من «الأوراق: أخبار الشعراء» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)
وهذا مختار من مديحه على غير ما سقناه من توالى الحروف
قال يمدح الفضل بن الربيع:
أشكو الى نثرة الجنوبما ذكّرتنى من الحبيب
مدحك يابن الربيع أحلىعلى لسانى من النسيب
والشعر ميدان كل فخربحلبة سبقة النجيب
لما رأيت البروق تسريبكلّ ومض لها كذوب
هتفت بالفضل واللياليعلى مزرورة الجيوب
من شابه الناس في صباهوفضل الناس فى النسيب
وقال يمدح محمد بن منصور:
حيّ طيفا أتاك بعد المناميتخطى إليك هول الظلام
حيّه إذ أتاك بالرّقة البيضاء يسرى من البلاد الحرام
جاز بطن العقيق نحو سكارىمن عقار المسير صرعى نيام
هجعوا عند أينق ثم لفواثنى كف بفضل ثنى زمام
لمّت الشعث من سعاد ومنارسل بيننا من الاحلام
بخلت بالسلام عنا وجادتبهواها وطيفها فى المنام
إن كفي محمد لتجودان على مجتديه جود الغمام
قد أجرنا اليه في الليلة الدعجاء واليوم ذي الهجير الهيام
من يضع رجله بباب ابن منصور يضعه بباب أبيض سامي
لا يخاف الزمان من ظفرتكفاه منه بعصمة أو زمام
ملك لا يزال أول معدود إذا ما ابتدي بعدّ الكرام
جاعل ماله برغم الأعاديجنة بينه وبين الملام
يسبق الوعد بالنوال كمايسبق برق الغيوث صوب الغمام
وقال لعامر بن شقيق يعاتبه ويوبخه فى تغيره له عند ولاية وليها:
أبدل الله من رجائك ياعامر يأسا واليأس منك كثير
إن للملك حيرة تبهر العقل وظلّا كما يدور يدور
لا تقولن ليتنى كنت قدمت جميلا وقد طوتك الأمور
أنت فى سكرة الولاية أعمىفاذا ما انجلت فأنت بصير
فضحت ودك الولاية يا عامر مذ يوم قيل أنت أمير
لم تفدنى الأيام إلا غرورابك والمرتضى به مغرور
إن حبل الدنيا وإن طولتهلك واستحكمت قواه قصير
اركب الخافقين يابن شقيقفالى أشجع بن عمرو تصير
وعلى ودّك السلام فانىبك من بعدها عليم خبير
وقال يمدح قيس عيلان ويحذر عدوا لهم منهم:
إذا افتخرت قيس بطيب العناصرعلى الناس طاطا رأسه كلّ فاخر
هم صدعوا بالحقّ حتى تنفستأنوف الملوك وهى خشم المناخر
فقال فيها:
أجرّتك قيس من عنانك فضلةفكن لعنان الظلم أول قاصر
توق سيوفا قد أتتك ظباتهامقاديرها موصولة بالمقادر
فلو كنت بين الأبيضين تناولتنياطك أطراف السيوف البواتر
ولو أن قيسا لو أرادت شرارةلقوم أباتتهم على ظهر طائر
هم يطعمون الوحش من كل مترفويسقون ظمء البيض ماء الحناجر
وقال لبعض قومه يعاتبه:
فلا تحسبنّا حين نغضى على القذىبناصمم عن سوء رأيك أو عمى
ولكن تدبرنا الامور فلم نجدإلى شتم أعراض العشيرة سلّما
فلا تحسبنّ الأرض سدّت فروجهاعلىّ وأن الرزق أمسى محرما
فأبعد ما امسى وأصبح همةوأشرفها نفسا اذا كنت معدما
وقال يمدح جعفر بن يحيى:
عجبت لما رأتنيأندب الربع المحيلا
واقفا في الدار أبكىلا أرى الّا طلولا
جعل الشوق لعينيّ الى الدّمع سبيلا
ومغانى الحيّ ممايبعث الشوق الدخيلا
إنما أبكى ظباءكنّ بالأمس حلولا
ثم أضحوا تسحب الريح بمغناهم ذيولا
كلما قلت اطمأنتدارهم قالوا الرّحيلا
صاح فيهم صائح البين وما حطوا نزولا
ما أرى الأيام تبقين على حال خليلا
تصرف الخلّ إلي الصدّ وإن كان وصولا
ليتها إذ حرمتناوعدت وعدا جميلا
لم تدم يوما علىحال لها حتى تحولا
وجهها يحكى لنا الشمس وفوها السلسبيلا
ربّ خرق قد تعسفت له ميلا فميلا
طالبا من آل يحيىملكا يعطي الجزيلا
ملكا ألبس حسناوجلالا وقبولا
وقال يتشوق بغداد:
ألا ليت حيّا بالعراق عهدتهمذوي غبطة في عيشهم وليان
يرون دموعي حين يشتمل الدّجىعلي وما ألقى من الحدثان
إذا لرأوا جسما أضرّ به الهوىوعين معنى جمة الهملان
أمن بين ميمون يحنّ صبابةإلى أهل بغداد وتلك أمانى
بعدت وبيت الله ممن تحبّههواك عراقيّ وأنت يمانى
إذا ذكرت بغداد لى فكأنماتحرّك فى قلبي شباة سنان
وقال يمدح محمد بن منصور:
بخلت عليك بوصلها جملفكذاك جمل شأنها البخل
فقال فيها:
والى ابن منصور تجاذبناأعناقها فتكفّها الجدل
ملك يفيض سجال نائلهأبدا فليس يغبّه سجل
بذل الرجال بقدر ما ملكتوبجود جود يمينه البذل
فلغيره الأموال صامتةولنا التوسع والندى الجزل
فضلت يداه الفاخرين معافله على من فاخر الفضل
أمن الزّمان وريبه رجلفى ظلّ راحته له رحل
ثنتان يختلبان زائرهكرم ووجه ضاحك سهل
لا مجد نعرفه ولا كرمإلا ومنصور له أهل
وقال يمدحه:
ربع تعفّته الأعاصيروقّفني فالدمع محدور
ذكرت أيامي ولذّاتهافيه وعصر الّلهو مذكور
وإنّ من يبكى لربع خلالمستحير العقل مغرور
إنّ ابن منصور لأهل الندىفى كل وجه سلكوا نور
لا الخير محظور على طالبمنه ولا المعروف منزور
تدارك الثغر وقد غيرتسنّته روم مغاوير
وأوجبوا الرّق لأحرارهفالدين من ذلك موفور
فشرّد الطاغين سيف لهبالنصر والإسلام مشهور
أبدله عزا بلا ذلةإنّ ابن منصور لمنصور
قدّر للخير أبو الفضل والخير له مذكان مقدور
لولاه ما غارت ولا سيرتآمنة في سبلها العير
وقال يفخر بقيس ويصف الدنيا:
أرى الدهر يعطى مرّة ويسوّفويتلف أموالا مرارا ويخلف
ويخشن مسّاحين يمضي مولّياويسمح فى الإقبال لينا ويعطف
نحن إلى الدّنيا ونأمن غشهاوفيها لنا يوم من الشرّ متلف
إذا اكتحلت عين امريء بجمالهاأضاء لها منه جمال مزخرف
على أنها مشغوفة وهي فاركلعشّاقها ظلّامة ليس تنصف
إذا افتخرت قيس على الناس أشرفتبأيّامها هامات من يتشرّف
وقال فيها:
سيوف لها فى يوم بدر وقائعويوم حنين والقنا يتقصّف
لقيس حلوم يمطر البرّ غيمهاتعود على من عقّ منها وتخلف
ومدح فيها محمد بن يزيد السلمى فقال:
لأحمد يوم الحرب عند عدوّهمن الموت أدنى بالحتوف وأخوف
هو البدر في قيس يضيء ظلامهالحادث مجد بالقديم يؤلف
وقوف على طرق المنايا بسيفهمواقف لا يسطيعها المتكلك
وقال أيضا:
شجانى المنزل الدّرسوأطلال له خرس
وعهدي بصحون الذارتمشى بينها الشمس
فعادت بعدها خمسظباء بينها خمس
كأن الطلل الملتفّ في ثوب البلى طرس
لئن جرّت بها الريحذيولا وشيها درس
فقد كانت تجرّ العيط فيها الحوّ واللعس
ظباء بالعراقينعلى لباتها ورس
حشون الأزر أردافاثقالا وثرها ملس
يطيب الريق منهنّبعيد النوم واللمس
إذا ما عدن باللحظلصبّ عاده النكس
فأصبحت بأرض الشاملا عين ولا حسّ
وفتلاء الذراعينعليها الكور والحلس
كان الزبد الجعديعلى أشداقها برس
متى أركب بها الليلتجبه الجسرة الحرس؟
وقال يعاتب ابن الزبرقان:
اخ لك يا ابن الزبرقان على العهدركبت اليه الجور وهو على القصد
ظننت به سوءا وظنك تهمةيدلّ على أن قد تحولت عن عهدي
وما خالطت نفسى لنفسك تهمةوإن خلت فاسأل ود صدرك عن ودي
حبال الهوى بينى وبينك لم تزلتمرّ على شذر وتحكم في العقد
فهلّا رددت الظّن عنك بفكرةتدلك يا ابن الزبرقان على الرشد
ولكن أطعت الظنّ والظن مضعكبودّك إن لم تستعن بهوى جلد
وقال يهنىء أحمد بن يزيد بن أسيد السلمى بالعيد:
عيدان لا زالا يعودانعليك بالسعد يدوران
فى صحة منك وفي نعمةتدور مادار الجديدان
لو خيرت قيس بنى آدمكنت الرضا من ألف إنسان
يابن يزيد بن أسيد بكمتعاظمت قيس بن عيلان
أنتم لملك العز من هاشمأركان عزّ أىّ أركان
وقال يمدح أبا ياسر محمد بن جميل الكاتب:
ليس يقيم الأمور إن عدلتإلا أبو ياسر محمدها
يطلق ما يعقد الرجال ولاتطلق أشياء حين يعقدها
أكرم أملاكنا إذا ذكرتنفسا أبو ياسر وأمجدها
بنى جميل بناء مكرمةفهو بمعروفه يشيدّها
وقال يعاتب مسلما الكاتب:
أعرض فعندي لك إعراضإنى لأمثالك روّاض
لا خير في ود على تهمةولا جليس فيه إعراض
إنى لوصّال وإنى لمنيرفض منى الودّ رفاض
انهض بصدّ عنك إنى لماحملنى صدّك نهّاض
إن الولايات وان أبطرتيا مسلم الكاتب أعراض
اعتض إذا ما شئت من خلتىفإننى منك لمعتاض
عندى بإعراضك إعراضوبالذى أقرضت إقراض
قد يعجز المضمر عن غايةويبلغ الغايات انقاض
وقال لأحمد بن يزيد فى علته:
كيف أمسيت من شكاتك لازلت معافى ممتعا بالسلامه
يابن خال النبيّ أصبحت للمنعم نعمى وللكريم كرامه
ويزيد أبوك كان على الأعداءسيفا تقوم فيه القيامه
نال معروفك العراقين والشام ونجدا ويثربا واليمامه
ووردنا منه حياضا رواءورأينا آثاره بتهامه
وقال أيضا:
ظهر الحسينية موصوفونهرها بالرّيف محفوف
ان الحسينيّة فى مربعبه نسيم الربع مشعوف
برّية بحرية يلتقيفي جانبيها البدو والريف
يطيب قطراها ويصفو لهاجوّ صفاه الماء مكشوف
أكرم عرق مص ماء الثرىعرق على هارون معطوف
ارث النبيبن اليه انتهىمن آدم أبلج معروف
وقال أيضا:
أصحّ الله جسمك هل تقصتعنايات الدّواء بكشف داء
وكيف وجدت ما عالجت منهوهل أحمدت عاقبة الدواء
دعاك ضمان ربك كل وقتوعجل ما تحبّ من الشفاء
وأعقبك السلامة تصطفيهاوتصحب راحة بعد العناء
وقال يمدح عبد الملك بن صالح بن على الهاشمى:
أبين العيس والعرضوطول الارض والعرض
أقضى عمر الدنياعلى النقضة والنقض؟!
فقال فيها:
عظيم من بنى العباس يرضى الدهر ما يقضى
نقى الثوب من لؤمكريم وافر العرض
وبعض اللوم لا ينقيهـ ماء البحر بالرّحض
أسالته يد المجدفما قصّر في النهض
بحزم يلد العزموبعض الجسم من بعض
اليه صرف الرغبة أهل الحبّ والبغض
وقال من أبيات:
كم للك من مكرمة كلّ منجاراك في أمثالها تالى
مكارم قد ألبست أثوابهاكل جديد عندها بالي
أيقنت أنى فى جنان العلىحين أنيخت بك أجمالي
وقال ليحيى بن خالد:
يا راكب العيس التيأفنى عريكتها ابتكاره
ارحل الى يحيى وأيقن أن دار الجود داره
يحيى امرؤ، ترجى منافعه ولا يخشى ضراره
يعفو عن الذّنب العظيم وليس يعجزه انتصاره
صفحا عن الباغى عليهـ رقد أحاط به اقتداره
الخير يبطيء ذكرهوالشرّ يسبقه شناره
أصبحت جار البرمكيوليس يخشى الدهر جاره
بدر يشابه ليلهفي ضوء جدواه نهاره
ولما جاور يحيى بن خالد بمكة قال أشجع:
أبت نفس يحيى أن يدبر دولةتزول أواخيها ويفنى سرورها
ولما رأى الأيام تنقض مرةوتثقل أخرى وهى واه مريرها
تجافى عن الدنيا وقد فتقت بهحواضرها واستقبلته أمورها
وقد قال الخريمي في مثله:
شرى نفسه وأهله وبلادهثناء ولم يبخس ولم يتندم
وخلى عن الدنيا وقد أفرشت لهمحفّلة أخلافها لم تصرم
وقد اختار الناس له:
نعر الشباب بربة البردفمضت مخالفة عن القصد
سلّمت فالتفت الصدود بهاما كان ينقصها من الردّ
فاذا وصفت لها مواصلتىفزعت حداثتها إلى الصد
وإذا محاسن وجهها نطقتأثنى لها خد على خد
النص من طبعة شركة أمل بالقاهرة (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع