من «الأوراق: أخبار الشعراء» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)
احمد بن عمرو ويكنى أبا جعفر، أخو أشجع بن عمرو
قال الصولى: هو شاعر قليل المدح للناس، يتغزل في شعره، ويذهب مذهب ابن أبى أمية، وكان أسنّ من أشجع.
حدّثنى الحسين بن اسحاق، قال: حدّثنى أحمد بن الحارث الخراز، قال: قيل لأحمد بن عمرو أخى أشجع: لم لا تمدح الملوك كما يمدحهم أخوك؟ فقال هو فخر لي، وبلاء علي. إذا مدحت إنسانا، قال: أين شعر هذا من شعر أخيه، وهو يثيب على دون شعري [بالكثير]، ويرضاه فيمنعنى هذا من مدح الناس.
قال الصولي: وجدت بخط حماد بن اسحاق، قال أشجع السلمى لأخيه أحمد:
أبت غفلات قلبك أن تريحالكأس ما تفارقها صبوحا
فغضّ عن المكارم طرف عينإلى اللذات ذا شوق طموحا
كأنك لا ترى حسنا جميلابعينك يا أخى إلّا قبيحا
دعتك إلى محاسنها المعاليفلم تجد المعالي فيك روحا
أمجنون فليس عليك عتبولست معاتبا إلا صحيحا
فأجابه أحمد فقال:
أغرك أن قولك لي قبيحوأنى لا أقول لك القبيحا
وقد نبئت أنك عبت شعريفخذ بيديك هل تسطيع ريحا
ولا والله ما أحسنت شعراهجاء مذ خلقت ولا مديحا
سأعرض عنك إذ أعرضت عنىواسكن صدرك القلب القريحا
ومات قبل أشجع فرثاه بمراث كثيرة، وله يقول:
اذا خفت عتبي من سوءةسبقت عتابى بالغضبه
وما كنت الا كريش السهام ألبسه الريش والقطبه
أيطلب شأوي وما زال ليعتاد المقدّم في الحلبه
وما زلت مذحرّ كتنى الأمور أرفعكم رتبة رتبه
أقدّم شعرك عند الملوك وأكشف عن وجهك الكربه
فأجابه أخوه:
خطبت ببغضك لي خطبةفدونك فاسمع بها خطبه
زعمت بانك لى مفخروأنت- فلا تعل- لي سبه
فليتك عنى بعيد الوداد ولم تك مني ذانسبه
وأنى أثكلت من قد ولدت فصار التأهل لى عزبه
اتخضم فى الماء خضم البعيروأطعم من مالي الوجبه
ولي منك إن جئت مستعتباوإن عصف الظلم بى غضبه
فدونك فاشرب على بغضتىكما قد شربت بها نخبه
ومن شعر أحمد بن عمرو:
يا من له ما عشت صفو وداديواليه من قبل المعاد معادي
وفراقه أغرى بقلبى لوعةأغرت لهيب الشوق بالابعاد
لي في السهاد إذا لهجت بذكرهعوض خليل من لذيذ رقاد
بأبى حبيب إن مرضت يزورنىطيف له في هيئة العواد
وقال أيضا:
وعاذل با كرتنى منه لائمةلم تبق فى عذل قولا ولم تذر
فقلت لا تنفقن نطقا بلا سببفليس عذلك من همى ولا وطرى
إنى قنعت بما أهواه فانصرفتنفسى إلى وصله من سائر البشر
وليس للنفس فى غير الذي هويتحظّ ولو ظفرت بالشمس والقمر
وقال أيضا:
وغزال صاغه الرحمن من حسن وطيب
ترتعى عيناه بالىألحاظ أثمار القلوب
يا هلالا طالعافوق قضيب وكثيب
حبّذا العلة لو قدعادنى منها حبيبي
هو داء من بعيدوشفاء من قريب
من رأى مثلي فى العالم سقمي وطبيبي!
حدّثنى ابراهيم بن المعلى الباهلي، قال: سمعت أبا الحسن الطوسي يقول:
حدّثنى أحمد بن محمد بن جميل قال مدح أحمد بن عمرو أخو أشجع بن عمرو أبى بشعر ودفعه إلى أخيه ليوصله ويتنجز صلته فتوانى في ذلك، فقال يهجوه:
وسائلة لي ما أشجعفقلت يضرّ ولا ينفع
قريب من الشرّ واع لهأصمّ عن الخير لا يسمع
بطيء عن الشيء أحظى بهالى كل ماساءنى مسرع
شرود الوداد على قربهيفرق منه الذي أجمع
أسبّ بأنى شقيق لهفأنفي بذا أبدا أجدع
قال: وبلغت الأبيات أبى، فأحضر أحمد ووصله، واعتذر لأشجع، وأصلح بينهما ثم مات، فما رأيت أحدا وجد بأحد كوجد أشجع به بعد مماته على جفائه له فى حياته. ولأخيه أشجع فيه مراث كثيرة، قد اخترت منها ما ذكرته فى جملة المختار من شعره فى المراثى.
قال أبو بكر: وههنا أشعار نسبها أقوام الى أحمد، ووجدتها في شعر أشجع
فجئت بها له، اذ كان لسعة شعره وشهرته أولى بها ولست أذكر لاحمد إلا ما أجده بخط أثق به أو رويته حدّثنا الحسين بن اسحاق، قال: حدّثنا أحمد بن الحارث قال: كانت لأشجع جارية يقال لهاريم، وكان يجد بها وجدا شديدا، فكانت تحلف له أنها ان بقيت بعده لم تعرض لغيره فكان يذكر أمرها في شعره، فمن ذلك قوله فى قصيدته [التى] يرثى بها الرشيد:
وليس لأحزان النساء تطاولولكنّ أحزان الرجال تطول
فلا تبخلى بالدمع عنّى فانّ منيضنّ بدمع عن هوى لبخيل
ولا كنت ممن يتبع الريح طرفهدبورا اذا هبت له وقبول
اذا دار فيء أتبع الفيء شخصهيميل مع الأيام حيث تميل
وعمل قصيدة يخاطبها فيها منها:
اذا غمضت فوقي جفون حفيرةمن الأرض فابكينى بما كنت أصنع
يعزّيك عنى بعد ذلك سلوةوأن ليس فيمن وارت الارض مطمع
اذا لم تري شخصي وتغنيك ثروتىولم تسمعي مني ولا منك أسمع
فحينئذ تسلين عنى وإن يكنبكاء فاقصى ما تبكين أربع
قليل ورب البيت ياريم ما أرى[فتاة بمن ولى به الموت تقنع]
بمن تدفعين الحادثات اذا رمىعليك بها عام من الجدب يظلع
فيومئذ تدرين من قد رزئتهاذا جعلت أركان بيتك تنزع
ومدح فى هذه القصيدة الفضل بن يحيى فسكنه اليها ومدح الفضل بأفضل من مديح أشجع فقال:
ذكرت فراقا والتفرّق يصدعوأىّ حياة بعد موتك تنفع
اذا الزمن الغدّار فرّق بيننافما لي في طيب من العيش مطمع
فلا كان يوم يا ابن عمرو وليلةيبدد فيها شملنا ويصدّع
ولا كان يوم فيه تثوي رهينةفتروى بجسمى الحادثات وتشبع
وألطم وجها كنت فيك أصونه[وأخشع] ممالم أكن منه أخشع
ولو أنّنى غيبت في اللحد لم تبلولم يرك الراءون لي تتوجع
وهل رجل أبصرته متوجّعاعلى امرأة أوعينه الدهر تدمع
ولكن اذا ولّت يقول لها اذهبيفمثلك أخرى سوف أهوى واتبع
ولو ابصرت عيناك غمّى لأبصرتضبابة حزن غيمها ليس يقشع
الى الفضل فارحل بالمديح فإنهمنيع الحمى معروفه ليس يمنع
وزره تزر علما وحلما وسؤدداوبأسا به أنف الحوادث يجدع
وأبدع اذا ما قلت في الفضل مدحةكما الفضل في بذل المواهب يبدع
اذا ما حياض الجود قلت مياههافحوض أبى العباس بالجود مترع
وإن سنة ضنت بخصب عن الورىففى جوده مرعى خصيب ومشرع
وما بعدت أرض بها الفضل نازلولا خاب من في نائل الفضل يطمع
فنعم المنادى الفضل عند ملمةلدفع خطوب مثلها ليس يدفع
اليك أبا العباس سارت نجائبلها همم تسمو اليك وتنزع
بذكرك نحدوها اذا ما تأخرتفتمضي على هول المنى وتسرّع
وما للسان المدح درنك مشرعولا للمطايا دون بابك مقنع
اليك أبا العباس أحمل مدحةمطيتها- حتى توافيك- أشجع
فزعت الى جدواك فيها وانماالى مفزع الآمال يلجا ويفزع
فأنشدها أشجع الفضل؛ فوصل أخاه أحمد، ووصل جاريته ريم، ووصله.
قال أحمد بن الحارث: هذه القصيدة يرويها من لا يدرى لريم جارية أشجع، وهى لأحمد أخيه.
آخر أخبار أشجع وأخيه أحمد ومختار شعرهما
النص من طبعة شركة أمل بالقاهرة (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع