من «الأوراق: أخبار الشعراء» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)
اخبار ابى الوليد أشجع بن عمرو السّلمى ومختار شعره
وقيل إنه كان يكنى أبا عمرو.
وقال أبو بكر بن محمد بن يحيى الصولي: حدّثنا محمد بن الفضل بن الأسود قال: حدّثنا أبو عبد الله احمد بن أبى فنن وكان لا شجع السلمي أخوان أحمد وحريث، وكان إماميا ثم تأدّب بالبصرة وربى بها ثم ادّعي إلى سليم بن منصور ابن عكرمة بن حفصة بن قيس عيلان، ثم شخص الى الرقة.
حدّثنا عون بن محمد الكندي، قال: سمعت إدريس بن أبى حفصة يقول:
كان أشجع شاعر قيس عيلان فى وقته، لم يكن فيهم غيره، فصححوا نسبه وتعصبوا له، ألا ترى أن الشعراء أيام الرشيد ليس فيهم من قيس عيلان أحد، ولا مذ أوّل هذه الدولة الا بشار بن برد مولى بنى عقيل بن كعب ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس، وكان يفخر بقيس، فلما مات لم يجدوا غير أشجع وأكثر الشعراء أيام هارون الرشيد من اليمن وربيعة، قال: ولأحمد أخى أشجع شعر قليل، وما بلغنا أن لأخيه حريث شعرا.
حدّثنا الحسن بن عليل العنزى، قال، حدّثنا على بن الفضل السلمى، قال:
أشجع بن عمرو، من ولد الشريد بن مطرود السلمى وتزوج أبوه بامرأة من أهل اليمامة فشخص معها فولد له أشجع ثم قدم الى البصرة فربى بها وتأدب، ثم خرج الى الرقة، فنزل على بنى سليم فقبلوه وأكرموه.
حدّثنا عون بن محمد، قال: حدّثنا صخر بن أسد بن جبيلة السّلمي، قال:
حدّثنا أشجع السلمى، قال: قدمت الرقة وكان شخوصي اليها من البصرة فوجدت الرشيد غازيا ونالتنى خلة فخرجت حتى لقيت الرشيد منصرفا من الغزو، فلما وصلت الى الرقة- وكنت قد اتصلت ببعض أهل داره- صاح صائح بباب داره من كان من الشعراء فليحضر في يوم الخميس، فحضرنا سبعة أناثا منهم، فأمرنا بالبكور يوم الجمعة، فبكرنا وأدخلنا وقدم واحد واحد ينشد على الأسنان، وكنت أحدث القوم سنا وأرثهم حالا، فما بلغ الىّ حتى كادت الصلاة [أن] تجب، فقدمت والرشيد على كرسي وأصحاب الاعمدة سماطان بين يديه فقال لي أنشدنى فخفت أن أبتدىء من أول القصيدة بالتشبيب فتجب الصلاة [ويفوتني ما أردت فتركت التشبيب] فأنشدته من موضع المدح من قصيدة أولها:
تذكر عهد البين، وهو لها تربوأيام يصبي الغانيات ولا يصبو
فأنشدت المدح:
إلى ملك يستغرق المال جودهمكارمه نثر ومعروفه سكب
وما زال هارون الرّضى بن محمدله من مياه النصر مشربها العذب
متي تبلغ العيس المراسيل بابهبنا فهناك الرّحب والمنزل الرحب
وما بعد هارون الإمام لزائريرجّى الغنى جدب ولا دونه خصب
لقد جمعت فيك الظنون ولم يكنلغيرك ظنّ يستريح له قلب
جمعت ذوي الأهواء حتى كأنهمعلى منهج بعد افتراقهم ركب
بثثت على الأعداء أبناء دربةفلم تقهم منهم حصون ولا درب
فما زلت ترميهم بهم متفرّداأنيساك حزم الرأى والصّارم العضب
جهدت فلم أبلغ علاك بمدحةوليس على من كان مجتهدا عتب
فضحك الرشيد وقال: خاف أن تفوته الصلاة فأسقط تشبيبه، وابتدأ بمدحه، فاختصر وأبلغ! أضعفوا له ما أعطينا أصحابه فأعطيت عشرين ألف درهم، ولكل واحد
عشرة آلاف درهم.
