من «لباب الآداب» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
عَديُّ بن زَيْد العِبادي
لا يخرج من شعر شاعر من الجاهلية، من محكم الشعر وحكمه، وما يصلح للتمثل به مع حُسن الديباجة وصفاء الزجاجة، ما يخرج من شعر عَديّ، وكان يسكن الحيرة، ويجاور الريف، فرق شعره، وعذب منطقُه. وكان يونس النحوي إذا أُنشِد قوله في الاعتبار بذهاب القُرون وذهاب الملوك:
أَيّهَا الشامِتُ المُعَيّرُ بِالدَّهْرآَاَنْتَ المُبَرَّأ الموفُورُ
أَمْ لَدَيْكَ العَهْدُ الوثيقُ مِنَ الأيامِ أم أَنْتَ جاهِلٌ مغرورُ
أَينَ كِسرى كِسْرَى أنوشروان أم أينَ قبلهُ سابورُ
وأَخو الحَضْرِ إِذْ بَناهُ وَإذْ دِجْلَةُ تُجْبَى إِليه وَالخابُورُ
شَادَهُ مَرْمَراً وَجَلَّلَهُ كِلْساً فَلِلطَّير في ذُرَاهُ وُكُورُ
وَبَنُوا الأصفَرِ الكرامُ مُلوكُ الرُّومِ لَمْ يَبْقَ منهُم مذكورُ
وَتَفَكَّرَ رَبُّ الخَوَرْنَقِ إذ أَشرَفَ يوماً وللهَوى تفكيرُ
سَرَّهُ مُلكُهُ وكَثْرَةُ ما يحويهوالبحرُ مُعْرِضاً وَالسَّدِيرُ
فَارْعَوَى قَلْبُهُ فقال: وما غِبطَةُ حيّ إلى المماتِ يصير
ثُمَّ أَضْحَوْا كَأَنهُمْ وَرقٌ جَفَّفَأَلْوَتْ بهِ الصبا والدَّبُورُ
ثُمَّ بعد الفَلاحِ والمُلْكِ والأمَّةوارتْهُمُ هناك القُبُورُ
يقول: لو تمنيت أن أقول شعراً ما تمنيت إلاّ هذا.
ومن أمثاله السائرة:
كفى واعظاً للمرءِ أيامُ دهرِهتروحُ له بالواعظاتِ وتغتدي
عَنِ المَرْءِ لاَ تَسأَلْ وسَل عن قرينِهِفَإنَ القَرينَ بالمقارِن يَقتَدِي
وظلمُ ذوي القربى أشَدُ مَضاضةًعلى الحُرِّ من وقعِ الحُسام المهنَّدِ
وقوله في حبس النُعمان بن المُنذِر:
أَبلِغ النُّعمانِ عَنِّي مأْلكاًأَنهُ قد طال حبسي وانْتِظاري
لو بغيرِ الماءِ حَلقِي شَرِقٌكنتُ كالغَصَّانِ بالماءِ اعتِصاري
وقوله:
فَهَلْ مِنْ خَالدٍ إمَّا هلَكْنَاوهل بِالمَوْتِ يا للنَّاسِ عَارُ
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع