من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
ما جاء في الفيلة
وأنا ذاكر إن شاء الله، ما جاء في الفيلة من عجيب التركيب، وغريب التأليف، والمعارف الصّحيحة، والأحساس اللطيفة، وفي قبولها التّثقيف والتّأديب، وسرعتها إلى التلقين والتّقويم، وما في أبدانها من الأعضاء الكريمة، والأجزاء الشريفة، وكم مقدار منافعها، ومبلغ مضارّها، وبكم فضلت أجناس الحيوان، وفاقت تلك الأجناس.
وما جعل الله تعالى فيها من الآيات والبرهانات، والعلامات النيّرات، التي جلاها لعيون خلقه وعرّف بينها وبين عقول عباده، وقيّدها عليهم، وحفظها لهم ليكثّر لهم من الأدلة، ويزيدهم في وضوح الحجّة، ويسخّرهم لتمام النّعمة، والذي ذكرها الله به في الكتاب الناطق، والخبر الصادق، وما في الآثار المعروفة، والأمثال المضروبة، والتجارب الصحيحة.
وما قالت فيها الشعراء، ونطقت به الخطباء، وميّزته العلماء، وعجّبت منه الحكماء، وحالها عند الملوك وموضع نفعها في الحروب، ومهابتها في العيون، وجلالتها في الصّدور، وفي طول أعمارها، وقوّة أبدانها، وفي اعتزامها وتصميمها، وأحقادها، وشدّة اكتراثها، وطلبها بطوائلها، وارتفاعها عن ملك السّقّاط والحشوة، وعن اقتناء الأنذال والسّفلة، وعن ارتخاصها في الثمن وارتباطها على الخسف، وابتذالها وإذالتها، وعن امتناع طبائعها، وتمنّع غرائزها أن تصلح أبدانها، وتنبت أنيابها، وتعظم جوارحها، وتتسافد وتتلاقح إلّا في معادنها وبلادها، وفي منابتها ومغارس أعراقها، مع التماس الملوك ذلك منها، حتى أعجزت الحيل، وخرجت من حدّ الطّمع.
وعن الإخبار عن حملها ووضعها، ومواضع أعضائها، والذي خالفت فيه الأشكال الأربعة التي تحيط بالجميع مما ينساح أو يعوم، أو يمشي أو يطير، وجميع ما ينتقل عن أوّليّة خلقه، وما يبقى على الطّبائع الأول من صورته وعمّا يتنازعه من شبه الحيوان، أو ما يخالف فيه جميع الحيوان، وعن القول في شدّة قلبه وأسره، وفي جرأته، على ما هو أعظم بدنا وأشدّ كلبا، وأحدّ أظفارا، وأذرب أنيابا، وهربه ممّا هو أصغر منه جرما وأكلّ حدّا، وأضعف أسرا، وأخمل ذكرا.
وعن الإخبار عن خصاله المذمومة، وأموره المحمودة وعن القول في لونه وجلده وشعره، ولحمه وشحمه وعظمه، وبوله ونجوه، وعن لسانه وفمه، وعن أذنه وعينه، وعن خرطومه وغرموله، وعن مقاتله وموضع سلاحه، وعن أدوائه ودوائه، وعن القول في أنيابه وسائر أسنانه، وسائر عظامه، وفرق ما بين عظامه وعظام غيره، وعن مواضع عجزه وقوّته، والقول في ألبانها وضروعها، وعدد أخلافها وأماكن ذلك منها، وعن سياحتها ومشيها وحضرها وسرعتها، وخفّة وطئها ولين ظهورها، وإلذاذ راكبها، وعن ثبات خفّها في الوحل والرّمل، وفي الحدر والصّعداء، وعن أمن راكبها من العثار.
وكيف حالها عند اهتياجها واغتلامها، وعن سكونها وانقضاء هيجانها عند حملها، وعن طربها وطاعتها لسوّاسها، وفهمها لما يراد منها، وكيف حدّة نظرها والفهم الذي يرى في طرفها، مع الوقار والنّبل، والإطراق والسّكون، ولم اجتمعت الملوك عربها وعجمها وأحمرها وأسودها على اقتنائها والتزيّن بها، والفخر بكثرة ما تهيّأ لهم منها، حتى صارت عندهم من أكرم الهدايا، وأشرف الألطاف، وحتى صار اتخاذها مروءة وعتادا وعدّة، ودليلا على أنّ مقتنيها صاحب حرب.
وفي تفضيل خصال الفيل على خصال البعير، وفي أيّ مكان يكون أنفع في الحرب من الفرس، وأصبر عند القتال من النّمر، وأقتل للأسد من الجاموس، وأكلب من الببر إذا تعرّم، وأشدّ من الكر كدّن إذا اغتلم، حتى لا يبلغه مقدار ما يكون من تماسيح الخلجان، وخيل النّيل، وعقبان الهواء، وأسد الغياض.
وقد جمع هاورن مولى الأزد الذي كان يردّ على الكميت ويفخر بقحطان،
وكان شاعر أهل المولتان، ولا أعرف من شأنه أكثر من اسمه وصناعته. وقد قال في صفات الفيل أشعارا كثيرة، ذكر فيها كثيرا ممّا قدّمنا ذكره، فمن ذلك قوله:
أليس عجيبا بأن خلقةله فطن الإنس في جرم فيل
وأنشدني هذا البيت صفوان بن صفوان الأنصاريّ، وكان من رواة داود بن مزيد:
«أليس عجيبا بأن خلقةله فطن الإنس في جرم فيل»
وأظرف من قشّة زولةبحلم يجلّ عن الخنشليل
وأوقص مختلف خلقهطويل النّيوب قصير النّصيل
ويلقى العدوّ بناب عظيموجوف رحيب وصوت ضئيل
وأشبه شيء إذا قستهبخنزير برّ وجاموس غيل
تنازعه كلّ ذي أربعفما في الأنام له من عديل
ويخضع للّيث ليث العرينبأن ناسب الهرّ، من رأس ميل
ويعصف بالببر بعد النّموركما تعصف الرّيح بالعندبيل
وشخص ترى يده أنفهفإن وصلوه بسيف صقيل
وأقبل كالطّود هادي الخميسبهول شديد أمام الرّعيل
ومرّ يسيل كسيل الأتيّبخطو خفيف وجرم ثقيل
فإن شمته زاد في هولهشناعة أذنين في رأس غول
وقد كنت أعددت هرّا لهقليل التهيّب للزّندبيل
فلما أحسّ به في العجاحأتانا الإله بفتح جميل
فطار وراغم فيّالهبقلب نجيب وجسم نبيل
فسبحان خالقه وحدهإله الأنام وربّ الفيول
وذكر صفوان بن صفوان أنّ هارون هذا خبّأ معه هرّا تحت حضنه، ومشى بسيفه إلى الفيل، وفي خرطومه السّيف، والفيالون يذمرونه، فلما دنا منه رمى بالهرّ في وجهه، فأدبر هاربا، وتساقط كلّ من كان فوقه، وكبّر المسلمون، وكان ذلك سبب الهزيمة.
وسنذكر الهرّ في هذا الشّعر كما كتبته لك.
وأمّا قوله:
بحلم يجلّ عن الخنشليل
فقد قال الأنصاريّ في صفة النّخل:
تليص العشاء بأذنابهاوفي مدر الأرض عنها فضول
ويشبعها المصّ مصّ الثّرىإذا جاعت الشّاة والخنشليل»
وهذا غير قوله:
قد علمت جارية عطبولأنّي بنصل السيف خنشليل
وأما العندبيل فهو طائر صغير جدّا، ولذلك قال الشاعر:
وما كان يوم الرّيح أوّل طائريروح كروح العندبيل إلى الوكر
لأنّ الرّيح تعصف به من صغره، فهو يعرف ذلك من نفسه، فإذا قويت الرّيح دخل جحره، ويقولون عندليب وعندبيل وكلّ صواب، ولذلك قال هارون:
ويعصف بالببر بعد النموركما تعصف الرّيح بالعندبيل
وسنخبر عن تقرير ما في هذه القصيدة مفرّقا، إذ لم نقدر عليه مجموعا متّصلا، ولو أمكن ذلك لكان أحسن للكتاب، وأصحّ لمعناه، وأفهم لمن قرأه.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع