من «غرر الخصائص الواضحة» للوطواط (ت ٧١٨هـ)
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي جعل اللسان عنوان عقل الانسان وآلة تظهر سر الجنان بفصيح العبارة وصريح البيان وصلاته وسلامه على سيدنا محمد المجتي من سرة عدنان المبعوث بجوامع الكلم الشاملة لأنواع البيان الباهرة بفصاحتها عقول ذوي الفطن والأذهان والمخصوص بمحاسن الشيم المتممة لمكارم الأخلاق ومزايا الاحسان والحائز في حلبات الاصطفاء قصبات الرهان وعلى آله وصحبه فروع شجرته الباسقة الأفنان وفراقد سماء رسالته أعيان السادات وسادات الأعيان صلاة وسلاماً دائمين ما دام طرف القلم مقاداً بعنان البنان وبعد فإني لما رأيت تغير معاني الأخلاق دالاً على تباين مباني الأعراق والنفوس تتفاوت في ميلها إلى أغراضها على حسب اختلاف جواهرها وأعراضها حداني غرض اختلج في سري وأمل اعتلج في صدري على أن أجمع كلاماً في المحامد والمذام المتخلقة بها نفوس الخواص والعوام وأجعله كتاباً يغني اللبيب عن الخليل والنديم ويخبر بالحديث والقديم فشمرت عن ساق الجد وحسرت عن ساعد الكد وعمدت إلى حسان الكتب المجموعة في ضروب الأدب فتصفحت مضمونها وتلمحت فنونها واستفتحت عيونها واستبحت أبكارها وعونها وجمعت في هذا الكتاب من زواهر أسدافها وجواهر أصدافها ملح فكاهات جلت عرائس المعاني في حلل موشاة وأظهرت نفائس المحاسن في أنواع من البراعة مغشاة وأزاهر بيان يغدو المتلفظ بها غايات ويروح المتحفظ بها صاحب آيات وجعلته شاملاً لمصايد شواردها ناهلاً من الفضائل أعذب مواردها محتوياً من إحراز الألفاظ على درر منظومة تستفتح النواظر بلمحات سلكها ومن أسرار المعاني على سرر مختومة تستروح الخواطر
بنفحات مسكها.
أحاديث لو صيغت لألهت بحسنها عن الدر أو شمت لأغنت عن المسك وكسوته من الأخبار بزة رفيعة وأبدعت فيما أودعت فيه من الفكاهات الرائقة البديعة من نوادر مطربات وأبيات مهذبات هي للأوراق شموس مشرقات ولألئ أنوارها بارقات ألفاظها أرق من النسيم وأروق من التسنيم مفرد
كما أزهرت روضات حسن وأثمرتفأضحت وعجم الطير فيها تغرّد
وجنبته خرافات الأخبار ومطوّلات الأسمار لئلا تسأمه عند المطالعة النفوس ولئلا يكون ذكرها وضحاً في غرر الطروس وجعلته ستة عشر باباً تسفر عن وجه الابداع نقاباً وجعلتها متضادة لتضاد الأخلاق والشيم وتباين الأقدار والهمم كل باب يشتمل على ثلاثة فصول في ثلاثة معان تفك بلطائفها من أدهم الهم كل قلب عان وهذه الفصول قلائد أجناس فصلت بلآلئ أنواعها ومعاهد إيناس نصبت أشراك النفوس برباعها فجاءت فصولاً تعبر عن حسان فنونها ومعانيها وتغبر في وجه عائبها وشانيها وقدمت في أبواب المحامد فصلاً في مدائحها ليتنسم المتأمل عرف اليمن من فواتحها وأتبعته فصلاً ثانياً فيما ذكر عن المتخلقين بها من أزهار خمائل الأخبار وأبكار عقائل الأفكار الفائقة باختبارها درر الأمثال السائرة الرائقة في اختيارها فهي عن غرر المفاخر سافرة وعززت بثالث في ذم ما مدح من الأخلاق لسبب يطرأ عليها إذ البدر يطرأ عليه الخسوف والمحاق والشيء بالشيء يعرف فيذكر بعد ان كان يجهل وينكر فربما تجاذبت الأحاديث أذيالها فطلبت من المنمق أشكالها ولا غرو فالحديث كما يقال شجون وأحسنه ما جذل جده برقيق الهزل مقرون على أنني لم آل جهداً في إضافة كل شيء إلى ما يشاكله ويلائمه
ويضاهيه في المعنى ويساهمه مما يجري في هذا الاسلوب ولا يخرج عن المقصود والمطلوب ورتبت فصول أبواب المذام على العكس من أبواب المحامد والمآثر وأطلعت في دياجي مساويها من محاسن الملح الأنجم الزواهر ترتيباً لا يرتاب في جودته أريب وتقريباً يؤمن به من كل ما يريب فأبوابه على اختلافها بائتلافها في الحسن نظائر وبعضها لبعض ضرائر إن ازدهى الحسن باباً منها بتقسيمه ووصفه تنفس الآخر عن حسن ترصيعه وطيب عرفه مفرد
ضدّان لما استجمعا حسناًوالضدّ يظهر حسنه الضدّ
وسددته جهدي رجاء أن يصيب صميم الآمال والأعراض وخوفاً أن تصرفه النفوس عند النقد بالصد عنه والاعراض ووسمته بغرر الخصائص الواضحة وعرر النقائص الفاضحة اسم يكون لحلة أدبه طرازاً معلماً وبمكنون أسراره معلناً ومعلماً إذ الكتاب لا يعلم ما في باطنه إلا من سمة عنوانه كما أن الانسان يعلم ما في قلبه من لفتات وجهه وفلتات لسانه وأنا راغب لمن وقف على هذا الكتاب من سراة الأعيان والكتاب القاطفي أزهار الآداب من جنان الخواطر العاطفي نفار الألباب في عنان النوادر أن لا يفوق لهدف الاختيار سهم الاختبار وأن يحدق إليه بصر الاعتقاد عند الانتقاد فأي جواد لا يكبو وأي مهند لا ينبو ومع هذا فإن لسان التقصير عن القيام بالعذر قصير والمصنف وإن استعان في تنقيح ما ألف بمالك وعقيل معرض لطاعن وحاسد إلا أن يتاح له عاذر ومقيل مفرد
وإني لأرجو أن يفخم أمرهمن الناس حرّ شأنه الصفح والستر
والله أسأل أن يكسبه دلاً معشقاً يكون به لداء القلوب محظياً ويكسيه حسناً ورونقاً حتى يكون بعيون العقول مرعياً وللافهام مرضياً وبه أستعين على سبيل الرشاد فيما نحوت فهو المعين بهدايته لتحقيق ما رجوت ولما انتهى بنا جواد قريحتنا إلى غاية البيان عن المراد وحاز قصب السبق في مضمار النطق بالسداد رأينا صواباً أن نعقبه بذكر مقدمة في حض الانسان على الدأب في طلب المعالي ليظفر بالحظ الأوفر من الشرف المتعالي تكون أسالما قصدنا فيه التحرير والتحبير من الكشف عن ماهية الأخلاق وحقيقة معانيها وكيفية صورها ومبانيها بقول شاف وتلخيص كاف وهو مما اخترناه من كلام الحكماء الاعلام أولى البصائر والأحلام قالوا الخلق عادة للنفس يفعلها الانسان بلا روية وهي نوعان جميل محمود وقبيح مذموم والأخلاق المحمودة وإن كانت في بعض الناس غريزة فإن الباقين يمكن أن يصيروا إليها بالرياضة والألفة ويرتقوا إليها بالتدرب والعادة فإنهم وإن لم يكونوا على الخير مطبوعين صاروا به متطبعين والفرق بين الطبع والتطبع أن الطبع جاذب منفعل والتطبع مجذوب مفتعل تتفق نتائجهما مع التكلف ويفترق تأثيرهما مع الاسترسال وقد يكون في الناس من لا يقبل طبعه العادة الحسنة ولا الأخلاق الجميلة ونفسه مع ذلك تتشوف إلى المنقبة وتتأفف من المثلبة لكن سلطان طبعه يأباه عليه واستعصاؤه مع تكلف ما ندب إليه يختار العطل منها على التحلي ويستبدل الحزن على فواتها بالتسلي فلا ينفعه التأنيب ولا يردعه التأديب وسبب ذلك على ما قرره المتكلمون في الأخلاق أن طبع المطبوع أملك للنفس التي هي محله لاستيطانه إياها وكثرة إعانته لها والأدب طار على المحل غريب فيه قال الشاعر في ذلك
إذا كان الطباع طباع سوءفليس بنافع أدب الأديب
وقال آخر
ومن يبتدع ما ليس من خيم نفسهيدعه ويغلبه على النفس خيمها
وأما الذي يجمع الفضائل والرذائل فهو والذي تكون نفسه الناطقة متوسطة الحال بين اللؤم والكرم وقد تكتسب الأخلاق من معاشرة الاخلاء فإن صلاحها من معاشرة الكرام وفسادها من مخالطة اللئام ورب طبع كريم أفسدته معاشرة الأشرار وطبع لئيم أصلحته مصاحبة الأخيار وقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال يحشر المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل وقال علي ﵁ لولده الحسن الأخ رقعة في ثوبك فانظر بم ترقعه وقال بعض الحكماء في وصية لولده يا بني احذر مقارنة ذوي الطباع المرذولة لئلا يسرق طباعك من طباعهم وأنت لا تشعر ثم أنشد
واصحب الأخيار وارغب فيهمربّ من صاحبته مثل الجرب
فإذا كان الخليل كريم الأخلاق حسن السيرة طاهر السريرة فبه في محاسن الشيم يقتدي وبنجم رشده في طرق المكارم يهتدي. وإذا كان سيء الأعمال خبيث الأقوال كان المعتبط به كذلك ومع ذلك فواجب على العاقل اللبيب والفطن الأريب أن يجهد نفسه حتى يحوز الكمال بتهذيب خلائقه ويكتسي حلل الجمال بدماثة شمائله وحميد طرائقه ويكد في الهواجر ويسهر الليالي إلى أن يرتقي شرفات المجد والمعالي فقد قيل من شمر عن ساق الجد وجد مفتاح الجد ومن كلام الثعالبي لا يحصل برد العيش الأبحر النصب ولله در الوزير أبي القاسم الحسين بن علي المغربي حيث قال
سأعرض كل منزلةيعرض دونها العطب
فإن أسلم رجعت وقدظفرت وأنجح الطلب
وإن أعطب فلا عجبلكلّ منية سبب
وقال عمرو بن العاصي المرء حيث يجعل نفسه إن رفعها ارتفعت وإن وضعها اتضعت وقال الشاعر
وما الحرّ إلا حيث يجعل نفسهففي صالح الأعمال نفسك فاجعل
وقال بعض الحكماء النفس عروف غروف ونفور ألوف متى ردعتها ارتدعت ومتى حملتها حملت وإن أهملتها فسدت وقال الشاعر
صبرت على اللذات حتى تولتوألزمت نفسي هجرها فاستمرّت
وجرّعتها المكروه حتى تجرّدتولو حملته جملة لاشمأزت
وما النفس إلا حيث يجعلها الفتىفإن أطمعت تاقت وإلا تسلت
وكانت على الآمال نفسي عزيزةفلما رأت عزمي على الترك ولت
وقال آخر
والنفس راغبة إذا رغبتهاوإذا تردّ إلى قليل تقنع
وقالوا الفخر بالنفس والأفعال لا بالأعمام والأخوال وقالوا الشرف بالهمم العالية لا بالرمم البالية وقال عامر بن الطفيل
وإني وإن كنت ابن فارس عامروفي السر منها والصريح المهذب
فما سوّدتني عامر عن ورائهأبى الله أن أسمو بأمّ ولا أب
ولكنني أحمي حماها وأتقيأذاها وأرمي من رماها بمقنب
وقال أبو الطيب المتنبي
لا بقومي شرفت بل شرفوا بيوبجدّي فخرت لا بجدودي
وقالوا كن عصامياً لا عظامياً ومعناه لا تفتخر بشرف آبائك ولكن بما يؤثر من أنبائك وعصام المشار إليه كان رجلاً سوقة ثم صار حاجباً للنعمان ابن المنذر فسئل عن سبب وصوله إلى هذه المنزلة العالية والرتبة الحالية فقال نفس عصام سودت عصاماً وعلمته الكر والاقداما وصيرته ملكاً هماماً وقالوا شرف الأعراق يحتاج إلى شرف الأخلاق ولا حمد لمن شرف نسبه وسخف أدبه يحكي في هذا أن رجلاً من بني هاشم تخطى رقاب الناس في مجلس أحمد بن أبي دواد فقال له أحمد يا بني الأدب ميراث الأشراف ولست أرى عندك من سلفك ميراثاً فاستحسن كلامه من حضر مجلسه شاعر
وإذا افتخرت بأعظم مقبورةفالناس بين مكذب ومصدّق
فأقم لنفسك في انتسابك شاهداًبحديث مجد للقديم محقق
آخر
إذا ما الحيّ عاش بذكر ميتفذاك الميت حيّ وهو ميت
ومن يك بيته بيتاً رفيعاًوهدّمه فليس لذاك بيت
ابن الرومي
وما الحسب الموروث لا ذرّ ذرّهيفيد الفتى الابا خر مكتسب
فلا تتكل إلا على ما فعلتهولا تحسبنّ المجد يورث بالنسب
وليس يسود المرء إلا بنفسهوإن عدّ آباء كراما ذوي حسب
إذا المرء لم يثمر وإن كان شعبهمن المثمرات اعتدّه الناس في الحطب
وقال آخر يهجو رجلاً شريفاً
من كان يعمر ما شادت أوائلهفأنت تهدم ماشادوا وماسمكوا
ما كان في الحق أن تأتي فعالهموأنت تحوي من الميراث ما تركوا
وقال آخر
يزين الفتى أخلاقه ويشينهوتذكر أخلاق الفتى وهو لا يدري
وقال أبو تمام حبيب بن أوس الطائي
وإني رأيت الوسم في خلق الفتىهو الوسم لا ما كان في الشعر والجلد
وقال أبو الطيب مقتفياً أثره ومصدقاً خبره
وما الحسن في وجه الفتى شرفاً لهإذا لم يكن في فعله والخلائق
وقال بعض من له في الحكمة فصل المقال منبها على ما تدرك به رتبة الكمال الانسان التام من نزع عن نفسه ربقة المساوي والملاوم وبذ بمجده المساوي والمقاوم وهذا الحد قلما ينتهي إليه انسان وإذا انتهى الانسان إلى هذا كان بالملائكة أشبه منه بالناس لأن الانسان مضروب بأنواع الشر مستول عليه وعلى طبعه ضروب النقص والكمال وإن كان بعيداً لا ينال فإنه ممكن وذلك إن الانسان إذا صرف عزيمته وأعطى الاجتهاد حقه كان ممكناً وهو أن يكون راغباً بجميع مناقبه وخصائصه متيقظاً لصرف معايبه ونقائصه واردة طرائقه شرعة المكارم الصافية رافلة خلائقه في أبراد المحامد الضافية
مستعملاً كل فضيلة متجنباً كل رذيلة مجتهداً في بلوغ القصوى وقمع النفوس عما تحب وتهوى عاشقاً لصورة الجمال مستلذاً بمحاسن الخلال يرى الكمال دون محله والتمام أقل أوصافه ونبله فقد قيل قبيح بذي العقل أن يكون بهيمة وقد أمكنه أن يكون إنساناً أو إنساناً وقد أمكنه أن يكون ملكاً قال المتنبي
ولم أر في عيوب الناس شيأكنقص القادرين على التمام
وقال علي بن مقلة
وإذا رأيت فتى بأعلى قمةفي شامخ من عزة المترفع
قالت لي النفس العروف بفضلهاما كان أولاني بهذا الموضع
والمنهج القويم الموصل إلى الثناء الجميل أن يستعمل الانسان فكره وتمييزه فيما ينتج عن الأخلاق المحمودة والمذمومة منه ومن غيره ومن أخذ نفسه بما استحسن منها واستملح وصرفها عما استهجن منها واستقبح فقد قيل له كفاك تهذيباً وتأديباً لنفسك ترك ما كرهه الناس من غيرك وقيل لعيسى ﵇ من أدبك قال ما أدبني أحد رأيت جهل الجاهل فتجنبته
إذا أعجبتك خلال امرئفكنه تكن مثل من يعجبك
وليس على المجد والمكرماتإذا جئتها حاجب يحجبك
وقالوا من نظر في عيوب الناس فأنكرها ثم رضيها لنفسه فذلك هو الأحمق بعينه
لا تلم المرء على فعلهفأنت منسوب إلى مثله
من ذمّ شيأ وأتى مثلهفإنما دل على جهله
ويقال الانسان يضارع الملك بقوة الفكر والتمييز ويضارع البهيمة بقوة الشهوة والغذاء فمن صرف همته إلى رتبة الفكر والتمييز حتى يرى بهما عاقبة فعله فحقيق أن يلحق بالملائكة فيسمى ملكاً لطهارة أخلاقه ومن صرف همته إلى رتبة القوة الشهوانية بإيثار اللذة البدنية يأكل كما تأكل الانعام فحقيق أن يلحق بالبهائم فيصير إما غمراً كثور أو شرهاً كخنزير أو ضرياً ككلب أو حقوداً كجمل أو متكبراً كنمر أو رواغاً كثعلب أو جامعاً لذلك كشيطان ولقد صدق من قال
وإذا الفتى ساس الأمور بعلمهوأعين بالتأديب والتهذيب
سمت الأمور به فيبرز سابقاًفي كل حال مشهد ومغيب
اللهم كما خلقت الانسان بقدرتك في أحسن تقويم وأعليته باختصاصك له ذروة التكريم وهديته بإرادتك نجدى الخير والشر وصرفته بقضائك في عناني النفع والضر روض اللهم جوامح نفوسنا إلى اقتفاء أثر الأكارم واقتناء ما يبعث على حمدها من صنوف المكارم وذد اللهم سوائم طباعنا عن مراتع الملاوم ومرابع ما يتوجه به علينا لوم اللوائم فإليك الخذلان والعون وبيدك أزمة المكان والكون وهذا أوان انشقاق كمائم هذا الكتاب عما أكنته من زهرات الآداب واهتصار أفنان فنونه الدانية القطاف المتسقة بأنواع التحف والألطاف
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع