تجاوز إلى المحتوى

من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

باب ما جاء في الشعر من إحساس الطّير وغير ذلك من الحيوان

قال أبو عبيدة: تسلح الحبارى على الصّقر، وذلك من أحدّ سلاحها، وهي تعلم أنّها تدبّق جناحيه وتكتفه، حتى تجتمع عليه الحباريات فينتفن ريشه طاقة طاقة، فيموت الصّقر.

والحبارى إذا تحسّرت فأبطأ نبت ريشها، وهي لا تنهض بالشّكير، فربّما طار صويحباتها إذا تقدّم نبت ريشها قيل نبت ريش تلك الحبارى، فعند ذلك تكمد حزنا حتى تموت كمدا؛ ولذلك قال أبو الأسود الدّؤليّ»

وزيد ميّت كمد الحبارىإذا ظعنت مليحة أو تلمّ

وليس في الطّير أسرع طيرانا منها، لأنها تصاد عندنا بظهر البصرة، فيوجد في حواصلها حبّة الخضراء غضّة طريّة، وبينها وبين مواضع ذلك الحبّ بلاد وبلاد.

ولذلك قال بشر بن مروان، في قتل عبد الملك عمرو بن سعيد:

كأنّ بني مروان إذ يقتلونهبغاث من الطّير اجتمعن على صقر

وبغاث الطّير ضعاف الطير وسفلتها من العظام الأبدان، والخشاش مثل ذلك إلا أنها من صغار الطّير، وأنشد أبو عبيدة قول الشاعر:

سألت النّاس عن أنس فقالوابأندلس وأندلس بعيد
كأنّي بعد سكن مضرحيّأصاب جناحه عنت شديد
فقد طمعت عتاق الطّير فيهوكانت عن عقيرته تحيد

وقال الذّكوانيّ:

بغاث الطّير تعرف قانصيهاوكلّ مكبّد منها لهيد

يقول: لكلّ جنس من الجوارح ضرب من الصيد، وضرب من الطلب، فالمصيد منها يعرف ذلك، فيجعل المهرب من الآخر، ثم ذلك أنها تعرف الصائد المعتلّ من الصحيح. وهو معنى الخريمي حيث يقول:

ويعلم ما يأتي وإن كان طائراويعلم أقدار الجوارح والبغث
للشاعر الخُرَيْمي، اقرأ القصيدة

وقوله البغث يريد به جمع أبغث، وقال الأوّل:

بغاث الطّير أكثرها فروخاوأمّ الباز مقلات نزور

وأنشدني ابن يسير:

وبالجدّ طورا ثم بالجدّ تارةكذاك جميع الناس في الجدّ والطّلب

والجدّ مفتوح الجيم. يقول: الطير كالناس، فمرّة تصيد بالحظّ وبما يتفق لها، ومرّة بالحيلة والطّلب. وقال بشّار بن برد:

وبجدّه يتقلّب العصفور

قال: وقال زاهر لصبيانه: «يرزقكم الذي يرزق عصافير الدوّ». وقال صالح المرّيّ: «تغدو الطّير خماصا وتروح شباعا، واثقة بأنّ لها في كلّ غدوة رزقا لا يفوتها. والذي نفسي بيده أن لو غدوتم على أسواقكم على مثل إخلاصها، لرحتم وبطونكم أبطن من بطون الحوامل».

وقال أعشى همدان:

قالت تعاتبني عرسي وتسألنيأين الدّراهم عنّا والدّنانير
للشاعر أعشى همدان، اقرأ القصيدة
فقلت أنفقتها والله يخلفهاوالدّهر ذو مرّة عسر وميسور
للشاعر أعشى همدان، اقرأ القصيدة
إن يرزق الله أعدائي فقد رزقتمن قبلهم في مراعيها الخنازير
للشاعر أعشى همدان، اقرأ القصيدة
قالت: فرزقك رزق غير متّسعوما لديك من الخبرات قطمير
وقد رضيت بأن تحيا على رمقيوما فيوما، كما تحيا العصافير
للشاعر أعشى همدان، اقرأ القصيدة

وإنما خصّ العصافير بقلّة الرّزق، لأنها لا تتباعد في طلب الطعم؛ وإلا فإنّ السّباع ووحش الطّير كلّها تغدو خماصا وتروح بطانا.

وقال لبيد:

فإن تسألينا فيم نحن فإنّناعصافير من هذا الأنام المسحّر
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «أعاذل قومي فاعذلي الآن أو ذري»

وقال:

عصافير وذبّان ودودوأجرأ من مجلّحة الذئاب
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أرانا موضعين لأمر غيب»

ولولا أنّ تفسير هذا قد مرّ في باب القول في العصافير في كتاب الحيوان لقلنا في ذلك.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الحيوان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.