من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
أسماء ما في النجوم والبروج والفرس والنّاس وغير ذلك، من أسماء الطير
مما يعدّ في الفرس من أسماء الطير»
: الفراش: وهو المنخر. والذّباب:
وهو ذباب العين. والصّلصل: وهو الدائرة في الجبهة. والعصفور: وهو الجلدة تحت الناصية والحدأة: وهو أصل الأذن. والهامة: وهو الجلدة التي فيها الدماغ والفرخ: موضع الفهقة. والنّاهضان: في المنكبين. والصّرد: عرق تحت اللسان.
والسّمامة: الدائرة في عرض العنق. والقطاة: موضع الرّدف. والغرابان: العظمان الناتئان بين الوركين؛ ويقال الغراب طرف الورك. والساق: ساق الفرس، وهو ذكر الحمام. والخطّاف: موضع الرّكاب من جنبه. والرّخمة: البضعة الناتئة في ظهر الفخذ. والأصقع: الأبيض الناصية.
وقال الله: وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ
وفي السماء النّسر الطائر، والنّسر الواقع.
وفي الأوثان القديمة وثن كان يسمّى نسرا، ويزعمون أنه كان على صورة نسر.
وقال الله: وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً
وقال: وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ. إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ. وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ
وفي أسماء الناس: غراب، وصرد. وفي أسماء النساء: فاختة وحمامة. وفي أسماء الناس: يمام ويمامة، وسمامة، وشاهين. وفي أسماء النّساء: عقاب، وقطاة، وقطيّة، ودجاجة يكون للرّجال والنساء. ويسمّون بعصفور، ونقّاز، وحجل، ويسمّون الرجال بقطاميّ، مثل أبي الشرقيّ بن القطامي الشاعر. وإذا كانت امرأة قالوا قطام مثل حذام. وقال امرؤ القيس بن حجر:
وأنا الذي عرفت معدّ فضلهونشدت حجرا ابن أمّ قطام
ويسمون بمضرحيّ. وكبار الطير هي المضرحيّة؛ وأكثر ما يستعمل ذلك في عتاق الطير وأحرارها، ويسمون بحرّ، وليس الحر من الطير إلّا العقيق. وقال الشاعر:
حرّ صنعناه لتحسن كفّهعمل الرّفيقة واستلاب الأخرق
ويسمّون صعوة وسمنانى، وسمامة، ويسمّون بجناح، ويلقّبون بمنقار، ويسمون بفرخ وفريخ، وصقر وصقير وأبي الصّقر، وطاوس وطويس. وفي الألقاب يؤيؤ وزرّق.
وفي الأسماء حيقطان وهو الدّرّاج الذّكر، ويسمّون بحذف وحذيفة، وأبي حذيفة، وفي الألقاب أبو الكراكيّ، وفي الصفات الغرانيق والغرنوق.
وقال أميّة أبي الصّلت:
فاسمع لسان الله كيف شكولهعجب وينبيك الذي تستشهد
والوحش والأنعام كيف لغاتهاوالعلم يقسم بينهم ويبدّد
وقال الله ﷿ مخبرا عن سليمان أنّه قال: يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ
. وقال الشاعر:
يا ليلة لي بحوّارين ساهرةحتّى تكلّم في الصّبح العصافير
وقال الشاعر:
وغنّت الطّير بعد عجمتهاواستوفت الخمر حولها كملا
وقال الكميت:
كالناطقات الصادقات الواسقات من الذّخائر
قال: ولكلّ جنس من أجناس الحيوان احتراف وتكسّب، وروغان من الباغي عليه، واحتيال لما أراد صيده؛ فهو يحتال لما هو دونه، ويحتال في الامتناع مما فوقه، ويختار الأماكن الحصينة ما احتملته، والاستبدال بها إذا أنكرها.
ولها منطق تتفاهم بها حاجات بعضها إلى بعض. ولا حاجة بها إلى أن يكون لها في منطقها فضل لا تحتاج إلى استعماله. وكذلك معانيها في مقادير حاجاتها.
وقيل لرجل من الحكماء: متى عقلت؟ قال: ساعة ولدت. فلما رأى إنكارهم لكلامه قال: أمّا أنا فقد بكيت حين خفت، وطلبت الأكل حين جعت، وطلبت الثّدى حين احتجت، وسكتّ حين أعطيت. يقول هذه مقادير حاجاتي، ومن عرف مقادير حاجاته إذا منعها، وإذا أعطيها، فلا حاجة به في ذلك الوقت إلى أكثر من ذلك العقل. ولذلك قال الأعرابيّ:
سقى الله أرضا يعلم الضّبّ أنّهابعيد من الآفات طيبة البقل
بني بيته منها على رأس كديةوكلّ امرئ في حرفة العيش ذو عقل
فإن قال قائل: ليس هذا بمنطق، قيل له: أما القرآن فقد نطق بأنّه منطق، والأشعار قد جعلته منطقا، وكذلك كلام العرب، فإن كنت إنما أخرجته من حدّ البيان، وزعمت أنّه ليس بمنطق لأنك لم تفهم عنه، فأنت أيضا لا تفهم كلام عامّة الأمم؛ وأنت إن سمّيت كلامهم رطانة وطمطمة فإنّك لا تمتنع من أن تزعم أنّ ذلك كلامهم ومنطقهم، وعامّة الأمم أيضا لا يفهمون كلامك ومنطقك، فجائز لهم أن يخرجوا كلامك من البيان والمنطق. وهل صار ذلك الكلام منهم بيانا ومنطقا إلّا لتفاهمهم حاجة بعضهم إلى بعض، ولأنّ ذلك كان صوتا مؤلّفا خرج من لسان وفم، فهلّا كانت أصوات أجناس الطير والوحش والبهائم بيانا ومنطقا إذ قد علمت أنّها مقطعة مصوّرة، ومؤلّفة منظمة، وبها تفاهموا الحاجات، وخرجت من فم ولسان، فإن كنت لا تفهم من ذلك إلّا البعض، فكذلك تلك الأجناس لا تفهم من كلامك إلّا البعض.
وتلك الأقدار من الأصوات المؤلّفة هي نهاية حاجاتها والبيان عنها، وكذلك أصواتك المؤلّفة هي نهاية حاجاتك وبيانك عنها. وعلى أنّك قد تعلّم الطّير الأصوات فتتعلّم، وكذلك يعلّم الإنسان الكلام فيتكلّم، كتعليم الصبيّ والأعجميّ. والفرق
بين الإنسان والطير أنّ ذلك المعنى معنّى يسمّى منطقا وكلاما على التشبيه بالنّاس، وعلى السبب الذي يجري، والنّاس ذلك لهم على كلّ حال.
وكذلك قال الشاعر الذي وصفها بالعقل، وإنما قال ذلك على التّشبيه، فليس للشاعر إطلاق هذا الكلام لها، وليس لك أن تمنعها ذلك من كلّ جهة وفي كلّ حال.
فافهم فهّمك الله، فإنّ الله قد أمرك بالتفكّر والاعتبار، وبالتعرّف والاتّعاظ.
وقد قال الله ﷿ مخبرا عن سليمان: يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ
نجعل ذلك منطقا، وخصّ الله سليمان بأن فهّمه معاني ذلك المنطق، وأقامه فيه مقام الطّير؛ وكذلك لو قال علّمنا منطق البهائم والسّباع، لكان ذلك آية وعلامة.
وقد علّم الله إسماعيل منطق العرب بعد أن كان ابن أربع عشرة سنة، فلما كان ذلك على غير التلقين والتأديب والاعتياد والترتيب والمنشأ، صار ذلك برهانا ودلالة وأعجوبة وآية.
وقال ابن عبّاس- وذكر عمر بن الخطاب فقال-: «كان كالطائر الحذر»؛ فشبّه عزم عمر وتخوّفه من الخطأ، وحذره من الخدع بالطائر.
وقال ابن مقبل:
فلا أقوم على المولى فأشتمهولا يخرّقه نابي ولا ظفري
ولا تهيّبني الموماة أركبهاإذا تجاوبت الأصداء بالسّحر
فجعلها تتجاوب. وقال الطرمّاح بن حكيم- وذكر تجاوب الدّيكة كما ذكر ابن مقبل تجاوب الأصداء- فقال:
فيا صبح كمّش غبّر اللّيل مصعداببمّ ونبّه ذا العفاء الموشّح
إذا صاح لم يخذل وجاوب صوتهحماش الشّوى يصدحن من كلّ مصدح
وحدّث أبو عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء قال: خطب ابن الزبير خطبة فاعترض له رجل فآذاه بكلمة، ثم طأطأ الرّجل رأسه، فقال ابن الزّبير: أين المتكلم؟ فلم يجبه فقال: «قاتله الله، ضبح ضبحة الثّعلب وقبع قبعة القنفذ». وقال ابن مقبل:
ولا أتبع الجارات باللّيل قابعاقبوع القرنبى أخلفته مجاعره
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع