تجاوز إلى المحتوى

من «الجامع الكبير» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)

الأول: (السلخ)

ولا عيب فيه لأحد من أرباب التأليف (فليس للمؤلف) غنى عن تناول المعاني ممن تقدمه. ولكن يجب عليه أنه إذا أخذها أن

يكسوها ألفاظاً جميلة ويخرجها في معرض أنيق وصورة حسنة، ويزيد في بداعة تركيبها وجودة تأليفها، فانه إذا فعل ذلك صار أولى بها ممن تقدمه، وأحق بها ممن سبقه إليها. قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله

وجهة: (لولا أن الكلام يعاد لنفد).

واعلم أن المعاني مشتركة بين أرباب هذه الصناعة وإنما يتفاضلون في تركيبها واختلاف صورها، وقد قيل: (إن أبا عذر الكلام من سبك لفظه على معناه). والمعنى الجيد جيد وإن كان مسبوقاً إليه، وقد أطبق المتقدمون والمتأخرون على تداول المعاني بينهم، وليس على أحد منهم عيب في ذلك إلا إذا أخذ المعنى بلفظه (أخذة) واحدة فأفسده، وقصر فيه عمن تقدمه. وأما إذا أخذه فأبرزه في لباس جميل وركبه تركيباً أنيقاً وأخرجه في معرض جميل حسن فإنه يكون أحق من مبتدعه، فمن ذلك قول بشار:

من راقب الناس لم يظفر بحاجتهوفاز بالطيبات الفاتك اللهج
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «خشاب هل لمحب عندكم فرج»

أخذه سلم الخاسر بعده فقال:

من راقب الناس مات همّاًوفاز باللذة الجسور

وهذا البيت أوجز من الأول وأخصر، ولما سمع بذلك بشار قال: (ذهب به ابن الفاعلة) ومن هذا النحو قول بعضهم نثراً (أحق من أثبت لك العذر في حال شغلك من لم يخل ساعة من برك وقت فراغك) أخذه آخر بعده فقال (شكر ما تقدم من إحسانك شاغل عن استبطاء ما تأخر منه) فأني بالمعنى الذي الأول، وزاد عليه زيادة مع الإيجاز والاختصار؛ فأما

الزيادة فهي الذكر والشكر لما أولاه من الجميل وأسداه إليه من الإحسان؛ وذلك واجب ذكره لأنه من فروض الأعيان على المنعم عليه، وأما الإيجاز فهو أن الكلام الثاني اثنتا عشرة كلمة، والكلام الأول سبع عشرة كلمة. ولما جاء أبو نواس صاغ هذا المعنى صياغة أخرى أكثر اختصاراً فقال: -

لا تُسدينَّ إليَّ عارفةًحتى أقومَ ببعض ما سلفا

وذلك من بديع هذا الباب.

ومما ورد من هذا الأسلوب قول العرب: (القتل أنفى للقتل) فجاء القرآن الكريم بهذا المعنى وزاد عليه أشياء عجيبة فقال تعالى: (ولكم في القصاص حياة). فما زادت به الآية على قول العرب: أنه ليس كل قتل ينفي القتل، وإنما القتل الذي ينفي القتل ما كان على وجه القصاص والعدل. ففي ذكر الحياة من إيضاح المعنى المرغوب ما ليس في قول العرب: (القتل أنفي للقتل). ومن ذلك أن قوله تعالى: (... القصاص حياة) نظير قولهم: القتل أنفي للقتل، و (القصاص حياة) أوجز وأخصر لأن (القصاص حياة) عشرة أحرف، و (القتل أنفي للقتل) أربعة عشر حرفاً، ومن ذلك أن في قولهم: (القتل أنفي للقتل) تكريراً يثقل النطق به على اللسان؛ وليس في قوله تعالى: (القصاص حياة) تكرير. فهذه أربع زيادات تفضل بها الآية على قول العرب؛ وكذلك أيضاً قول بعض الأعراب: -

فحيّ ذوي الأضغان تسب عقولهمتحيةَ ذي الحسنى وقدُ برفع النفل
وإن دَحسوا بالقول فاعفُ تكرماًوإن كتموا عنك الحديث فلا تسل
فإن الذي يؤديك منه سماعهوإنّ الذي قالوا وراءك لم يُقَّل

فورد في القرآن الكريم هذا المعنى المذكور في كلمات مختصرات، وهي قوله تعالى: (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة، ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم). ألا ترى إلى هذه الآية (فهي) حاوية للمعنى المشار إليه في الأبيات مع الإيجاز، فهو أن الشاعر ذكر هذه المعاني في ثلاثة أبيت فيها ثلاث وثلاثون كلمة، والقرآن العزيز أتى بالمعنى في آية واحدة فيها ثلاث عشرة كلمة. وأما حسن التركيب فلا خفاء به. ومن جملته المقابلة بين الأضداد نحو ذكر السيئ والحسن، والعدو والصديق.

ومن هذا الباب قول النابغة: -

إذا ما غزا بالجيش حَلَّق فَوقَهُعصائب طَيْر تهتدي بعصائب
جوانح قد أيقنّ أنَّ قبيلهإذا ما التقى الجمعان أوّلُ غالب
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «كليني لهم يا أميمة ناصب»

أخذ هذا المعنى الأفوه فقال: -

وترى الطير على آثارنارأيَ عين ثقةً أنْ ستَمُار
للشاعر الأفوة الأودي، من قصيدة «إن ترى رأسي فيه قزعٌ»

فذكر المعاني المشار إليها في بيت واحد، فحاز فضيلة الإيجاز، التي هي أعلى درجات الكلام وصار أحق بذلك المعنى من النابغة، وإن سبقه إليه وتقدمه فيه.

ومما جرى هذا المجرى قول أبي العتاهية: -

كم نعمة لا تستقبل بشكرهالله في طي المكاره كلمته

أخذه أبو تمام فقال:

قدُ ينعم الله بالبلوى وإن عظمتويبتلى الله بعض القوم بالنعم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «إلياس كن في ضمان الله والذمم»

فذر المعنى الذي ذكره أبو العتاهية، وعكسه. وهذا من غرائب ما يوجد في باب الأخذ، فاعرفه.

ومن هذا الباب قول أبي تمام أيضاً: -

فإن لم يجد في قسمة العمر حيلةوجاز له الإعطاء من حسناته
لجاد بها من غير شرك بربهوأشركهم في صومه وصلاته

أخذه المتنبي فقال:

فلو يمتهم في الحشر تجدولأعطَوْكَ الذي صَلَّوا وصاموا

فأتى بالمعنى الذي ذكره أبو تمام، وزاد عليه بقوله (في الحشر) لأن الإنسان يكون في ذلك اليوم أشد احتياجاً إلى صلاته وصيامه، وأعظم افتقاراً. وأمثال هذا كثيرة فاعرفها.

وفد يتساوى المؤلفان في إيراد المعنى باللفظ، كقول بشار:

يسقط الطير حيث يلتقط الحبُّوتُغشى منازل الكرماء

أخذَهُ غير فقال، ولم يزد عليه شيئاً:

يزدحم الناس على بابهوالمنهل العذب كثير الزحام

وعلى نحو من ذلك قول الآخر:

وإن يقوم سوَّدوكَ لحاجةًإلى سيد لو يظفرون بسيد

النص من طبعة مطبعة المجمع العلمي (١٣٧٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الجامع الكبير»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.