تجاوز إلى المحتوى

من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

باب ذكر اختلاف طبائع الحيوان وما يعتريها من الأخلاق

الذئب لا يطمع فيه صاحبه، فإذا دمي وثب عليه صاحبه فأكله، وإذا عضّ الذّئب شاة فأفلتت منه بضرب من الضروب، فإنّ عادة الغنم إذا وجدت ريح الدّم أن تشمّ موضع أنياب الذئب، وليس عندها عند ذلك إلّا أن ينضمّ بعضها إلى بعض؛ ولذلك قال جرير لعمر بن لجأ التّيميّ:

فلا يضغمنّ اللّيث تيما بغرّةوتيم يشمّون الفريس المنيّبا

فذكر أنّهم كالغنم في العجز والجبن. وإذا دمي الحمار ألقى نفسه إلى الأرض وامتنع ممن يريده بالعضّ وبكلّ ما قدر عليه، غير أنه لا ينهض ولا يبرح مكانه. وإذا أصاب الأسد خدش أو شحطة بعد أن يدمى مكانه فإنّ ذبّان الأسد تلحّ عليه، ولا تقلع عنه أبدا حتى تقتله.

وللأسود ذبّان على حدة، وكذلك الكلاب، وكذلك الحمير، وكذلك الإبل، وكذلك الناس.

وإذا دمي الإنسان وشمّ الذئب منه ريح الدّم فما أقلّ من ينجو منه؛ وإن كان أشدّ الناس بدنا وقلبا، وأتمّهم سلاحا، وأثقفهم ثقافة.

وإذا دمي الببر استكلب فخافه كلّ شيء كان يسالمه من كبار السّباع كالأسود والنّمور، والببر على خلاف جميع ما حكينا.

وإذا أصاب الحية خدش فإنّ الذرّ يطالبه أشدّ الطلب، فلا يكاد ينجو، ولا يعرف ذلك إلا في الفرط.

وإذا عضّ الإنسان الكلب الكلب فإنّ الفأر يطالبه ليبول عليه، وفيه هلكته، فهو يحتال له بكلّ حيلة.

وربما أغدّ البعير فلا يعرف ذلك الجمّال حتى يرى الذّبّان يطالبه.

وإذا وضعت الذّئبة جروها فإنه يكون حينئذ ملتزق الأعضاء أمعط كأنه قطعة لحم، وتعلم الذّئبة أنّ الذرّ يطالبه، فلا تزال رافعة له بيديها، ومحوّلة له من مكان إلى مكان، حتى تفرج الأعضاء، ويشتدّ اللحم.

وإذا وضعت الهرّة جروها فإن طرحوا لها لحما من ساعتها أو روبة أو بعض ما يشبه ذلك فأكلته، لم تكد تأكل أجراءها، لأنّ الهرة يعتريها عند ذلك جوع وجنون وخفّة.

والأجناس التي تحدث لها قوّة على غير سبب يعرف في تقدير الرأي منها الذّئب الضعيف الواثب على الذّئب القويّ إذا رأى عليه دما، والهرّة إذا سفدها الهرّ، فإنها عند ذلك تشدّ عليه وهي واثقة باستخذائه لها، وفضل قوّتها عليه، والجرذ إذا خصي فإنّه يأكل الجرذان أكلا ذريعا ولا يقوم له شيء منها.

فأمّا الفيل والكركدّن والجمل، عند الاغتلام وطلب الضّراب، فإنها وإن تركت الشّرب والأكل الأيّام الكثيرة فإنّه لا يقوم لشيء منها شيء من ذلك الجنس وإن كان قويّا شابا آكلا شاربا.

وأمّا الغيران والغضبان والسّكران والمعاين للحرب، فهم يختلفون في ذلك على علل قد ذكرناها في القول في فضيلة الملك على الإنسان. والإنسان على الجانّ. فإن أردته فالتمسه هناك. فإنّ إعادة الأحاديث الطوال والكلام الكثير مما يهجر في السّماع، ويهجّن الكتب.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الحيوان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.