من «الجامع الكبير» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)
النوع الأول في السجع والازدواج
وهو تواطؤ الفواصل من الكلام المنثور على حرف واحد
اعلم أن السجع قد ذمه بعض أصحابنا من أرباب هذه الصناعة، ولا أرى لذلك وجهاً سوى عجزهم عن الإتيان به وقصورهم عن سلوك مذهبه، وإلا فلو كان مذموماً، كما ذكر، لم ورد في القرآن الكريم؛ فإنه قد أتى منه شيء كثير، كقوله تعالى: (إن الله لمن الكافرين وأعد لهم سعيراً، خالدين فيها أبداً لا يجدون ولياً ولا نصيراً) وكقوله تعالى في سورة (ق): (بل كذبوا بالحق لما جاءهم، فهم في أمر مريج أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج، والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها كل زوج بهيج). وكقوله تعالى: (والعاديات ضبحاً، فالموريات قدحاً) إلى قوله: (... جمعاً). ومثال ذلك هذا كثيرة فاعرفه.
وورد على هذا الأسلوب من كلام النبي ﷺ شيء كثير أيضاً؛ فمن
ذلك ما رواه عبد الله بن سلام قال: لما ورد رسول الله ﷺ المدينة أن جفل الناس قبله، وقيل قدم رسول الله ﷺ فجئت في الناس لأنظر اليه، فلما تبينت وجهه عرفت انه ليس بوجه كذاب، وكان أول شيء تكلم به أن قال: (أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام، وصّلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا بسلام) فإن قيل إن النبي ﷺ
قال لبعضهم منكراً عليه، وقد كلمه بكلام مسجوع: (أسجعاً كسجع الكهّان) ولو أن السجع مكروه لما أنكره رسول الله ﷺ الجواب عن ذلك أنا نقول: لو كره النبي ﷺ السجع أصلاً لقال أسجعاً؟! ثم سكت، وكان المعنى يدل على إنكار هذا الفعل لِمَ كان، فلما قال (أسجعاً كسجع الكهان؟) صار المعنى معلّقاً على أمر آخر؛ وهو إنكار الفعل لم كان على هذا الوجه، فعلم أنه إنما ذم من السجع ما كان مثل سجع الكهان، لا غير وأنه لم يذمَّ السجع على الإطلاق. ومحال أن يذمه على الإطلاق؛ لأن القرآن الكريم، قد أتى به. وهو ﷺ قد نطلق به في كثير من كلامه، حتى أنه غير الكلمة عن وجهها، اتباعاً لها بأخواتها لأجل السجع؛ فقال لابن ابنته ﵉: (أعيذه من الهامة والسامة، وكل عين لامة) وإنما أراد ملمه، لأن الأصل فيها من (ألم فهو ملم)، وكذلك قوله ﷺ: (ليرجعن مأزورات غير مأجورات) طلباً للتوازن والسجع، وهذا من أدل على فضيلة السجع.
واعلم أن الأصل في هذا الاعتدال في مقاطع الكلام، والطبع يميل إلى الاعتدال في
جميع الأشياء. وحيث أنهى بنا القول إلى هذا الموضع، فلنتبعه بذكر أقسام السجع، وما يحمد منه في الاستعمال، وما يذم، فنقول:
اعلم أولاً: أن السجع لا يحمد على كل حال، ولا في كل موضع، حتى يتوخاه المؤلف في كلامه، بحيث يذهب بفضيلة المعاني لأجله، وذلك أنه إذا صور في نفسه معنى من المعاني، ثم أراد أن يصوغه بلفظ مسجوع، ولم يؤاته ذلك إلا بزيادة على ذلك المعنى، أو نقصان منه، ولا يكون محتاجاً إلى الزيادة ولا إلى النقصان، وإنما يضطر إلى ذلك اضطراراً، لأن المعنى الذي يكون قد قصده يحتاج إلى لفظ يدل عليه، وإذا دلّ عليه بذلك اللفظ لا يكون مسجوعاً، إلا أن
يضيف إليه شيئاً آخر، وينقص لأجل الفقرة المطلوبة، فإذا فعل ذلك، فلا بد وأن يزداد الكلام الذي قصده، زيادة لا حاجة إليها، أو ينقص نقصاً لا حاجة اليه، وهذا الذي يذم من السجع ويستقبح، لما فيه من التكلف والتعسف.
