تجاوز إلى المحتوى

من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

ما جاء في ذكر الطير

قال الله جلّ ثناؤه: وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ

. وقال الله: وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي

»

. وقال: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ

وقال الله: أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ

. وقال: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ. أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ، وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ. تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ

. وقال الله:

وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ

ولم يذكر منطق البهائم والسباع والهمج والحشرات.

وقال الله: فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ

؛ لأنك حيثما تجد المنطق تجد الرّوح والعقل والاستطاعة.

وقالوا: الإنسان هو الحيّ الناطق. وقال الله: فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى

. وقال: أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا

، ثم قال: وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ

ولم يذكر شيئا من جميع الخلق. وقد كان الله سخّر له جميع ذلك. ثم قال: وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ

ولم يتفقد شيئا ممّا سخّر له، ولا دلّ سليمان على ملكة سبأ إلّا طائر.

وقال الله: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ

وقال الله: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ

. فلما ذكر داود قال: وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ

. وقال الله: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ

. وقال: وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ

وقالوا: «منطق الطير»، على التشبيه بمنطق الناس، ثم قالوا بعد: الصّامت والناطق، ثم قالوا بعد للدار: تنطق.

وقال الله: يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ. قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ

وقال الله: وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ

وكان عبد الله بن عبّاس يقول: ليس يعني بقوله: تُكَلِّمُهُمْ

من الكلام، وإنما هو من الكلم والجراح. وجمع الكلم كلوم، ولم يكن يجعله من المنطق، بل يجعله من الخطوط والوسم، كالكتاب والعلامة اللذين يقومان مقام الكلام والمنطق.

وقال الآخرون: لا ندع ظاهر اللفظ والعادة الدالّة في ظاهر الكلام، إلى المجازات، قالوا: فقد ذكر الله الدابّة بالمنطق، كما ذكروا في الحديث كلام الذئب لأهبان بن أوس. وقول الهدهد مسطور في الكتاب بأطول الأقاصيص، وكذلك شأن الغراب.

وقال الله: وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ

، وجعل الله مقالة النملة قرآنا، وقال: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ، وَلا طائِرٍ

يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ

. وقال في مكان آخر: وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ

. وقال: وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ

وذكر الملائكة فقال: أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ

وأنشدوا النبيّ ﷺ قول أميّة بن أبي الصّلت:

رجل وثور تحت رجل يمينهوالنّسر للأخرى وليث مرصد

فقال: «صدق».

وخلق الله لجعفر جناحين في الجنّة، عوضا من يديه المقطوعتين في سبيل الله. قالوا: ولو كانت في الأرض يد تفضل الجناح لجعلها الله بدل الجناح.

وسمّاه المسلمون «الطيّار».

ويقال: «ما هو إلا طائر»، إذا أرادوا مديح الإنسان في السّرعة. وقال الفرزدق:

جاؤوا مع الرّيح أو طاروا بأجنحةوخلّفوا في جؤاثا سيّدي مضرا

والأمم كلّها تضرب المثل بعنقاء مغرب. وقد جاء في نسر لقمان ما قد جاء من الآثار والأخبار. وقال الخزرجي:

إنّ معاذ بن مسلم رجلقد ضجّ من طول عمره الأبد
قد شاب رأس الزّمان واختضب الدّهر وأثواب عمره جدد
يا نسر لقمان كم تعيش وكمتسحب ذيل الحياة يا لبد
قد أصبحت دار آدم خربتوأنت فيها كأنّك الوتد
للشاعر سهل بن أبي غالب الخزرجي، اقرأ القصيدة
تسأل غربانها إذا حجلتكيف يكون الصّداع والرّمد
للشاعر سهل بن أبي غالب الخزرجي، اقرأ القصيدة

وقال النابغة:

أضحت خلاء وأضحى أهلها احتملواأخنى عليها الذي أخنى على لبد
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «يَا دَارَ مَيَّةَ (المعلقات)»

وقال الله: وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً

لأن ذلك الصنم كان على صورة النّسر.

وقالوا: أحرار فارس، وأحرار الرّياحين، وأحرار البقول، وأحرار الطير، وهي الأحرار، والعتاق، والكواسب، والجوارح، والمضرحيّات.

وقال الله: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الحيوان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.