حدّثنا محمد بن سعيد، قال: حدّثنا ابن أبى سعيد عن محمد بن عبد الله ابن طهمان قال: حدّثنى أحمد بن سيار الجرجانىّ الشاعر، قال: دخلنا يوما على الرشيد بالرّقّة- وقد فرغ من قصره الأبيض- أنا والتّيميّ بن محمد وابن رزين وأشجع، وكان قد ضرب أعناق قوم، فجعلنا نتحلل الدم فابتدأ التيمى فأنشده شعرا كأنما ينثر به درا ثم أنشده أشجع:
قصر عليه تحية وسلامنشرت عليه جمالها الأيّام
فلما بلغ إلى قوله:
وعلى عدوّك يا ابن عمّ محمّدرصدان ضوء الصبح والاظلام
فاذا تنبّه رعته واذا غفاسلّت عليه سيوفك الأحلام
وكان الرشيد متكئا فاستوى جالسا، ودنوت أنا فأنشدته بعد أشجع:
زمن بأعلى الرقمتين قصيرلم يثنه للحادثات غرير
لا تبعد الأيّام إذ زمن الصباغضّ وإذ غصن الشباب نضير
فأعجب بشعرى، وقال: قل للمغنين يعملوا ألحانا في تشبيب هذه القصيدة وخرجت لنا صلة فاقتسمناها علي سواء.
حدّثنا الطيب بن محمد الباهلى، قال: حدّثنا أحمد بن سعيد بن سالم عن أبيه قال قد كنت عند الرشيد فدخل أشجع ومنصور النمري فانشده النمري قصيدته:
ما تنقضى حسرة منى ولا جزعإذا ذكرت شبابا ليس يرتجع
فمرّ والله في قصيدته قلما يقول العرب مثلها ثم أنشده أشجع:
قصر عليه تحية وسلام
فجعلت أرفع منه وتعصبت للقيسيّة، فلما بلغ بيته
وعلى عدوّك يا ابن عم محمد
(البيتين) وقد ذكرنا هما استحسن ذلك الرشيد فأومأت إلى أشجع أن يسكت فلم يفعل، ومر في شعره ففتر الرشيد بعد البيتين، وكان عالما بالشعر، ثم ضرب بمخصرة معه الأرض: وقال، إن الشعر في ربيعة [سائر اليوم] فلما خرجت، قلت لا شجع: ويحك ألامت بعد البيتين؟
حدّثنا الغلابى، قال حدّثنا موسى بن سعيد بن سالم عن أشجع، قال قال لي الرشيد، من أين أخذت قولك، وعلى عدوك: البيتين؟ فقلت لا أكذب والله من قول النابغة.
فإنّك كالليل الذي هو مدركيوان خلت أنّ المنتأى عنك واسع
فقال صه، هو عندي من كلام الأخطل لعبد الملك بن مروان وقد قال له:
أنا مجيرك من الجحّاف. فقال: من يجيرنى منه إذا نمت؟
حدّثنا أبو على الحسن بن على الزازي: قال: حدّثنا أحمد بن أبى فنن، قال: جلس جعفر بن يحيى على الصّالحية، فشرب بمستشرف لها إذ جاءه أعرابى من بنى هلال بن عامر، فشكى خلّة واستماحه بأحسن لفظ، وأفصح لسان وكان أشجع السلمىّ حاضرا فقال جعفر: أتقول يا هلالي الشعر؟ قال: قد كنت أتملح به حدثا
ثم سئمته شيخا، فقال: فأنشدنا لشاعركم حميد بن ثور. فقال أشجع: والله لا ينشد الا مدحتك في مثل قافيته فأنشد الهلالي لحميد بن ثور:
لمن الديار بجانب الحمسكمحطّ ذى الحاجات بالنفس
حتى أتى على آخرها، فاندفع أشجع وقد عمل أبياتا إلى أن فرغ من الإنشاد:
ذهبت مكارم جعفر وفعالهفي الناس مثل مذاهب الشّمس
ملك تسوس له المعالى نفسهوالعقل خير سياسة النفس
فاذا تراءآه الملوك تراجعواجهر الكلام بمنطق همس
ساد البرامك جعفروهم الأولى- بعد الخليفة- سادة الأنس
ما ضرّ من قصد ابن يحيى راغبابالسعد حلّ به أم النحس
فاستحسن ذلك جعفر منه، وقال صف موضعنا هذا، فقال:
قصور الصالحيّة كالغذارىلبسن ثيابهنّ ليوم عرس
مطلات على بطن كستهأيادي الماء نسجا وشي غرس
اذا ما الطّلّ أثر في ثراهتنفس نوره من غير نفس
تغبقه السماء بصبغ ورسوتصبحه كئوس غير شمس
قال جعفر: يا هلالىّ كيف ترى صاحبنا، قال أرى خاطره طوع لسانه، وبيان الناس تحت بيانه، وقد جعلت ما تصلنى به له، قال: بل نقرّك يا أعرابى ونرضيه، فأمر للأعرابى بمائة دينار، ولأشجع بضعفها.
حدّثنا أحمد بن اسماعيل، قال: حدّثنا ابن أبى فنن، قال: حدّثنى داود ابن مهلهل قال: كان أشجع ينشد جعفر بن يحيى حين خرج ليصلح أمر الشام وكان يعظ الناس في كل جمعة، فأنشده بعقب الطعام:
فئتان طاغية وباغيةجلت أمورهما عن الخطب
قد جاء كم بالخيل شاريةينقلن نحوكم رحا الحرب
لم يبق الّا أن تدور بكمقد قام هاديها على قطب
فأمر له بمائة دينار، وقال: دائم القليل خير من منقطع كثير، قال: وكان يعطيه في كل جمعة مائة دينار مدة مقامه حدّثنا جبلة بن محمد الكوفيّ، قال: حدّثنى عبد الرحمن بن النعمان السلمى، قال: كنا بباب جعفر بن يحيى فقيل لنا: انه عليل لا اذن عليه، فكتب أشجع رقعة، ثم دفعها الى الحاجب وفيها:
لما اشتكى جعفر بن يحيىفارقنى النوم والقرار
ومرّ عيشي عليّ حتىكأنّما طعمه المرار
حزنا على جعفر بن يحيىلا حقّق الخوف والحذار
إن يعفه الله لا نبالىما أحدث الليل والنهار
فأدخل الرقعة ثم خرج، فأدخل أشجع وحده، وصرف الناس.
حدّثنا محمد بن أحمد المقدّمي، قال: حدّثنا الحارث بن الحسين، عن محمد بن على أن أشجع السلمىّ كتب الى الرشيد، وقد أبطأ عنه شيء أمر له به:
أبلغ أمير المؤمنين رسالةلها عنق بين الرواة فسيح
بأن لسان الشعر ينطقه النّدىويخرسه الإبطاء وهو فصيح
فأعجب بيتاه الرشيد، وأمرله بترويج صلته.
حدّثنا جبلة بن محمد، قال: حدّثنى أحمد بن [محمد بن] منصور بن زياد، وكان يقال لمحمد أبيه فتى العسكر، قال: أقبل أشجع السلمى إلى باب أبى، فرأي ازدحام الناس عليه، فقال:
على باب ابن منصورعلامات من البذل
جماعات وحسب الباب نبلا كثرة الأهل
فبلغ بيتاه هذان أبى، فقال: هما والله أحبّ شيء مدحنى به إلىّ.
حدّثنا أحمد بن أبى خيثمة، قال: حدّثنا سليمان بن أبى شيخ، قال: اعتلّ يحيى بن خالد، ثم صلح فدخل اليه الناس يهنئونه بالعافية، ودخل أشجع فأنشده:
لقد قرعت شكاة أبى علىّقلوب معاشر كانت صحاحا
فإن يدفع لنا الرحمن عنهصروف الدهر والأجل المتاحا
فقد أمسى صلاح أبى علىّلأهل الدّين كلّهم صلاحا
إذا ما الموت أخطأه فلسنانبالي الموت حيث غدا وراحا
قال: وما أذن ذلك اليوم لأحد في النشيد سواه لاختصاص البرامكة له.
حدّثنا الحسين بن يحيى قال حدّثنا اسحاق الموصلي، قال: لما انصرف الرشيد من غزوته التى فتح بها هرقلة، قدم الرقة فى آخر شهر رمضان، وعيّد وجلس للشعراء، فدخل أشجع فأنشده:
لا زلت تنشر أعيادا وتطويهاتمضي بها لك أيام وتثنيها
مستقبلا بهجة الدّنيا ولذّتهاأيامها لك نظم فى لياليها
العيد والعيد والأيام بينهماموصولة لك لا تفنى وتفنيها
ولا تقضّت بك الدنيا ولا برحتيطوي لك الدهر أياما وتطويها
وليهنك الفتح والأيام مقبلةإليك والنصر معقودا نواصيها
أمست هرقلة مكلوما جوانبهاوناصر الدين بالتدبير يرميها
ملكتها وقتلت الناكثين بهابنصر من يملك الدّنيا وما فيها
ماروعي الدين والدنيا على قدمبمثل هارون راعيه وراعيها
فأمر له بألف دينار، وقال: لا ينشدنا أحد بعده! فقال أشجع: والله لأمره بألّا ينشد أحد بعدى أحب إلي من صلته لي.
قال أبو بكر: وحدّثنى على بن العباس النّوبختى، قال: حدّثنى البحتري، قال: كنت فى مجلس فيه علىّ بن الجهم؛ فتذاكرنا الشعراء المحدثين؛ فمرّ ذكر أشجع، فقال فيه عليّ: ربما أخلى. فلم أدر ما قال؛ وأنفت من سؤاله عن معناه. فانصرفت إلى منزلي فنظرت في شعر أشجع، فاذا هو ربما مرت له الأبيات مغسولة خالية من المعاني واللفظ [فعلمت] أنه أراد ذلك وأن معناه أن الرامى إذا لم يصب من رشقه كله الغرض بشىء قيل أخلى فجعل ذلك قياسا.
حدّثنا الحسين بن فهم، قال: حدّثنا حماد بن اسحاق قال شرب محمد بن منصور الدواء، وكان أمر عسكر هارون الرشيد يدور عليه، لموضعه من الرشيد ومن البرامكة وصداقته الفضل بن الربيع، وهو في عدادهم فكتب إليه أشجع:
أصحّ الله جسمك ذو العلاءوأعقبك السلامة في الدّواء
وأبدلك الإله به صلاحاوعافية تمحّق كلّ داء
وألبسك المليك رداء عمرعلى الأيام ممدود البقاء
شفاك الله طاوي كل سقمفإنّ العيش فى بشر الشّفاء
فقد أنزلت من قحطان بيتارفيع السّمك متّسع الفناء
فقال محمد بن منصور: ما جاءتنا اليوم هدية أحسن من هدية أشجع، وحمل إليه صينية فضة فيها ندّ أهدى إليه، فكان [يقوّم] بمال عظيم قال أبو بكر: وجدت بخط إسحاق الموصلى: ولّى الرشيد جعفر بن يحيى خراسان، فجلس للناس يهنئونه، وأنشده الشعراء ودخل فى آخرهم أشجع فقال: أتأذن فى إنشاد شعر قضيت به حقّ سؤددك وكمالك، وخفّفت به ثقل أياديك عندي؟ فقال: هات يا أبا الوليد، فإنك أكثر شعرائنا برّا بنا، فأنشده وذكر خروجه:
أتصبر يا قلب أم تجزعفإنّ الديار غدا بلقع
غدا يتفرّق أهل الهوىويكثر باك ومسترجع
إلى أن بلغ قوله:
ودوّيّة بين أقطارهامقاطع أرضين لا تقطع
تجاوزتها فوق عيرانةمن الرّيح فى سيرها أسرع
إلى جعفر نزعت رغبةوأىّ فتى نحوه تنزع
فما دونه لامرىء مطمعولا لامرىء غيره مقنع
ولا يرفع الناس من حطّهولا يضعون الذى يرفع
يريد الملوك مدى جعفرولا يصنعون كما يصنع
وكيف ينالون غاياتهوهم يجمعون ولا يجمع
وليس بأوسعهم فى الغنىولكنّ معروفه أوسع
يلوذ الملوك بآرائهإذا نالها الحدث الأفظع
بديهته مثل تدبيرهمتى رمته فهو مستجمع
[إذا هم بالأمر لم يثنههجوع ولا شادن أفرع
ففى كفه للغنى مطلبوللسّر في صدره موضع]
وكم قائل إذ رأي ثروتىوما فى فضول الغنى أصنع
غدا فى ظلال ندى جعفريجرّ ثياب الغنى أشجع
كأنّ أبا الفضل بدر السماء لعشر مضت بعدها أربع
فقل لخراسان تحيا فقدأتاها ابن يحيى الفتى الأروع
قال: فأقبل عليه جعفر [بن يحيى ضاحكا واستحسن شعره وجعل] يخاطبه كما يخاطب الأخ أخاه، بنثر أحسن من نظمه، ثم أمر له بألف دينار فحسدته علي جودة شعره، وعلى خطاب جعفر له، واستصغرت ما أمر له به.
قال أبو بكر: وقال لى يوما عبد الله بن المعتز من أين أخذ أشجع؛
وليس بأوسعهم فى الغنىولكنّ معروفه أوسع
فقلت: من قول موسى شهوات لعبد الله بن جعفر [بن أبى طالب] عليه السلام
ولم يك أوسع الفتيان مالاولكن كان أرحبهم ذراعا
فقال: أصبت، هكذا هو.
وأنشدنا المبرّد يوما أبياتا، ولم يسم شاعرها، وقال: لا أعرف في وصف أصحاب المعارف أحسن منها، وهى:
سلبنى نهيك طاعة لو أنهارجمت بركز متالع لم تكلم
قوم إذا غمزوا قناة عدوّهمحطموا جوانبها ببأس محطم
في سيف إبراهيم خوف واقعلذوى النفاق وفيه أمن المسلم
ويبيت يكلأ والعيون هواجعمال المضيع ومهجة المستسلم
ليل يواصله بضوء نهارهيقظان ليس يذوق نوم النّوّم
شدّ الخطام بأنف كل مخالفحتى استقام له الذى لم يخطم
لا يصلح السلطان الا شدةتغشي البرىء بفضل ذنب المجرم
[ومن الولاة مقحم لا يتّقىوالسيف تقطر شفرتاه من الدم]
منعت مهابتك النفوس حديثهابالشيء تكرهه وإن لم تعلم
ونهجت فى سبل السياسة منهجافهّمت مذهبه الذى لم يفهم
فكتبوها ولم أكبها، فقال لي: لم لا تكتبها، فقلت أنا أحفظ القصيدة. فقال لى لمن هى؟ فقلت: لأشجع السلمى فقال فيمن؟ فقلت فى ابراهيم وعثمان ابنى نهيك قال. فأنشدنيها، فأنشدته.
لمن المنازل مثل ظهر الأرقمقدمت وعهد أنيسها لم يقدم
فتكت بها سنتان يعتورانهابالعاصفات وكلّ أسحم مرزم
دمن إذا استثبتّ عينك عهدهارجعت إليك بناظر المتوهم
ولقد طعنا الليل فى أعجازهبالكأس بين غطارف كالأنجم
يتمايلون على النعيم كأنهمقضب من الهندى لم تتثلم
والليل مشتمل بفضل ردائهقد كاد يحسر عن أغرّ أرثم
[فإذا أدارتها الاكفّ رأيتهاتثنى الفصيح إلى لسان الأعجم
وعلى بنان مديرها عقيانهامن سكبها وعلى فضول المعصم
تغلى اذا مالشّعريان تلظّتاصيفا وتسكن في طلوع المرزم
ولقد فضضناها بخاتم ربهابكرا وليس البكر مثل الأيّم
ولها سكون فى الإناء وخلفهاشعب يطوّح بالمكميّ المعلم
تعطي على الظلم الفتى بقيادهاقسرا وتظلمه إذا لم يظلم]
فضحك وقال: حسبك أنت مفروغ منك.
قال الصولى: وقال لي الراضى بالله يوما وقد وقف على نهر وكان يحفظ أكثر شعري لا أعرف في صفة نهر لقديم ولا محدث إلا كلمات ابن الرومي:
على حفافي جدول مسجورأبيض مثل الهرق المنشور
أو مثل متن المنصل المشهورينساب مثل الحية المذعور
وأبياتك ثم أنشدها- وهى لى من قصيدة نحو مائة بيت وصفت فيها الرياحين والرّوضة ونهر أبا-
بنهر ترعد أحشاؤهإذا علاه دارج النسم
ويقشعرّ الجلد من مائهكأنما يرعد من جرم
وينسج الريح دروعا بهينظمها فيه بلا نظم
في روضة أشرق نوّارهاتضاحك الأنجم بالنجم
كأنه الفضّة قد أجريتما بين وشى مسرّق الرقم
آبّا لها يفقدها فقدهوالبيت لا يفقد باليتم
ترضع أخلافا له برّةلم يمرها الحالب من هضم
تنفّست بالماء حافاتهتنفّس المغتاظ عن كظم
وامتدّ للأعين فى طولهمن غير تعويج ولا وصم
كأنه من حسن تقويمهغلوة رام قاصد السهم
فقلت له: قد قال أشجع السلمي:
أجرى الامام الرشيد نهراعاش بإجرائه الموات
جاد عليه بريق فيهوسرّ مضمونه الفرات
ألقحه درة لقوحايرضع أخلافها النبات
على رياض له نباتما ولدتهنّ أمهات
للماء من فوقها انتباهوللثرى تحتها سبات
في جانبيه وجانبيهاأعنّة الماء مطلقات
فاستحسنها وكتبتها له فحفظها.
قال أبو بكر: حدّثنا الباقطاي قال حدّثنا الغلابى، قال: حدّثنا مهدي، قال:
أعطى جعفر بن يحيى مروان [بن أبى حفصة] عن مدح له ثلاثين ألف درهم، وأعطى أبا النضير عشرين ألفا وأشجع ثلاثة آلاف، وكان أول ما اتصل به فكتب أشجع اليه:
أعطيت مروان الثلاثين التى حلت رعاثه
وأبا النضير وإنماأعطيتنى معهم ثلاثه
ما خاننى حوك القصيد وما أتهمت سوى الحداثه
فأعطاه عشرين ألفا.
حدّثنا عون بن محمد الكندي، قال لما عزل الرشيد جعفر بن يحيى عن خراسان وقد كان سماها له وكتب كتبه [وعقد له العقد] وأمر ونهى ودبّر مديدة ومدح بأشعار [فوجم لذلك جعفر] إلى أن دخل عليه أشجع فأنشده:
أمست خراسان تعزّى بماأخطأها من جعفر المرتجى
كان الرشيد المعتلى أمرهولى عليها المشرق الأبلجا
ثم أراه رأيه أنهأمسى إليه منهم أحوجا
كم فرّق الدهر بأسبابهمن محصن أهلا وكم زوّجا
وكم به الرحمن من كربةفى مدّة تقصر قد فرّجا
فقال له جعفر: قمت والله بالعذر [لأمير المؤمنين] وأصبت الحق وخففت نقل العزل، فسل ما شئت. قال: قد كفانى جودك على وتفقدك لى هذر المقال وذلّ السؤال.
قال أبو بكر: حدّثنى أبو حفص السلمىّ الأحول، قال: حدّثنى بعض ولد سعيد بن سالم، قال: لما عقد الرشيد البيعة لابنيه وكتب بينهما كتابا علقه في سقف الكعبة ما كان شيء أعجب إليه يسمعه من استصابة رأيه في ذلك وتوكيده من شعر أنشده أشجع:
قل للإمام ابن الإمامأهل التحية والسلام
إن الخلافة لم تزلبيديك موثقة الزّمام
استأنس الحرمان منك بزورة في كل عام
والحجر والحجر الأصمّ بطول مسّ واستلام
قضيّت نسكك وانصرفت بخير ظعن أو مقام
وكتبت بين خليفتيك كتاب قطع للخصام
عقد سددت قواه ماسجع الحمام مع الحمام
قلدته عنقيهمابشهادة البيت الحرام
والمسلمون شهود ذالك بين زمزم والمقام
وشهيدك الله العلي عليهما وعلى الأنام
حدّثنا عون بن محمد، قال: حدّثنا العباس بن رستم، قال: وعد يحيى بن خالد أشجع وعدا فتأخر عليه فقال:
رأيتك لا تستلذ المطال وتوفى اذا غدر الخائن
فماذا تؤخّر من حاجتيوأنت لتعجيلها ضامن؟
ألم تر أن احتباس النوال لمعروف صاحبه شائن
فلم يتعجل عليه ما أراد، فقال:
رويدك إن عزّ الفقر أدنىإلىّ من الثراء مع الهوان
وماذا تبلغ الأيام منيبريب صروفها ومعى لساني
فبلغ قوله جعفرا فقال: ويلك يا أشجع، هذا تهدّد فلا تعد لمثله! ثم كلم أخاه فقضى حاجته فقال:
كفانى صروف الدهر يحيى بن خالدفأصبحت لا أرتاع للحدثان
كفانى- كفاه الله كلّ ملمة-طلاب فلان مرة وفلان
فأصبحت فى رفغ من العيش واسعأقلب فيه ناظرى ولسانى
حدّثنى عون بن محمد، قال: أنشدنى علىّ بن الجهم قصيدته الدالية:
قالوا حبست فقلت ليس بضائريحبسى وأىّ مهنّد لا يغمد
فأعجبنى فقلت أسألك الله أسبقك أحد إلي قولك فيها،
شهدوا وغبنا عنهم فتحمكوافينا وليس كغائب من يشهد
وما بعده من الأبيات؟ فقال قولي أحسن من قول من سبقنى قلت: ومن هو قال أشجع السلميّ لجعفر بن يحيى وقد جعل اليه ناحية فكان بها فرفع عليه قوم فقبل قولهم فيه، فكتب إليه من أبيات:
لقد هزّت سنان القول منىرجال وقيعة لم يعرفونى
هم جازوا حجابك يا ابن يحيىفقالوا بالذى يهوون دونى
أطافوا بى لديك وغبت عنهمولو أدنيتنى لتجنبونى
وقد شهدت عيونهم فقالتعلىّ وغيّبت عنهم عيونى
قال الصولي وجدت هذه الأبيات لأشجع في قصيدة أولها:
أمفسدة سعاد علىّ دينىولائمتى على طول الحنين
وما تدري سعاد اذا تخلتمن الأشجان كيف أخو الشجون
تنام ولا أنام لطول حزنىوأبن أخو السرور من الحزين
لقد راعتك عند قطين سعدىرواحل غاديات بالقطين
كأن دموع عيني يوم بانواجداول من ذرى وشل معين
وبعد هذا أبياته الاربعة:
ولما ان كتبت بما أرادواتدرع كل ذي غمر دفين
كففت عن المقاتل بادياتوقد هيأت صخرة منجنون
ولو أرسلتها دمغت رجالاوصالت في الأحشة والشئون
وكنت إذا هززت حسام قولقطعت بحجة علق الوتين
لعل الدهر يطلق من لسانىلهم يوما ويبسط من يمينى
فأقضي دينهم بوفاء قولوأثقلهم لصدقي بالديون
وقد علموا جميعا أن قولىقريب حين أدعوه يجينى
وكنت إذا هجوت رئيس قوموسمت على الذّؤابة والجبين
بخط مثل حرق النار باقيلوح على الحواجب والعيون
أمائلة بودّك يا ابن يحيىرجالات ذوو ضغن كمين
يشيمون السيوف إذا رأونىوان وليت سلت من جفون
ولو كشفت سرائرنا جميعاعلمت من البرىّ من الظنين
علام وأنت تعرف نصح حبيوأخذى منك بالسبب المتين
وعسفي كل مهمهة خلاءإليك بكل يعملة أمون
وإحيائى الدجى لك بالقوافيأقيم صدور هن علي المتون
وإيصالى الي أقصى صلاتىبمكة بين زمزم والحجون
تقرب منك أعدائي وأنأىوتجلس مجلسى من لا يلينى
ولو عاينت نفسك في مكانىاذا لنزلت عندك باليمين
ولكنّ الشكوك نأين عنىبودّك والمصير إلى اليقين
وإن انصفتنى أحرقت منهمبنضج الكىّ أثباج البطون
حدّثنى جبلة بن محمد الكوفي، قال: حدّثنى أبى قال: أول أمر أشجع السلمى اتصاله بجعفر بن أبى جعفر [المنصور] في آخر أيام المنصور، وهو حدث وصله به عوف بن أحمد بن يزيد السلمىّ، وأحمد بن يزيد ومن أول شعره [في جعفر بن المنصور]:
اذكروا حرمة العواتك منايا بنى هاشم بن عبد مناف
قد ولدنا كم ثلاث ولادات خلطن الأشراف بالأشراف
مهدت هاشما نجوم قصيّمن بنى فالج حجور عفاف
إن أرماح بهثة بن سليملعجاف الأطراف غير عجاف
ولأسيافهم قرى غير لذّراجع فى مواجع الأكتاف
مرهفات اذا طفت أعملوهافي مناط الأعناق والأجواف
عزّ جار لبهثة بن سليمبين عوف محله وحقاف
معشر يطعمون من ذروة الشول ويسقون خمرة الأقحاف
يضربون الجبّار في أخدعيهويسقونه نقيع الزّعاف
بسيوف ورثن عن قيس عيلان ثقال على العدوّ خفاف
ولعوف بن أحمد بن يزيدشرف مشرف على الاشراف
إن عوفا وأحمدا ويزيداأسسوا المجد في أشم يناف
من يسوّى بأحمد بن يزيدوبأسلافه من الأسلاف
وله جانب يخشنّ فيلين وفتك يشوبه بعفاف
لبنى زافر سحائب أشجان وظلّ على العشيرة ضافي
كفرت نعمة بنو الحجاف وتولّت منيعة الاعطاف
بعد فكّ الاغلال عن عبد ربومسامير قيده العزّاف
يسكن الطير فى الشباك ولاتسكن روعات قلبه الرّجاف
معصم بالفرار تحمله الرّهبة بين الإيضاع والإيجاف
قال جبلة: وقد أنشد مسعر المنصور بيتين من هذه القصيدة لأنه هلالى، وبنو هلال قد ولدوا بنى هاشم أمّ ولد العباس بن عبد المطلب، أم الفضل الهلالية.
النص من طبعة شركة أمل بالقاهرة (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع