تجاوز إلى المحتوى

من «جواهر البلاغة» لأحمد الهاشمي (ت ١٣٦٢هـ)

(٩-١) بلاغة التشبيه وبعض ما أُثِرَ منه عن العرب والمحدثين

تنشأ بلاغة التشبيه من أنه ينتقل بك من الشيء نفسه إلى شيء طريف يُشبهه، أو صورة بارعه تُمثله، وكلما كان هذا الانتقال بعيدًا، قليل الخطور بالبال، أو ممتزجًا بقليل أو كثير من الخيال — كان التشبيه أروع للنفس، وأدعى إلى إعجابها واهتزازها.

فإذا قلت: فلان يشبه فلانًا في الطول، أو أن الأرض تشبه الكرة في الشكل، لم يكن في هذه التشبيهات أثر للبلاغة؛ لظهور المشابهة، وعدم احتياج العثور عليها إلى براعة، وجهد أدبي، ولخلوِّها من الخيال.

وهذا الضرب من التشبيه يُقْصَد به البيان والإيضاح، وتقريب الشيء إلى الأفهام، وأكثر ما يُستعمل في العلوم والفنون.

ولكنك تأخذك روعة التشبيه حينما تسمع قول المعري يصف نجمًا:

يُسرع اللمح في احمرار كماتسرع في اللمح مقلة الغضبان
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «عللاني فإن بيض الأماني»

فإن تشبيه لمحات النجم وتألقه مع احمرار ضوئه بسرعة لمحة الغضبان من التشبيهات النادرة، التي لا تنقاد إلا لأديب، ومن ذلك قول الشاعر:

وكأن النجوم بين دجاهاسُننٌ لاح بينهن ابتداع

فإن جمال هذا التشبيه جاء من شعورك ببراعة الشاعر، وحِذقه في عقد المشابهة بين حالتين ما كان يخطر بالبال تشابههما، وهما حالة النجوم في رقعة الليل بحال السنن الدينية الصحيحة، متفرقة بين البدع الباطلة.

ولهذا التشبيه روعة أخرى، جاءت من أن الشاعر تخيل أن السنن مضيئة لمَّاعة، وأن البدع مظلمة قاتمة.

ومن أبدع التشبيهات قول المتنبي:

بليت بِلَى الأطلال إن لم أقف بهاوقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

يدعو الشاعر على نفسه بالبلى والفناء إذا هو لم يقف بالأطلال؛ ليذكر عهد من كانوا بها، ثم أراد أن يصوِّر لك هيئة وقوفه، فقال: «كما يقف شحيح فقد خاتمه في التراب» من كان يوفق إلى تصوير حال الذَّاهل المتحير المحزون المطرق برأسه، المنتقل من مكان إلى مكان في اضطراب ودهشة — بحال شحيح فقد في التراب خاتمًا ثمينًا.

هذه بلاغة التشبيه من حيث مبلغ طرافته، وبُعد مرماه، ومقدار ما فيه من خيال.

أما بلاغته من حيث الصورة الكلامية التي يُوضع فيها، فمتفاوته أيضًا.

فأقل التشبيهات مرتبة في البلاغة ما ذُكرت أركانه جميعها؛ لأنَّ بلاغة التشبيه مبنية على ادعاء أنَّ المشبه عين المشبه به، ووجود الأداة، ووجه الشبه معًا — يحولان دون هذا الادعاء، فإذا حذفت الأداة وحدها، أو وجه الشبه وحده، ارتفعت درجة التشبيه في البلاغة قليلًا؛ لأن حذف أحد هذين يقوي ادعاء اتحاد المشبه والمشبه به بعض التقوية، أما أبلغ أنواع التشبيه «فالتشبيه البليغ»؛ لأنه مبني على ادعاء أن المشبه والمشبه به شيء واحد.

هذا؛ وقد جرى العرب والمحدثون على تشبيه الجواد بالبحر والمطر، والشجاع بالأسد، والوجه الحسن بالشمس والقمر، والشهم الماضي في الأمور بالأحلام، والوجه الصبيح بالدينار، والشعر الفاحم بالليل، والماء بالسيف، والعالي المنزلة بالنجم، والحليم الرزين بالجبل، والأماني الكاذبة بالعنقاء، والماء الصافي باللُّجَيْنِ، والليل بموج البحر، والجيش بالبحر الزَّاخر، والخيل بالريح والبرق، والنجوم بالدرر والأزهار، والأسنان بالبرد واللؤلؤ، والسفن بالجبال، والجداول بالحيَّات الملتوية، والشيب بالنهار، ولمع السيوف وغرَّة الفرس بالهلال. ويشبِّهون الجبان بالنَّعامة والذبابة، واللئيم بالثعلب، والطائش بالفَراش، والذليل بالوتد، والقاسي بالحديد والصخر، والبليد بالحمار، والبخيل بالأرض المجدبة.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من في التشبيه

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.