تجاوز إلى المحتوى

من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

باب ما يستدل به في شأن الحيوان على حسن صنع الله

وإحكام تدبيره، وأن الأمور موزونة مقدرة. قالوا: الأشياء البيّاضة طائر، ومشترك، وذو أربع، ومنساح. فمنها ما يبيض في صدوع الصّخر وأعالي الهضاب.

ومنها ما يعيش في الجحرة كسائر الحيات.

وأما الدّسّاس منها فإنّها تلد ولا تبيض، وهي لا ترضع ولا تلقم، والخفّاش تلد ولا تبيض وترضع، وهذا مختلف.

والدّجاج والحجل والقطا وأشباه ذلك من الدّراريج وغيرها أفاحيصها في الأرض.

والحمام منها طورانّي جبليّ، ومنها ألوف أهليّ. فالجبليّ تبيض في أو كار لها في عرض مقاطع الجبال، والأهليّ منها يبيض في البيوت. والعصافير بيوتها في أصول أجذاع السّقف. والخطاطيف تتّخذ بيوتها، في باطن السقف في أوثق ذلك وأمنعه.

والرّخم لا ترضى من الجبال إلا بالوحشيّ منها، ومن البعيد في أسحقها وأبعدها عن مواضع أعدائها، ثم من الجبال إلّا في رؤوس هضابها، ثم من الهضاب إلا في صدوع صخورها. ولذلك يضرب بامتناع بيضها المثل.

وأما الرّقّ والضّفدع والسّلحفاة والتمساح، وهذه الدوابّ المائية، فإنها تبيض في الأرض وتحضن. وأمّا السّراطين فإنّ لها بيوتا في عرض شطوط الأنهار والسّواقي، تمتلئ مرة ماء وتخلو مرة.

ومن الحيوان ما لا يجثم، كالضبّة فإنها لا تجثم على بيضها، ولكن تغطّيها بالتراب وتنتظر أيّام انصداعها.

فإذا كان مواضع الفراخ والبيض من القطا وأشباه القطا فهو أفحوصة، وإذا كان من الطير الذي يهيئ ذلك المجثم من العيدان والرّيش والحشيش فهو عشّ، وإذا كان من الظّليم فهو أدحيّ. ذكر ذلك أبو عبيدة والأصمعي. وكلّها وكور ووكون، ووكنات ووكرات.

فالذي يبيض الكثير من البيض الذي لا يجوزه شيء في الكثرة السّمك، ثم الجراد، ثم العقارب، ثم الضّبة، لأن السّمك لا تزقّ ولا تلقم ولا تلحم ولا تحضن ولا ترضع، فحين كانت كذلك كثّر الله تعالى ذرءها وعدد نسلها، فكان ذلك على خلاف شأن الحمام الذي يزاوج أصناف الحمام ومثل العصافير والنّعام، فإنها لا تزاوج.

فأما الحمام فلما جعله الله يزق ويحضن، ويحتاج إلى ما يغتذيه ويغذو به ولده، ويحتاج إلى الزّق، وهو ضرب من القيء، وفيه عليها وهن وشدّة، ولذلك لا يزجل إذا كان زاقّا. فلما أن كان كذلك لم يحمل عليها أكثر من فرخين وبيضتين.

ولما كانت الدّجاجة تحضن ولا تزقّ، وهي تأكل الحبّ وكلّ ما دبّ ودرج، زاد الله في بيضها، وعدد فراريجها، ولم يجعل ذلك في عدد أولاد السّمك والعقارب والضّباب التي لا تحضن البتة ولا تزقّ ولا تلقم.

ولما جعل الله أولاد الضبّ لها معاشا، زاد في عدد بيضها وفراخها، وصار ما يسلم كثيرا غير متجاوز للقدر.

وكذلك الظّليم، لما كان لا يزق ولا يحضن اتسع عليه مطلب الرّزق من الحبوب وأصول الشّجر.

وجعلها تبيض ثلاثين بيضة وأكثر. وقال ذو الرمة:

أذاك أم خاضب بالسّيّ مرتعهأبو ثلاثين أمسى فهو منقلب
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ما بال عينك منها الماء ينسكب»

وبيضها كبار، وليس في طاقتها أن تشتمل وتجثم إلّا على القليل منها.

وكذلك الحيّة تضع ثلاثين بيضة، ولها ثلاثون ضلعا، وبيضها وأضلاعها عدد أيام الشّهر، ولذلك قويت أصلابها لكثرة عدد الأضلاع، وحمل عليها في الحضن بعض الحمل إذ كانت لا ترضع.

والطائر الذي يلقم فرخه يكون أقوى من الطائر الزاقّ، وكذلك من البهائم المرضعة.

ولما كانت العصافير تصيد الجراد والنمل والأرضة إذا طارت، وتأكل الحبّ واللّحم، وكانت مع هذا تلقم، لم تكثّر من البيض كتكثير الدجاج ولم تقلّلل كتقليل الحمام.

