حبت له": انتفخت له ضلوعه. و"المؤطر": الحاني.
ترى ظلفات الرحل شماً، تبينهابأحزم، كالتابوت، أجوف مجفرِ
"
المجفر" أصله العظيم الجفرة. والجفرة هي الوسط. و"الظلفة": الخشبة التي تشد الجديتان إليها و"الأحزم": العظيم المحزم. يقول: هي جماليةٌ.
ترى ابني ملاطيها، إذا هي أقبلت،أمرا، فبانا عن مشاش المزورِ
ويروى: "إذا هي أرقلت". و"المزور": حيث جعل زورها زوراً. "أمرا": ليسا بلاصقين. و"ابناملاط": العضد والكتف. وإذا لم يكونا متلاصقين كان أسلم لها.
وأتلع، نهاضاً، إذا ما تزيدتبه مد أثناء الجديل، الضفر
"الأتلع": المشرف. يريد: عنقها. و"النهاض": أن يصعد قدماً. و"التزيد": سيرة فوق العنق. و"مد أثناء الجديل" أي: استوفاه، ومد ماثني منه، فاضطرب.
وخدان، كالديباجتين، ومجمعٌمن الرأس، ضمر الحاجبين، مذكرُ
ترى العين منها في حجاجٍ، كأنهبقية قلت، ماؤها لم يكدر
"الحِجاج" والحَجاج، بالفتح والكسر: مستظل العين. يقول: هي صافية العين و"القلت": النقرة التي في الجبل، يجتمع فيها الماء.
تكف شبا الأنياب، عنها، بمشفرٍخريعٍ، كسبت الأحوري، المخصر
"تكف": تستر. و"شبا الأنياب": حدتها. و"خريع": تثنٍ لين. و"الأحوري": الناعم اللين. فيريد: كنعل الحضرمي الناعم.
كأن حصاد البروق، الجعد، جائلٌبذفرى عفرناةٍ، خلاف المعذرِ
"حصاد البروق": ثمره. و"البروق": بقلة، دقيقة ضعيفة،
تنبت على ساق واحد، ثمرتها سوداء. شبه ما يقطر من ذفراها، من الماء الأسود، بثمر البروق. "خلاف المعذر" يعني: موضع العذار.
إذا امتاح حد الشمس ذفراه أسهلتبأصفر، منه، قاطرٍ كل مقطر
أي: إذا كان حد الشمس كالمائح للذفرى.
هبوع، إذا ما الآل ظل كأنه،على الأرض، قبطي الملاء، المنشر
وذاب لعاب الشمس فيه، وأزرتبه قامساتٌ، من رعانٍ، وحزور
قوله "لعاب الشمس" إذا اشتدت الهاجرة، فظننت أن بين السماء والأرض شيئاً أبيض يجري، فذاك لعاب الشمس. "قامسات": غائصات. و"الحزاور": روابٍ صغار. و"الرعان": أنوف الجبال. الواحد رعنٌ.
وتصبح، عن غب السرى، وكأنهادموكٌ، من الشيزى، جرت فوق محورِ
"
الدموك": السريعة المر من كل شيء. وهو ههنا: البكرة. و"الشيزى": خشب الشيز و"المحور": الحديدة التي تدور عليها البكرة.
كأن حصا المعزاء، بين فروجها،إذا لحقتها رجلها، حذف أعسر
"حذف أعسر" أراد: أنه لا يجيء على جهته.
النص من طبعة دار الفكر المعاصر (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع