تجاوز إلى المحتوى

من «غرر الخصائص الواضحة» للوطواط (ت ٧١٨هـ)

في أنّ خلتي الجبن والفرار مما يشين بني الأحرار

الجبن غريزة كالشجاعة يضعها لله فيمن شاء من خلقه قال المتنبي

يرى الجبناء أنّ الجبن حزموتلك خديعة الطبع اللئيم

وحده بعض المتكلمين في حدود الأشياء فقال هو الضن بالحياة والحرص على النجاة وقالت الحكماء في الفراسة من كانت فزعته في رأسه فذاك الذي يفر من أبويه وقالوا الجبان يعين على نفسه يفر من أمه وأبيه وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تؤويه وقال الشاعر

يفر الجبان من أبيه وأمهويحمي شجاع القوم من لا يناسبه
فما اخترت من كلام ذوي الاقدامفيما عيب به الفرار والاحجام

قالت عائشة ﵂ إن لله خلقاً قلوبهم كقلوب الطير كلما خفقت الريح خفقت معها فأف للجبناء وقال خالد بن الوليد عند موته لقيت كذا وكذا زحفاً وما في جسدي موضع إلا وفيه ضربة بسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم

وها أنا ذا أموت حتف أنفي كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء شاعر

إن موت الفراش عار وذلوهو تحت السيوف فضل شريف

السموأل

وما مات منا سيد حتف أنفهولا طل منا حيث كان قتيل
للشاعر السموأل، من قصيدة «إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه»
تسيل على حد الظباء نفوسناوليست على غير الظباء تسيل

آخر يفتخر

محرمة أكفال خيلي على القناومكاومة أعناقها ونحورها
حرام على أرماحنا طعن مدبروتندق منا في الصدور صدورها
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «إذا اجتمعت عليا معد ومذحج»

ويقال أسرع الناس إلى الفتنة أقلهم حياء من الفرار وقال دارا بن دارا يحرض جيشه على القتال قتيل صابر خير من ناج فار يا بني الأحرار صرتم إلى الذل والصغار ما هذا الجبن والفرار فلا صبر ولا اعتذار تطردكم الأشرار كطرد الليل النهار أثبتوا فإن الأجل بمقدار وقال هانئ الشيباني لقومه يوم ذي قار يا بني بكر هالك مغدور خير من ناج فرور المنية ولا الدنية يا بني بكر استقبال الموت خير من استدباره الطعن في ثغور النحور أكرم منه في الاعجاز والظهور يا بني بكر قاتلوا فمالنا من المنايا بد الجبان مبغض حتى لامه والشجاع محبب حتى لعدوه ويقال الجبن خير أخلاق النساء وشر أخلاق الرجال وقال يعلى بن منية لقومه حين فروا من على يوم صفين إلى أين قالوا قد ذهب الناس فقال أف لكم فرار واعتذار ولما قوتل أبو الطيب المتنبي ورأى الغلبة عليه فر فقال له غلامه أترضى أن يحدث بهذا الفرار عنك وأنت القائل

والخيل والليل والبيداء تعرفنيوالطعن والضرب والقرطاس والقلم

فكر راجعاً فقاتل حتى قتل واستقبح أن يعير بالفرار وذلك في شهر رمضان سنة أربع وخمسين وثلثمائة وكان مولده بالكوفة سنة ثلاث وثلثمائة وقال المنصور لبعض الخوارج عليه وقد ظفر به وأحضر إليه أسيراً أخبرني عن أصحابي أيهم كان أشد اقداماً في مبارزتك فقال لا أعرف وجوههم مقبلين وإنما أعرف أقفيتهم مدبرين فقل لهم يدبرون لأعرفك أيهم كان أشد فراراً نظم هذا القول علي بن العباس بن جريج المعروف بابن الرومي في قوله يهجو سليمان بن عبد الله بن ظاهر وقد هزم

قرن سليمان قد أضر بهشوق إلى وجهه سيتلفه
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «قرن سليمان قد أضر به»
أعرض عن قرنه وصدّ فماأصبح شيء عليه يعطفه
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «قرن سليمان قد أضر به»
كم يعد القرن باللقاء وكميكذب في وعده ويخلفه
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «قرن سليمان قد أضر به»
لا يعرف القرن وجهه ويرىقفاه من فرسخ فيعرفه
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «قرن سليمان قد أضر به»

وله من أبيات

كان بغداد لدن أبصرتطلعته نائحة تلتدم
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «جاء سليمان بني طاهر»
مستقبل منه ومستدبروجه بخيل وقفا منهزم
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «جاء سليمان بني طاهر»

وقال عبد الله بن الزبير لعدي بن حاتم يعرض به متى فقئت عينك قال يوم طعنت في استك وأنت مول يعني يوم الجمل وقيل بل قال له يوم قتل أبوك وهربت خالتك يعني عائشة وأنا للحق ناصر وأنت له خاذل وقال شاعر يذكر فارا

شرده الخوف فأزرى بهكذاك من يكره حرّ الجلاد
منخرق الخفين يشكو الوحيتبكه أطراف مر وحدد
قد كان في الموت له راحةوالموت حقاً في رقاب العباد
نتف من احتجاج الفرسانعند ملاقاة الأقران
في إنّ دروع الحذرتخرقها سهام القدر

قال الله تعالى قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم وقال علي ﵁ إذا حلت المقادير حلت التقادير وقال هانئ بن مسعود الشيباني إن الحذر لا ينجي من القدر وإن الصبر من أسباب الظفر والمثل المضروب إن الجبان حتفه من فوقه وقالوا السلامة في الاقدام والحمام في الاحجام وأنشد في الحماسة لقطري بن الفجاة

لا تركنن أبداً إلى الاحجاميوم الوغى متخوّفا لحمام
فلقد أراني للرماح دريئةمن عن يميني تارة وأمامي
للشاعر قطري بن الفجاءة، اقرأ القصيدة
حتى خضبت بما تحدر من دميأكتاف سرجي أو عنان لجامي
للشاعر قطري بن الفجاءة، اقرأ القصيدة
ثم انصرفت وقد أصبت ولم أصبخدع القريحة مارح الأقدام

وقال أبو بكر الصديق لخالد بن الوليد ﵄ حين أخرجه لقتال أهل الردة احرص على الموت توهب لك الحياة وقالوا إذا انقضت المدة لم تنفع العدة وقال علي ﵁ إن الموت طالب حثيث لا يعجزه المقيم ولا يفوته الهارب إن لم تقتلوا تموتوا ألا وإن أشرف الموت القتل وقال عبد الله بن رواحة ﵁ يا نفس إن لم تقتلي تموتي إن تسلمي اليوم فلن تفوتي أو تبتلي فطالما عوفيتي وقيل لبعضهم لو احترست فقال كفى بالأجل حارساً وقالوا الشجاع موقى والجبان ملقى وذلك إن المقتول مدبراً أكثر من المقتول مقبلا وأنشد لبعض الشجعان

تأخرت استبقى الحياة فلم أجدلنفسي حياة مثل أن أتقدّما
للشاعر الحصين بن حمام الفزاري، من قصيدة «جزى الله أفناء العشيرة كلها»

آخر

أقول لها وقد ذهبت شجاعاًلدى الأبطال إنك لن تراعي
فإنك لو سألت بقاء يومعلى الأجل الذي لك لن تطاعي
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «ولما مدت الأعداء باعا»
فصبراً في مجال الحرب صبراًفما نيل الخلود بمستطاع

وهرب رجل من الطاعون إلى النجف وكان بالكوفة فكتب إليه شريح القاضي أما بعد فإن الفرار لن يبعد أجلاً ولن يكثر رزقاً وإن المقام لن يقرب أجلاً ولن يقلل رزقاً وإنك والمكان الذي أنت فيه لا يعييان من لا يعجزه هرب ولا يفوته طلب وإن المكان الذي خلفته لا يعجل أحداً إلى حمامه ولا يظلمه شيأً من أيامه وإن النجف من ذي قدرة لقريب وهذا الطاعون هو الجارف وكان في شوال سنة تسع وستين هلك فيه في مدة ثلاثة أيام مائتا ألف وعشرة آلاف ومات فيه لأنس بن مالك ثلاثة وثمانون ولداً ولعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق أربعون ولداً وأنشد بعض الشعراء يذكر فاراً أصيب

أبعدت في يومك الفرار فماجاوزت حتى انتهى بك القدر
لو كان ينجي من الردى حذرنجاك مما أصابك الحذر
للشاعر ابن كناسة، اقرأ القصيدة

آخر

فإذا خشيت من الأمور مقدراًوفررت منه فنحوه تتوجه

ولما وقع الطاعون بالكوفة فر عبد الرحمن بن أبي ليلى على حمار له يطلب النجاة فسمع منشداً يقول

لن يسبق الله على حمارولا على ذي منعة طيار
أو يأتي الحتف على مقدارقد يصبح الله امام الساري

فكر راجعاً إلى الكوفة ومن كلام الحكماء إذا كان القدر حقاً فالحرص باطل وإذا كان الموت بكل أحد نازل فالطمأنينة إلى الدنيا حمق وكان معاوية بن أبي سفيان كثيراً ما ينشد في حروبه

كان الجبان يرى إنهيدافع عنه الفرار الأجل
فقد تدرك الحادثات الجبانويسلم منها الشجاع البطل
للشاعر معاوية بن أبي سفيان، اقرأ القصيدة

ويقال من حدث نفسه بالبقاء ولم يوطنها على المصائب فهو عاجز الرأي وأنشدت لأبي علي بن رشيق القيرواني

الأسر خير من الفراروالقتل خير من الأسار
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
وشر ما خفته حياةأدت إلى ذلة وعار
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
ذم من لزمه الضعف والجزعواستولى عليه الخوف والفزع

قيل لبشار بن برد فلان يزعم إنه لا يبالي ألقى واحداً أو ألفاً قال صدق لأنه يفر من الواحد كما يفر من الألف وقالوا فلان إذا ذكرت السيوف لمس رأسه هل ذهب وإذا ذكرت الرماح جس صدره هل ثقب كأنه سلم كتاب الجبن صبياً ولقن كتاب الفشل أعجمياً وقالوا فلان تقلصت من الفزع شفتاه واصفرت من الهلع وجنتاه وقالوا فلان إذا نظرت إليه شزراً أغمى عليه شهراً ومن أمثالهم أجبن من صافر وهو طائر يتعلق برجليه في الشجر خشية أن ينام فيسقط وقيل غير ذلك وأشرد من ظليم وهو ذكر النعام وينشد لعبد القيس ابن خفاف يهجو جبانا

وهم تركوك أسلح من حبارىرأت صقراً وأشرد من ظليم

ومما هو كناية عن الجبن قولهم فلان مشفق على الحياة راغب في طولها وذم بعضهم جباناً فقال لو سميت له الحرب لعاف لفظها قبل معناها واسمها

قبل مسماها وذم آخر جباناً فقال

إذا صوت العصفور طار فؤادهوليث حديد الناب عند الثرائد

وذم آخر جباناً فقال فلان يزحف يوم الزحف إلى خلف ويروعه الواحد وهو فيألف وذم آخر جباناً فقال

لو كنت في ألف ألف كلهم بطلمثل المجفف داود بن حمدان
وتحتك الريح تجري حيث تأمرهاوفي يمينك سيف غير خوان
لكنت أوّل فرار إلى عدنإذا تجرد سيف في خراسان
ذكر من لاقى في الحروب الحربفطوى بساط الأرض مجداً في الهرب

أبو الطيب المتنبي يذكر مهزومين

وضاقت الأرض حتى أن هاربهمإذا رأى غير شيء ظنه رجلا

وقالوا فلان يفر من صرير باب وطنين ذباب فلان ولي منهزماً قد سد الله في وجهه كل طريق فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح في مكان سحيق وقال الحجاح يصف هزيمة كالابل الشوارد إلى أوطانها النوازع إلى أعطانها لا يلوى الشيخ على بنيه ولا يسأل المرء عن أخيه وقالوا فلان أزهد في الحرب من بني العنبر وأدهش من مستطعم الماء على المنبر فأما بنو العنبر فهم الذين يقول قائلهم من أبيات الحماسة

لكن قومي وإن كانوا ذوي عددليسوا من الشرفى شيء وإن هانا
للشاعر قريط بن أنيف العنبري، من قصيدة «لو كنت من مازن لم تستبح إبلي»
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرةومن إساءة أهل السوء احسانا
للشاعر الباخرزي، من قصيدة «وفى السحاب لمغناه وإن خانا»
وكأنّ ربك لم يخلق بخشيتهسواهم من جميع الناس انسانا

وأما مستطعم الماء فهو عبد الله بن خالد القسري وسنذكر أمره في الفصل الآتي إن شاء الله وأظرف شيء هجى به جبان قول الطرماح بن بكر في بني تميم من أبيات

ولو أنّ برغوثاً على ظهر قملةرأته تميم يوم حرب لولت
ولو جمعت يوماً تميم جموعهاعلى ذرّة معقولة لاستقلت
للشاعر الطرماح، من قصيدة «ألا إن سلمى عن هوانا تسلت»

ولآخر يهجو قوماً جبناء

أسود إذا ما كان يوم وليمةولكنهم عند اللقاء ثعالب

والمليح المتناهي في الملاحة والابداع والأخذ بمجامع القلوب من غير دفاع ولا نزاع قول جرير في بني حنيفة

أبناء نخل وحيطان ومزرعةسيوفهم خشب فيها مساحيها
للشاعر جرير، من قصيدة «قد غلبتني رواة الناس كلهم»
قطع الثمار وسقى النخل عادتهمقدما وما جاوزت هذي مساعيها
لو قيل أين هوادي القوم ما علمواقالوا لاعجازها هذي هواديها
أو قبل إنّ حمام الموت آخذكمأو تلجموا فرساً قامت بواكيها

أبو تمام

ولما رأى توفيل راياتك التيإذا ما استقامت لا يقاومها القلب
تولى ولم يأل القنا في اتباعهكأن الردى في قصده هائم صب
غدا خائفاً يستنجد الكتب مذعناعليك فلا رسل ثنتك ولا كتب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لقد أخذت من دار ماوية الحقب»
وما الأسد الضرغام يوماً بتاركفريسته إن أنّ أو بصبص الكلب
يمرّو نار الكرب تلفح قلبهوما الروع إلا أن يخامره الكرب
مضى مدبراً شطر الدبور ونفسهعلى نفسه من سوء ظنّ بها ألب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لقد أخذت من دار ماوية الحقب»
جفا الشرق حتى ظنّ من كان جاهلاًبدين النصارى إن قبلته الغرب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لقد أخذت من دار ماوية الحقب»

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من في الجبن

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.