وللعصافير فيها زواج، وكذلك النّعام، وليس في شيء من ذوات الأربع زواج، وإنما الزّواج في اللاتي تمشي على رجلين، كالإنسان والطّير والنّعام، وليس هو في الطير بالعامّ، وهو في الحمام وأصناف الحمام من هذه المغنيات والنوائح عامّ. وسبيل الحجل والقبج سبيل الدّيكة والدّجاج.

والدّجاجة تمكن كلّ ديك، والدّيك يثب على كلّ دجاجة. وربّما غبر الحمام الذّكر حياته كلّها لا يقمط غير أنثاه، وكذلك الأنثى لا تدعو إلا زوجها، وربّما أمكنت غيره، وفي الحمام في هذا الباب من الاختلاف ما في النساء والرجال.

فأما الشّفنين فإنّه لا يقمط غير أنثاه، وإن هلكت الأنثى لم يزاوج أبدا، وكذلك الأنثى للذكر.

فأمّا العلة في وضع القطا بيضها أفرادا، وخروج البضة من جهة أوسع الرّأسين، واستدارة بيض الرّقّ، واستطالة بيض الحيات، وما يكون منها أرقط وأخضر وأصفر وأبيض وأكدر وأسود، فإنّي لم أرض لهم في ذلك جوابا فأحكيه لك.

قالوا: وإنما يعظم البيض على قدر جثّة البيّاضة. وبيض الأبكار أصغر. فأمّا كثرة العدد فقالوا إنه كلما كان أكثر سفادا كان أكثر عددا. وليس الأمر كذلك، لأنّ العصفور أكثر سفادا من أجناس كثيرة هي أقلّ بيضا منه.

والجراد والسّمك لا حضن ولا زقّ ولا رضاع ولا تلقيم عليهن، فحين جعل الفراخ كثيرة العدد، وكانت الأمّهات والآباء عاجزة عنها، لم يجعلها محتاجة إلى الأمّهات والآباء.

فتفهّم هذا التدبير اللطيف، والحكمة البالغة.

قالوا: والأقلّ في ذلك البازي، والأكثر في ذلك الذّرّ والسّمك.

قال الشاعر:

بغاث الطّير أكثرها فروخاوأمّ الباز مقلات نزور

وقال صاحب المنطق: نسل الأسد أقلّ لأنه يجرح الرحم فيعقم، قالوا: والفيلة تضع في سبع سنين، وأقلّ الخلق عددا وذرءا الكركدّن، لأنّ الأنثى تكون نزورا، وأيام حملها كثيرة جدّا، وهي من الحيوان الذي لا يلد إلّا واحدا، وكذلك عظام الحيوان. وهي مع ذلك تأكل أولادها، ولا يكاد يسلم منها إلّا القليل، لأنّ الولد يخرج سويّا نابت الأسنان والقرن، شديد الحافر.

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله، وصلى الله على سيدنا محمد خاصّة وعلى أنبيائه عامّة، ونسأله التأييد والعصمة، ونعوذ به من كلّ سبب جانب الطّاعة، ودعا إلى المعصية، إنه قريب مجيب، فعّال لما يريد.

قد قلنا في أول هذا الجزء، وهو الجزء السابع، من القول في الحيوان في أحساس أجناسها المجعولة فيها، وفي معارفها المطبوعة عليها، وفي أعاجيب ما ركّبت عليه من الدّفع عن أنفسها، والتقدّم فيما يحييها وفي تحسّسها عواقب أمورها وكلّ ما خوّفت من حوادث المكروه عليها بقدر ما ينوبها من الآفات، ويعتريها من الحادثات وأنّها تدرك ذلك بالطّبع من غير رويّة، وبحسّ النّفس من غير فكرة، ليعتبر معتبر، ويفكر مفكّر، ولينفي عن نفسه العجب، ويعرف مقداره من العجز، ونهاية قوّته، ومبلغ نفاذ بصره، وأنه مخلوق مدبّر ومصرّف وميسّر، وأنّ الأعجم من أجناس الحيوان، والأخرس من تلك الأشكال، يبلغ في تدبير معيشته، ومصلحة شأنه، وفي

كلّ ما هو بسبيله، ما لا يبلغه ذو الرّويّة التامّة، والمنطق البليغ، وأنّ منها ما يكون ألطف مدخلا، وأدقّ مسلكا، وأصنع كفّا، وأجود حنجرة، وأطبع على الأصوات الموزونة، وأقوم في حفظ ما يعيشه طريقة، إلّا أنّ ذلك منها مفرّق غير مجموع، ومنقطع غير منظوم.

والإنسان ذو العقل والاستطاعة، والتصرّف والرويّة، إذا علم علما غامضا، وأدرك معنى خفيا، لم يكد يمتنع عليه ما دونه إذا قاس بعض أمره على بعض.

وأجناس الحيوان قد يعلّم بعضها علما، ويصنع بكفّه صنعة يفوق بها الناس، ولا يهتدي إلى ما هو دون ذلك بطبع ولا رويّة، وعلى أنّ الذي عجز عنه في تقدير العقول دون الذي قدر عليه.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الحيوان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.