تجاوز إلى المحتوى

من «الجامع الكبير» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)

الضرب الثاني من القسم الثاني وهو (المسخ)

وذلك عيب في الكلام فاحش، فما جاء منه قول الشريف الرضي:

أحن إلى ما تضمَن الخُمرْ والحُليوأصدِف عما في ضمان المآزر

وقال المتنبي:

أني على شغفي بما في خُمْرهالأعفُّ عما في سراويلاتها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

ألا ترى إلى هذا المسخ ما أقبحه، وذلك لو تأخر زمان المتنبي عن زمان الشريف الرضي. وبمثل ذلك يعرف التفاضل بين الشاعرين، وبين الكلامين؛ فقول الشريف على ما تراه من اللطافة والحسن، وقول أبي الطيب على ما تراه من الرداءة والقبح، قال تعالى: (وفوق كلّ ذي علم عليم) وأعلم أن ما كان من هذا الباب على سبيل (المسخ) فإنه كان على نحو من قول أبي الطيب، وفيما أشرنا إليه كفاية للمتأمل.

وهذا النوع خاتمة الأنواع من باب الصناعة المعنوية، وذلك مبلغ ما عرفناه من علم البيان، فيما يختص بالمعاني. إلا أني رأيت أبا محمد عبد الله بن سنان الخفاجي قد ذكر في كتابه نوعاً آخر فقال: (لا يستعمل في الشعر المنظوم والكلام المنثور ألفاظ المتكلمين والنحويين والمهندسين ومعانيهم، والألفاظ التي تختص بها بعض المهن والعلوم، لأن الإنسان إذا خاص في علم وتكلم في صناعة وجب عليه أن يستعمل ألفاظ ذلك العلم. و (كلام) أصحاب تلك الصناعة)، ثم مثل ذلك بقول

أبي تمام:

مودةٌ ذهَبٌ أثمارها شَبَهٌوهمَّةٌ جوهرٌ معروفُها عَرَض

وبقوله أيضاً:

خرقاء يلعب بالعقول حَبابهاكتلعُّب الأفعال بالأسماء
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قدك اتئب أربيت في الغلواء»

هذا ما ذكره الخفاجي في كتابه. ولنا عليه اعتراض وهو أنا نقول له: ما الموجب لجعلك هذا القسم مما يرفض ولا يستعمل؟ وما السبب في اجتنابه؟ فإن قال: إني إنما أنكرت استعماله وآثرت تركه واجتنابه، لأنه غير مفهوم. قلنا له في الجواب:

لا يخلو الأمر من هذا من حالين: إما إنه غير مفهوم للعامة أو للخاصة. فإن كان غير مفهوم للعامة فقط، فليس جهل العامة بهذا النوع من الكلام داعياً إلى اجتنابه. ولو كان فهم العامة معتبراً في اختيار الكلام لكان ما تبتذله من ألفاظها مقدماً على غيره في الاختيار (لأنهم)

إلى فهمه أقرب من فهم غيره، وذلك شيء مدفوع لا يذهب إليه أحد البتة. وإنْ قال: إن هذا النوع غير مفهوم للخاصة، قلنا له: فأنت أيها الشيخ الإمام قد فهمته وعرفته، ولولا فهمك له ومعرفتك به (لما أنكرته) وإلا فكيف كنت تنكره وتبعث على اجتنابه؟ وهذا يدل على أنك لست من العامة ولا من الخاصة؛ لأنك قد فهمت ما لا يفهمه الفريقان، وذلك من أعجب الأشياء.

فإن قال: إني ما أنكرت هذا النوع إلا لأن صناعة التأليف من المنظوم والمنثور لا تستعمل فيها ما ليس من جنسها، قلت له في الجواب: يبطل عليك ذلك باستعمال الفقه من الأحكام السلطانية في المكاتبات، واستعمال الحساب مما يحتاج إليه في الكتابة إلى العمال وأرباب الخراج، واستعمال النجوم في كبس سني الخراج بعضها على بعض، فيكون لما أنكرته أيها الشيخ الإمام من استعمال تلك العلوم أسوة بالفقه والحساب والنجوم. ثم ماذا تنكر من شيء يدل على فضل صاحبه وغزارة علمه؟ أليس من الواجب في صناعة التأليف أن الناظم والناثر ينبغي له أن

يستعمل في كل معنى يقصده، ما يليق به وينخرط في سلكه؛ فإن كان ذلك المعنى يحتاج إلى النحو استعمل فيه النحو، وإن كان شيئاً يحتاج إلى الحساب استعمل فيه الحساب، وكذلك باقي العلوم. فإذا أخذ المؤلف معنى يحتاج فيه إلى ذكر أحد هذه العلوم المذكورة ولم يذكره، كان ذلك المعنى ناقصاً عما يحتاج اليه، وهذا ليس بخافٍ على اللبيب المنصف، فاعرفه.

النص من طبعة مطبعة المجمع العلمي (١٣٧٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الجامع الكبير»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.