وأما إذا كان محمولاً على الطبع غير متكلف، فانه يجيء في غاية الحسن، وهو أعلى درجات الكلام.
واعلم أن السجع ينقسم إلى ثلاثة أقسام.
الأول: أن يكون الفصلان متساويين، لا يزيد أحدهما على الآخر، كقوله تعالى: (فأما اليتيم فلا تقهر، وأما السائل فلا تنهر) وقوله تعالى: (والعاديات ضبحاً، فالموريات قدحاً، فالمغيرات صبحاً، فأثرن به نقعاً، فوسطن به جمعاً). ألا ترى كيف جاءت هذه الفصول متساوية الأجزاء حتى كأنها خرطت في قالب واحد؟ وأمثال ذلك في القرآن الكريم (كثيرة)، وهو أشرف السجع منزلةً، وأعلاه درجةً للاعتدال الذي فيه.
القسم الثاني: أن يكون الفصل الثاني أطول من الأول، لا طولاً يخرج به عن الاعتدال خروجاً كثيراً، فإنه يقبح عن ذلك ويستنكره، فمن جيد هذا القسم قوله تعالى: (بل
كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمرٍ مريج، أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج، والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج).
ألا ترى أن الفصل الأول تسع كلمات، والفصل الثاني اثنتا عشرة لفظة، والفصل الثالث إحدى عشرة لفظة؟ ومن ذلك أيضاً قوله تعالى في سورة مريم: (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئاً إدّاً تكادُ السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً، أن دَعوْا للرحمن ولدا، وما ينبغي للرحمن أن يتخذَ ولدا)... إلى قوله: (... وتُنذِرَ به قوماً لُدّا) وأمثال هذا في القرآن كثيرة، فاعرفها:
القسم الثالث: أن يكون الفصل الآخر أقصر من الأول وهو عيب عند أرباب هذه الصناعة فاحش. وسبب ذلك أن السمع يكون قد استوفى مدة من الفصل الأول بحكم طوله، ثم يجيء الفصل الثاني قصيراً عن الأول، فيكون كالشيء المبتور، فيبقى الإنسان عند سماعه كمن يريد المضي إلى غايةٍ فيعثر دونها. وإن شك أحدٌ فيما أشرنا إليه من هذا المثال، فليصنع فصلين من الكلام وليكن الأول منها أطول من الثاني، ثم يعرضهما على نفسه؛ فانه يجد صحة ما ذكرناه.
واعلم أن التصريع في الشعر بمنزلة السجع في الفصلين من الكلام المنثور، وفائدته في الشعر أنه يفهم منه قبل كمال البيت الأول من القصيدة قافيتها، وشبّه البيت المصرَّع بباب له مصرعان متشاكلان، وقد فعل ذلك القدماء والمحدثون وفيه دلالة على سعة القدرة، وفسحة المجال في أفانين الكلام.
فأما إذا كَثُرَ التصريع في القصيدة فلست أراه مختاراً، لأن هذه الأصناف من التصريع،
والتصريع، والتجنيس، وغيرهما، إنما يحسن منها في الكلام ما قلَّ وجرى مجرى اللمعة وكان كالطراز في الثوب، فأما إذا تواتر وكثر فإنه لا يكون مرضياً لما فيه من إمارات الكلفة.
وقد استعمل التصريع كثيراً أمرؤ القيس، فمما جاء منه في شعره قوله:
قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزلبسقطِ اللّوى بين الدخول فحومل
ثم قال:
أفاطمُ مهلاً بعض هذا التدللوإن كنت قد أزمعت هجري فأجملي
ثم قال:
ألا يا أيها الليلُ الطويل ألا انجليبصبح وما الإصباح منك بأمثل
وقال حاتم بن عبيد الله الطائي:
أتعرف أطلالاً ونؤياً مهدَّماًكخطك في رّقٍ كتاباً منمماً
ألا لا تلوماني على ما تقدماكفى بصروف الدهر للمرءِ محكما
وهذا وأمثاله هو التصريع الحسن المشار إليه في هذا الباب، لأنه بكلمتين غير بن، وأما التصريع بكلمة واحدة فغير لائق وإن جائزاً كقول بعضهم:
فكل ذي غيبة يؤوبوغائب الموت لا يؤوب
وأمثال هذا كثيرة فاعرفه.
النص من طبعة مطبعة المجمع العلمي (١٣٧٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع