من «التذكرة الفخرية» لبهاء الدين الإربلي (ت ٦٩٢هـ)
والبرق والمياه وما يتصل بذلك
قال سعيد بن حميد الكاتب:
بكرت أوائل للربيعِ فبشّرتْنورَ الرياضِ بجدّةٍ وشبابِ
وغدا السحابُ يكادُ يسحبُ في الثرىأذيالَ أسحمَ حالك الجلبابِ
يبكي ليضحكَ نورهنَّ فيا لهُضحكاً تولَّدَ من بكاءِ سحابِ
وترى السماءَ وقد أسفَّ ربابُهاوكأنَّها لحفتْ جناح غرابِ
وقال آخر:
بيضاء جاءت بعد طول العهدِمن غير تسويفٍ وغير وعدِ
كأنَّها معتبة من صدِّفابتسمت عن بارقٍ ذي وقدِ
كأنَّها تقدحها من زندِوزفرت زفيرَ أهلِ الوجدِ
ثمَّ بكتْ بكاءَ أهلِ الفقدِفأضحكت وجهَ الجديبِ الصلدِ
بكلّ غور وبكلّ نجدِكأنَّ رشحَ طلِّها في الوردِ
دموع صبّ سُفحتْ في خدّ
لو قال دموع حبّ لكان أنسب وأدل على المعنى إذ ليس من المعلوم المستعمل أن يشبه الصب بالورد ولكن هذا يحتاج إلى ذهن نقاد وخاطر وقاد فيضع الهناء مواضع النقب ويفرق بين ذوي العمائم وذوات النقب.
وقال أبو تمام:
ساريةً مُسمحةَ القيادمُسودةً مُبيضةَ الأيادي
قد جُعلتْ للمحلِ بالمرصادِسِيقتْ ببرقٍ ضرمِ الزّنادِ
كأنَّه ضمائرُ الأغمادِسهّادةً نوّامةً بالوادي
نزّالةً عند رضى العبادِ
وله:
ساريةٌ لم تكتحلْ بغمضِمُوقرةٌ من خلّةٍ وحمضِ
قضتْ بها السماءُ حقَّ الأرضِ
وقال أيضاً:
سهرت للبرق الذي استطاراباتَ على رغمِ الدُّجى نهارا
حتّى إذا ما أوسعَ الأمصاراوبلاً جهاراً وندًى سرارا
عاد لنا ماءً وكان ناراأرضى الثرى وأسخطَ الغبارا
وأحسن ما قيل في قوس قزح قول القبيصي:
وقد نشرتْ أيدي الجنوب مطارفاًعلى الأفقِ دكناً والحواشي على الأرضِ
يطرزها قوس السحاب بأحمرعلى أصفر في أخضر تحتَ مبيضِّ
كأذيال خودٍ أقبلت في غلائلٍمصبّغة والبعضُ أقصرُ من بعضِ
وقد أجاد السيد الرضي:
من كلّ ساريةٍ كأنَّ رذاذهاإبرٌ تُخيِّطُ للرياضِ برودا
نثرتْ فرائدها فنظّمتِ الربىمن درّهنَّ قلائداً وعقودا
وقد أحسن نصيب ما شاء في قوله:
أعِنِّي على برق أُريكَ وميضهُتُضيء دُجنّات الظلامِ لوامعهْ
إذا اكتحلتْ عينا محبٍّ بومضهِتجافتْ به حتّى الصباحِ مضاجعهْ
وقال ابن مطير وأجاد:
مُستضحكٌ بلوامعٍ مُستعبرٌبمدامعٍ لم تمرِها الأقذاءُ
فله بلا حزنٍ ولا بمسرّةٍضحكٌ يُؤلِّف بينه وبكاءُ
لو كانَ من لُججِ السواحلِ ماؤهُلم يبقَ في لججِ السواحلِ ماءُ
قال ذو الرمة:
ألا يا اسلمي يا دار ميّ على البلىولا زال منهلا بجرعائك القطرُ
فقيل له: هذا بالدعاء عليها أشبه لأن القطر إذا دام عليها فسدت، والجيد قول طرفة:
فسقى ديارَكَ غيرَ مُفسدِهاصوبُ الربيعِ وديمةٌ تهمي
وقال أبو هلال:
والرعدُ في أرجائهِ مترنمٌوالبرقُ في حافاتهِ متلهّبُ
كالبُلقِ ترمحُ والصوارمُ تُنتضىوالحورُ تبسمُ والأناملُ تحسبُ
وقال:
تزورُ رُباها كلَّ يومٍ وليلةٍغيومٌ كأنَّ البرقَ فيها مقارعُ
فتبسم بالأنوار منها مضاحكوتسجم بالأنواءِ فيها مدامعُ
وقال:
وبرقٌ سرى والليلُ يُمحى سوادهُفقلت سوارٌ في معاصمِ أسمرا
وقد سدّ عرض الأفقِ غيمٌ تخالهُيزرُّ على الدنيا قميصاً معنبرا
تخال به مسكاً وبالقطر لؤلؤاًوبالروض ياقوتاً وبالتربِ عنبرا
سواد غمام يبعث الماء أبيضاًوغرّة أرض تنبت الزهر أصفرا
إذا ما دعتْ فيه الرعود فأسمعتْأجابَ حداةٌ فاستهلّ وأغزرا
ويبكي إذا ما أضحك البرقُ سنّهفيجعل نار البرق ماءً مفجّرا
كأنَّ به رؤدَ الشبابِ خريدةًقد اتخذتْ ثني السحابةِ معجرا
فثغرٌ يُرينا من بعيدٍ تبلُّجاًودمعٌ يُرينا من قريبٍ تحدُّرا
وقال بعض الهاشميين:
وبدا لهُ من بعدِ ما اندمل الهوىبرقٌ تألَّق موهناً لمعانهُ
يبدو كحاشيةِ الرداء ودونهصعب الذرى متمنّع أركانهُ
فالنارُ ما اشتملتْ عليه ضلوعهُوالماءُ ما سمحتْ به أجفانهُ
كشاجم:
ثلج وشمس رصوبُ غاديةٍفالأرضُ من كلّ جانبٍ غرَّهْ
باتتْ وقيعانُها زبرجدةٌوأصبحتْ قد تحوَّلت درَّهْ
وقلت:
وصوبُ سحاب غادرَ الأرض لجّةًفأضحى بها ضبُّ الفلاة مُلجّجا
وأضرم فيه البرقُ شعلةَ نارهِعلى فحمةِ الليلِ البهيمِ فأجَّجا
وسيقت به كوم السحائب حفّلاًوحركها حادي الرعودِ فأزعجا
وعاد بها ضوءُ النهار ولبسهُثيابُ حدادٍ تُستعار من الدجى
وألقحها مرُّ النسيم فأنزلتسحاباً غدا للأرضِ بالنورِ مُنهجا
فأحدق فيها النرجس الغضّ طرفَهولاحَ بها خدّ الشقيقِ مضرَّجا
وأبدت لنا ورداً جنيّاً نباتهُوثغرَ أقاحٍ ناضرٍ وبنفسجا
وصفّقتِ الأنهارُ فيها ومالت الغصون وغنَّاها الحمام فهزّجا
وقلت:
ومزنةٍ صادقةِ الأنواءِسوداء تأتي باليد البيضاءِ
تسير مثل سير ذي البطحاءِتجري بنار البرق دمعَ الماءِ
تثني بها الأرض على السماءِبألسنِ الصفراءِ والحمراءِ
فالأرضُ في سندسةٍ خضراءكأنَّها للريّ والرواءِ
أُهدي إليها الوشي من صنعاءِ
وقال أبو تمام:
ديمةٌ سمحةُ القياد سكوبُمستغيثٌ بها الثرى المكروبُ
لذَّ شؤبوبها فطابَ فلو تسطيعُ قامتْ فعانقتها القلوبُ
آخر:
وأرَّقني برقٌ سرى في غمامةٍيهيِّج أحزانَ الفؤادِ ابتسامُها
كأنَّ سناه موهناً نارَ موقدٍتلهبُ أحياناً ويخبو ضرامُها
البحتري:
ذات ارتجازٍ بحنينِ الرعدِمجرورة الذيل صَدوق الوعدِ
مسفوحة الدمعِ لغيرِ وجدِلها نسيمٌ كنسيمِ الوردِ
ورنّةٌ مثلُ زئيرِ الأُسدِولمحةٌ مثلُ سيوفِ الهندِ
جاءتْ بها ريحُ الصبا من بُعدِفانتثرتْ مثلَ انتثارِ العقدِ
وراحتِ الأرضُ بعيشٍ رغدِكأنَّما غدرانها في الوهدِ
يلعبنَ من حبابِها بالنردِ
وقال المجد بن الظهير الإربلي في البرق وأجاد:
أإنْ شمتُ برقاً بالشآمِ لائحاًغدوتُ لدمعي في ثرى السفح سافحا
أتى رافعاً سترَ الظلام ومالئاًبأنوارهِ هضبَ الفلاةِ الأباطحا
فأدنى ثغوراً دونها كل مهمهٍتظلّ به هوجُ الرياحِ طلائحا
وأقدمُ أنواعِ المسرّة قادماًوعاد لزند الشوق إذ عاد قادحا
وقلت:
وساريةٍ غنَّى لها الرعد فانبرتْتفضّ شؤونَ الدمعِ في كلِّ منزلِ
وطبّقت الدنيا فلم تخلُ بقعةٌلما نسجتها من جنوب وشمألِ
وأضرم فيها البرق ناراً كأنَّهمنارةُ ممسى راهبٍ متبتّلِ
إذا قدحتْ في أبيض السحب خلتهاعصارة حنَّاءٍ بشيبٍ مرجّلِ
فجادتْ بمنهل العزالى كأنَّهجلاميدُ صخرٍ حطَّهُ السيلُ من علِ
وأفعمت الغدران حتّى كأنَّماترائبها مصقولة كالسّجنجلِ
وأبدتْ لنا زهراً أريجاً كأنَّهنسيم الصبا جاءت بريّا القرنفلِ
الزاهي في قوس قزح:
ضحك الزمان لدمعِ غيم مقبلينهلّ بين شمائل وجنائبِ
وكأنَّ وجه الجوِّ نيطَ ببرقعٍوكأنَّ شمس الدجن وجنةُ كاعبِ
وكأنَّ قوسَ المزنِ في تخطيطهشفةٌ بدتْ من تحتِ خضرة شاربِ
الحيص بيص في السحاب:
دانٍ يكادُ الوحشُ يكرعُ وسطهوتمسُّهُ كفُّ الوليدِ المرضعِ
متتابعٍ جمٍّ كأنَّ ركامهكبّاتُ أو قيصراً وسرايا تبّعِ
فهمَى وألقى بالعراءِ بعاعهُسحّاً لمندفعِ الآتيِّ المترعِ
فتساوتِ الأقطارُ من أمواههفالقارةُ العلياءُ مثلُ المدفعِ
وغدا سرابُ القاعِ بحرَ حقيقةٍفكأنَّه لتيقنٍ لم يُخدعِ
مُتغطمطاً سلبَ الوحوش مكانهاتيارهُ فالضبُّ جارُ الضفدعِ
أخذ البيت الأول من قول الأول وزاده:
دانٍ مسفٍّ فُويقَ الأرضِ هيدبهُيكادُ يدفعه من قامَ بالراحِ
وقال أبو تمام:
كأنَّ السحابَ الغرَّ غنّينَ تحتهاحنيناً فما ترقا لهنَّ مدامعُ
ربًى شفعتْ ريحُ الصبا لرياضهاإلى الغيثِ حتّى جادَها وهو هامعُ
فوجه الضحى غدواً لهنَّ مضاحكٌوجنبُ الندى ليلاً لهنَّ مضاجعُ
وقال ابن الحنفي في البرق:
أرقت لبرقٍ من دياركم عنَّاألمَّ فكم أصبا فؤاداً وكم عنّى
بدا حاكياً تلك الثغور ابتسامهوعاد نحيلاً حاكياً جسميَ المضنى
وسلَّ كسيف الهند من غمد أفقه اختلاساً لقتل الغمض في مقلتي وهنا
فلو لم تحل من دونه دم عبرتيجعلتُ له جفني غراماً به جفنا
ولو قال: لقتل الغمض في مقلتي الوسنى، كان أجود وأكثر ملاءمة، وكأني به قد خاف أن يصف مقلته بأنها وسنى، وليت شعري لو أنها كذلك وإلا أي شيء كان يقتل البرق في جفنه، وفي قوله الغمض دليل على ما فرَّ منه.
وقال جابر بن رالان يصف ماء:
فيالهف نفسي كلما التحتُ لوحةًإلى شربةٍ من بعض أحواض مأربِ
بقايا نِطاف أودع الغيمُ صفوهامصقلة الأرجاء زرق المشاربِ
ترقرقَ ماءُ المزنِ فيهنّ والتقتعليهنَّ أنفاسُ الرياحِ الغرائبِ
وقال ابن المعتز:
ظللتُ بها أسقى سُلافة قهوةٍبكفّ غزال ذي جفونٍ صوائدِ
على جدول ريّان لا يكتم القذىكأنَّ سواقيه متون المباردِ
ابن الرومي:
وماءٍ جلتْ عن حرِّ صفحتهِ القذىمن الريحِ معطارُ الأصائلِ والبكرِ
به عبقٌ مما تُسحِّب فوقهُنسيمُ الصبا تجري على الروضِ والزهرِ
ولأبي هلال العسكري يصف سفناً:
شققن بنا تيار بحر كأنَّهإذا ما جرتْ فيه السفينُ يعربدُ
ترى مسترق الماء منه كأنَّهسبيبٌ على الأرضِ الفضاءِ يُمدَّدُ
فطوراً تراهُ وهو سيفٌ مهنّدٌوطوراً تراهُ وهو درعٌ مسرَّدُ
نصعَّدُ فيه وهو زورقٌ حمامهفنحسب أنَّا في السماء نصعّدُ
السري الرفاء:
ولا وصل إلاّ أنْ أروحَ مُلجّجاًبأدهمَ في تيارِ أخضرَ مُزبدِ
شوائلُ أذنابٍ يُخيّل أنهاعقاربُ ذنبٍ فوقَ صرحٍ ممرَّدِ
وقال في المد وانقطاع الجسر ببغداد:
أحذركم أمواج دجلةَ إذ غدتْمصندلةً بالمدِّ أمواجُ مائها
فظلّت صغارُ السفن ترقصُ وسطهاكرقصِ بناتِ الزنجِ عند انتشائها
السلامي:
ونهرٌ تمرحُ الأمواجُ فيهمراحَ الخيلِ في رهجِ الغبارِ
إذا اصفرَّت عليه الشمسُ خِلنانميرَ الماءِ يُمزجُ بالعقارِ
وقال أيضاً:
لم أنس دجلة والدجى متصوبوالبدر في أفق السماء مغربُ
فكأنها منه رداء أزوقوكأنه فيها طرازٌ مذهب
وقال أيضاً:
لنا بركٌ مثل المرايا تريك ماتأخَّر في حافاتها وتقدَّما
إذا عبَّ فيها شاربُ الطيرِ خِلتهيمدُّ إليه الفرخ جيداً ليُطعما
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع