من «الأوراق: أخبار الشعراء» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)
مختار شعر أشجع فى مراثيه
قال يرثى منصور بن زياد:
أسعدي بالدّموع أو بالدماءليس هذا يا عين حين إباء
يخرق الموت في الصخر ويرقي فى القلة الملساء
لا استتار منه بأرجاء أرضلا ولا عصمة بجو السماء
يا رسولى ريب المنون إليهأى عز أبحتما للفناء
ليس تعفو كلوم مصرع منصور كرور الإصباح والامساء
وقال يرثى الرشيد، ويمدح الأمين:
سحابة حزن بعد هارون أطبقتفلما بدا وجه الامين تجلت
تحببت الدنيا بملك محمدوكانت بملك المرتضى قد تقلّت
لئن بكت الدنيا عليه وأعولتفبالمصطفى عن كلّ ماض تسلت
لقد رزئت أمرا عظيما وأعولتخليلا أعا
وقال يرثى احمد بن يزيد بن اسيد السلمى:
ويحها هل درت على من تنوحأسقيم فؤادها أم صحيح؟
جبل أطبقوا عليه بجرجان ضريحا ماذا أجن الضريح!
بليت حلة المكارم في الناسوقلّ المميح والمستميح
رحم الله أحمد بن يزيدرحمة تغتدي وأخرى تروح
ذهب الأعظمون من قيس عيلان تباعا يتلو الصريح الصريح
ان أطافت به المراثى قريبافقديما أطاف فيه المديح
سخنت أعين الجياد عليهوبكى فقده القنا والصفيح
فسوام الدموع بعدكيا أحمد في كلّ مقلة مسروح
وقال يرثى الرشيد:
يا صاحب العيس تخدي في أزمتهااسمع مقالى وأسمع صاحب العيس
اقر السلام علي قبر بطوس ولاتقر السلام ولا تعمى على طوس
إن المنايا أنالته مخالبهاودونه عسكر جمّ الكراديس
أوفى عليه الذى أوفى بأشبلهوالموت يلقى أبا الأشبال في الخيس
من كان مقتبسا من نور سابقةإلى النبيّ ضياء غير مقبوس
فى منبت نهضت فيه فروعهمبسامق فى بطاح الملك مغروس
والفرع لا يلتقي إلا على ثقةمن القواعد قد شدت بتأسيس
وقال يرثى محمد بن زياد وامرأته أم محمد بن منصور:
يعزّ علينا أن ركنى محمدأصابهما ريب الردى فتصدعا
تداعى له الركن الذى كان يرتجىوأتبعه المقدار ركنا فضعضعا
كأن المنايا تبتغى عنده لهاترات فما ينفك منها مروّعا
أب مشفق برّ وأم حفيّةسطت بهما الأيام سطوة أروعا
وفي الدهر أسوات ولكن تقاربتلياليهما فاستنفد الصبر أجمعا
تناوب إتيان الجديدين لم يدعمن الناس إلا آلم القلب موجعا
ومن ذا الذى يبقى على سوق ليلةويوم إذا احتثا مطيته معا؟
وقال يرثى الرشيد:
بقائي على ريب الزمان قليلوإنىّ على عزّى به لذليل
رأيت لداتى قد مضوا لسبيلهموإن بقائي بعدهم لقليل
فلا تبخلي بالدمع عنّي فان منيضنّ بدمع عن هوى لبخيل
رأيت المنايا تصدع الصخر والصفاوتصدع صدر السيف وهو صقيل
كأن لم ترى هارون فى ظلّ ملكهتسنمه يوم عليه ثقيل
ومن دونه سمر عجاف صدورهايقيل وحيّ الموت حيث تقيل
منازل هارون الخليفة أصبحتلهن على شاطى الفرات عويل
منازل أمست فى السياق نفوسهاسلبن رداء الملك وهو جميل
لبسن حلىّ الملك ثم سلبنهافهن ولا حلي لهن عطول
يذكرني هارون آثار ملكهوذلك ذكر إن بقيت طويل
إذا ماسطا عز المنايا فانهسواء عزيز عنده وذليل
وقال يرثى الرشيد ويمدح الأمين:
امام قام حين مضى إمامنظام ليس ينقطع النظام
بكى ذاك الأنام أسى ووجداوسرّ بذا الذي قام الأنام
مضي الماضي وكان لنا قواماوهذا بعد ذاك لنا قوام
إمامان استقرّ بذا قراروحوّل ذاك فاخترم الحمام
على ذاك السلام غداة ولىودام لذا السلامة والسلام
سهام الموت تقصد كل حىّومن ذا ليس تقصده السهام؟
أمير المؤمنين ثوى ضريحابطوس فلا يحسّ ولا يرام
كأن لم تغن في الدنيا وتغدوإلى أبوابه العصب الكرام
ولم ينحر بمكة يوم نحرولم يبهج به البلد الحرام
ولم يلق العدوّ بمقرياتيهيم أمامها جيش لهام
أقول لساكن قبرا بطوسسقاك ولاسقى طوس الغمام
لأظلم كلّ ذى نور ولكنبوجه محمد كشف الظلام
ولولا ملكه إذ غبت عنالما ساغ الشراب ولا الطعام
فقد حىّ الحلال به فدرتلنا التقوى ومات به الحرام
وقال يرثى محمد بن منصور [بن زياد]
أنعي فتى الجود إلى الجودما مثل من أنعي بموجود
أنعي فتى أصبح معروفهمنتشرا في البيض والسود
أنعي ابن منصور الى مسلملأسره في القد مصفود
[أنعي فتى مص الثرى بعدهبقية الماء من العود
قد ثلم الدهر به ثلمةجانبها ليس بمسدود
أنعي فتى كان ومعروفهيملأ ما بين ذرى البيد]
[فأصبحا بعد تساميهماقد جمعا فى بطن ملحود]
اليوم نخشى عثرات الندىوسطوة البخل على الجود
من لم يكن سائله ممسكامنه بأذناب المواعيد
وكلّ مفقود عدلنا بهوإن تغالى غير مفقود
لا خير فى الدنيا وقد أغلقتأبوابها دون الفتى المودي
وقال يرثى أخاه:
أأدهن رأسي أو تضاعف كسوتىورأسك معفور وأنت سليب
فأقسم لا أصبو إلي عيش لذةوقد ضمّ لحييه عليك قليب
ولا زلت أبكي ما تغنت حمامةعليك وما هبت صبا وجنوب
وما حملت عين من الماء قطرةوما اخضر في دوح الاراك قضيب
بكائي كثير والدموع قليلةوأنت بعيد والمزار قريب
فلا يفرح الباقي خلاف الذي مضىفكلّ فتى للموت فيه نصيب
أخ كان منّي في حمى لا يحلهسواه ولا يفضي اليه غريب
تعجب سلمى من مشيب ذؤابتىوعمر أبيها إنه لعجيب
ومثل الذي لو تعلمين أصابنىبه الدهر يبلي رمتي ويشيب
رزئت أخا لا ينتجي القوم دونهإذا ضمهم يوم أصمّ عصيب
أبعد أخي يصفولي العيش إننىإذا لمضيع للعهود كذوب
نسبيبك من أمسى يناجيك طرفهوليس لمن تحت التّراب نسيب
أضيق بأمري حين أذكر أحمداوصدرى بأوراد الامور رحيب
ندبّ وننسى أننا بمضيعةوللّيل فينا والنهار دبيب
وكل فتى يوما وإن طال عمرهسيدعى إلى ما ساءه فيجيب
وقال يرثيه:
لئن أنا لم أدرك من الدمع ثأرياولم أشف قرحا داخلا في فؤاديا
لتخترمنىّ الحادثات وحسرتيبأحمد في سوداء قلبي كما هيا
لقد أفسد الدنيا علي فراقهوكدر منها كلّ ما كان صافيا
تخلصت الأيام لا درّ درهاحبال ابن أمي أحمد من حباليا
وباعد ما قد كان بينى وبينهمن القرب أيام تسوق اللياليا
كأن يمينى يوم فارقت أحمداأخى وشقيقي فارقتها شماليا
وما كانت الأيام بيني وبينهولا فرح اللذات إلّا عواريا
خليليّ لا تستبطئا ما انتظرتمافان قريبا كل ما كان آتيا
[ألا تريان الليل يطوي نهارهوضوء النهار كيف يطوي الليالى
هما الفتيان المترفان اذا انقضتشبيبة يوم عاد آخر ناشيا]
ويمنعني من لذة العيش أننيأراك إذا فارقت لهوا ترانيا
وقال فى عيسى بن جعفر:
أنعي فتى كل الفتىأنعى أبا موسى الندى
أنعى إلى قمر السماء وشمسها شمس العلى
إن النجوم بكت لهولمجده فيمن بكى
وبكى له ما بين منخرق الدبور إلى الصبا
أبلى رداء شبابه- فى حين جدّته- البلى
ألبستني ثوب الردىوسلبتني طيب الكرى
ومحوت من ضوء النهار وزدت فى ظلم الدجى
كادت عليك جوانحيتنقدّ من حرّ الأسى
وتنفّس تستله الأحزان من تحت الحشا
شبع الثرى من حسن وجهك لا هنا الشبع الثرى!
وقال أيضا:
وغريبة تبكي غريب محلةوقفت بجانب قبره تتفجع
وتقول واضر الحياة مضى الذيكنا نضرّ به وكنا ننفع
وتقول كيف وجدت مضجعك الذيأمسيت [فيه] فقد نبأ بى المضجع
مالي أنيس غير ذكرك ما خلاقلبا يئنّ وشأن عين تدمع
وكثيرة العبرات جلّ بكائهاخطب إليه نفسها تتطلع
وترى شواهدها إذا ما استعبرتتصف البكاء وعينها لا تدمع
ثكلى ثلاثا ثم تظهر بعدهاعين مكحلة وجيد أتلع
ومحاسن تدعو إلى استطرافهامنها السوالف والأثيث الأفرع
فاذا نظرت الى استجاعة ودهاأيقنت أن لها هوى لا يشبع
تلك التى ان أخرت لا ترتجىأو أقدمت فلمثلها لا يفرع
وقال يرثى أحمد بن يزيد بن أسيد السلمى:
على قبر بجرجان السلاموإن بعد الملام فلا ملام
على قبر به أشلاء بدرأصيب به من الشرف السنام
أقول لصاحبيّ وخبرانىبحيث القبر والملك اللهام
صلاة الله ربكما وربىعلى قبر به تلك العظام
بمصرع أحمد عزّ الأعادىوذل الرمح والسيف الحسام
فلم أر مثل أحمد يوم ولىحمام نال مهجته الحمام
عليك ولا على جرجان منىسلام الله ما بقي السلام
أقمت بغربة فى ظل داريطول بها التغرّب والمقام
وكنا ناظريك بكل فجّكما للغيث ينتظر الغمام
أبعدك تتقى نوب الليالىلقد صغرت بك النكب العظام
عزيز بنى سليم أقصدتهسهام الموت وهي له سهام
وقال يرثى:
مضى ابن سعيد حين لم يبق مشرقولا مغرب الا له فيه مادح
وما كنت أدري ما فواضل كفهعلى الناس حتى غيبته الصفائح
فأصبح في لحذ من الأرض ميتاوكان به حيا تضيق الصحاصح
مضى حين مدّ المجد أطناب بيتهعليه وأمته الأمور الفوادح
وحين استهانت نزح كلّ تنوفةإلى جود كفيه الرّقاق النوازح
فان سفحت عينى عليه دموعهافقلّ له منها الدموع السوافح
سأبكيك ما فاضت دموعي فان تغضفحسبك منى ما تجنّ الجوانح
وما أنا من رزء وان جل جازعولا لاغتباط بعد موتك فارح
[كان لم يمت حيّ سواك ولم تقمعلى أحد إلا عليك النوائح]
لئن حسنت فيك المراثى وذكرهالقد حسنت من قبل فيك المدائح
قال أبو بكر: وقد قال قبله مطيع بن إياس فى يحيى بن زياد الحارثى:
يا خير من يحسن البكاء له اليوم ومن كان أمس للمدح
وقال أشجع:
جارية تهتزّ أطرافهامشبعة الخلخال والقلب
أشكو الذى لا قيت من حبّهاوبغض مولاها إلى ربى
من بغض مولاها ومن حبهابقيت بين البغض والحبّ
فاعتلجا في الصدر حتى استوىأمراهما فاقتسما قلبي
فأخذه أحمد بن يوسف فقال:
قلبي يحبّك يامنىقلبي ويبغض من يحبك
لأكون فردا فى هواك فليت شعرى كيف قلبك!
وقد أوضحه أحمد وجاء بالعلة، فقال عبد الصمد وأكثر:
لي حبيب أنا أهواهـ على ما كان فيه
لي موتان بحبّيه وبغضى لأبيه
ليس بغضى لأبيهدون بغضي لأخيه
أشتهى موتاهمامثل اشتهاي اللثم فيه
وله أيضا، وأنشدنى الجميع أبو ذكوان وأبو خليفة:
لي حبيب أضربى ما ألاقيمن فتونى به ومقت أبيه
سامنى القرب من أبيه، وبغضى لأبيه أشد من حبّيه
لي موتان من هوى ذا وبغضي لهذا، وليس لي من شبيه
وقال هارون بن على:
أنت الفداء لمن عصاني في الهوىوغدا لأمرك سامعا ومطيعا
يا أبغض الثّقلين غير مدافعوأيا أحبهم إليّ جميعا
على أن أبا الشيص قد قال:
جارية تسحر عيناهاأسفلها يجذب أعلاها
أصبحت أهواها وأهوى الردىلكل من أصبح يهواها
نفسي على أمرين مطبوعةحبي لها أو بغض مولاها
قد ملكتني وهي مملوكةفصرت أخشاه وأخشاها
آخر أمر أشجع
النص من طبعة شركة أمل بالقاهرة (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع